قراءة في خطاب نصر الله...لم يعلن الحرب لكنه نفخ في النار
كان كل المهتمين بالشأن العام في العالم، عرباً وغير عرب، منتظرين خطاب السيد حسن نصر الله، بعدما أعلن موعده وحشدت له الساحات. ثم جاء الخطاب واختلف الناس في تقييمه، كان المتفائلون يرون أن أحسن الأوقات للمشاركة في الصراع ضد إسرائيل لتحقيق أفضل النتائج السياسية هو فتح الجبهة في الجنوب اللبناني، بخاصة أن لدى المتفائلين انطباعاً بأن "حزب الله" لديه من السلاح والرجال ما هو أفضل، وهو كثيف الكتلة النارية، كما كان يقول دائماً، وذلك لتحقيق هدفين، الأول الإسراع في إنهاء الصراع (إذ إنها إن لم تكبر فلن تصغر)، وثانياً للتخفيف من عملية الإبادة التي تحدث في غزة، بخاصة بعد سماع أصوات من "حماس" بطلب العون من محور المقاومة وبعد استقرار فكرة وحدة الساحات... إلا أن ذلك لم يحدث.
الخطاب وقع على ثلاث شرائح كبيرة من الجمهور، أولاها الشريحة المقتنعة بكل ما يقوله "حزب الله" من سرديات من دون التفكير فيها، أكانت صحيحة أو خاطئة، ولن يجدي في هذه الشريحة حديث العقل، والشريحة الثانية هي تلك المعارضة لكل أطروحات "حزب الله" التي لا تراه أكثر من ذراع إيرانية في لبنان والمنطقة، فلا تصدق أي سردية مهما كانت عقلانية، أيضاً هذه الشريحة لن تغير رأيها، أما الشريحة الثالثة، وهي ربما تتسع، فهي تلك القابلة بأن تقتنع بما تسمع من تحليل عقلاني يضعها على أول سكة الحقيقة، هذه الشريحة هي المقصودة في هذه المقالة.
بالعودة إلى الخطاب تظهر القضايا السبع الكبيرة الآتية:
أولاً: كان السيد حسن محقاً في وصف العدوان على غزة بأنه وحشي، بل بربري، كما ذكر الأسرى في سجون العدو، والحصار على غزة، وهدم البيوت، كل ذلك صحيح، ولكن لم يقل لسامعيه لماذا اختير هذا التوقيت بالذات، فكل ما ذكر قديم ومتوحش وصلف، لكن لماذا الآن تفجر الموقف؟ المتغير الذي يراه كثيرون أن هناك خطط سلام تبحث في المنطقة سوف يتمخض عنها وضع للفلسطينيين أفضل بكثير مما هم فيه، ولقطع الطريق على ذلك المسار الصعب ولكن الواعد، تم تفجير الحدث، ربما بوعد من "المحور" بأنهم قادمون جحافل للنصرة، وهو ما لم يتحقق!
ثانياً: تبرئة إيران علناً وبوضوح من أن ليس لها يد أو علاقة بما حدث، فإيران، كما قال السيد، تساند ولكن ليست لها أي وصاية! فقرار التفجير كما ذكر السيد حسن وشدد "قرار فلسطيني 100%"! وهذه فكرة من الصعب تمريرها على معظم المهتمين والمطلعين في دول العالم، فقد أعلنت إيران مناصرتها، كما أعلنت "حماس" على كل منبر، ولكل من يريد أن يسمع، امتنانها للدعم (المادي والتدريبي والتسليحي) الوارد من إيران، كما أن وزير الخارجية الإيراني طاف على العواصم وجهر بالتصريح الذي يقول "الإصبع على الزناد"، ما معناه "مناصرونا جاهزون للمعركة"! ومن يريد أن يفاوض فليتحدث إلى طهران. إذا أضفنا إلى ذلك تاريخاً طويلاً من التصريحات بأن سلاح "حزب الله" وأمواله ومعاشاته كلها من إيران! إذاً لماذا التبرئة؟ هنا بيت القصيد، جاءت التبرئة للنأي بالنفس عن نتائج العملية المدمرة إن ذهبت إلى الأسوأ أولاً، وثانياً لاستكمال دور الوساطة (إن أمكن) للحصول على فائدة سياسية خاصة بطهران إن قبل الأطراف بذلك.
ثالثاً: جاء في الخطاب تشجيع "السواعد اليمنية والسواعد العراقية" على الدخول في المعركة (عن بعد) وهو القول القديم بأن تحرير القدس يمر بالقلمون وعمان من بين بلاد أخرى! وهو يعني أن هناك ساحات يمكن أن تسخن على رأس دولها أولاً، وهو يعني تهديد الأمن الإقليمي، وثمة شواهد عديدة على ذلك، ولكن لم يذكر السواعد الإيرانية!!
رابعاً: دخل الحزب في معارك في سوريا وذهب فيها الكثير من أرواح مناصريه، لكنه ولا مرة أعلن كم عدد قتلاه هناك، كان العالم يخمن من مصادر مختلفة ذلك العدد، هذه المرة ذكر السيد حسن أرقاماً دقيقة لقتلاه في الجبهة ولآخرين من الجماعات الأخرى، وهو أشار إلى "أننا اشتبكنا مع العدو منذ اليوم الثاني للمعركة"! إشغالاً وليس إشعالاً، وهي محاولة لدرء اللوم من قبل المتفائلين على احتمال التقاعس.
خامساً: شدد السيد حسن نصر الله على أن الحزب لن يدخل الحرب حتى تعتدي إسرائيل على لبنان، وكان القول السابق إنها بالفعل معتدية لأنها تحتل قرى مزارع شبعا اللبنانية! وإن تجاوزنا النقطة الأخيرة، فإن أي عاقل لا يرغب أو يدعو إلى دخول الحرب لأن نتيجتها خراب لبنان أكثر من خرابه الحالي، والذي يعتقد كثيرون أنه نتيجة طبيعية لتحكم سلاح الحزب، إلا أن التساؤل يبقى قائماً وهو تساؤل مشروع، إذا لم يكن الحزب ينوي الدخول في حرب فلماذا كل هذا السلاح الذي يمكن تسليمه للجيش اللبناني وإعمار لبنان في ظل السلم، أم أن الموضوع هو الاحتفاظ بذراع إيرانية تُستخدم لحراسة مصالحها وكيف تراها؟
سادساً: ليس من العدل أن يطلب من السيد حسن إعلان النفير، فالوضع الدولي القائم هو وضع صعب، والعدالة الدولية كما يطلبها الحالمون غير محققة، هناك تأثير قوي إعلامي واقتصادي وسياسي على متخذ القرار الغربي وهو صاحب القوة الأكبر اليوم، وتأثير آخر على دول الشرق الكبرى، نتيجة تراكمات تاريخية واقتصادية تجعل هذه الدول تميل إلى الجانب الإسرائيلي، لأن الأخيرة اعتمدت جزئياً على عمل دؤوب ومنظم وربط مصالح، حتى مع الجوار الإقليمي، وكل ما يحدث هو وضع الإقليم رهينة لشعارات لم تعد تشترى من قطاعات واسعة.
سابعاً: (زبدة الموضوع) لقد تم تحريك ما يحدث أمامنا والذي هو بمثابة "هولوكوست" على غزة من طرف إقليمي هو طهران، لأسباب خاصة بها وبأجندتها، محتفظة حتى الآن ببضع أوراق، منها صوت السيد حسن الجهوري، والذي تفضله الأذن العربية العاطفية، من أجل تحقيق أفضل النتائج لها، وليس للضحايا العزّل، وقد لخص ذلك فلسطيني له منبر في أميركا بالقول، بعدما سمع الخطاب، إنه يقول لحماس "دبروا حالكم"! ويا له من ملخص صادم من شخص مناصر!!
*نقلا عن النهار
كان يمكن أن يكون خطاب حسن نصرالله عادياً، من حيث جموحه الشعبوي الغيفاري، الذي أعماه عن إدراك المخاطر والتحديات التي تحيق بلبنان والإقليم.
في محطتين أساسيتين، استمرأ نصر الله، لعبة الإنكار، العتيقة، في عدة مواقع. ففي حين لم يدّع ِ أحد، ولا حتى الإسرائيليين، ان حماس أبلغت الحزب بساعة الصفر في هجوم السابع من تشرين الأول (أكتوبر)، تقول المعطيات الملموسة، وبعضها من أصدقاء "حماس"، ان حجم وكميات المعدات الإيرانية التي كانت تتدفق من اليمن نحو بورتسودان ومن ثم نحو سيناء، والتدريب المعلن للآلاف من عناصر حماس والتنسيق والتخطيط الاستخباري الكثيف، لا يدع مجالاً للشك، ان إيران كانت على علم بجوهر وأهداف وأبعاد ما تحضر "حماس".
لذلك تُقرأ رسالة نصرالله عن استقلالية قرار "حماس"، من منطق أن قرار دخول "حزب الله" للمعركة، ليس حمساوياً، هو إيراني بامتياز. ذلك ان "حماس" تردد، خارج كل قواعد البروتوكول "الثورية"، "بالعتب" الغاضب المتكرر للإخوة في "حزب الله"، بأن لا يقطعوا الحبل بهم، بعد أن نزلوا لمنتصف البئر.
لكن نصرالله، ما لبث أن دحض حجته بالحديث عن ترابط الساحات، وليبارك الصواريخ والمسيرات ضد الأهداف الأميركية. فليس هذا تضامناً عفوياً.
الإنكار الثاني هدف لرسم صورة ملائكية لمقاتلي "حماس"، وتطهير يدهم مما ارتكب من عمليات قتل للمدنيين الأبرياء في المستوطنات الإسرائيلية. فبادعائه أن الجيش الإسرائيلي هو الذي ارتكب هذه الجرائم كان تلفيق نصر الله من ذات عيار التلفيق الإسرائيلي بادعائه أن الجهاد الإسلامي هو من قصف المشفى المعمداني.
لكن أخطر ما عكسه الخطاب كان انتفاخه بالغرور. فلقد أعلن تحالفاً استراتيجياً إقليمياً لمحور "المقاومة"، مقابل الحلف الغربي وليهدد الولايات المتحدة وإسرائيل، ولينتقد بعدئذ الدول العربية التي لا تنسجم مع اجندته.
بذلك رسم نصر الله خندقاً مقابلاً للتحالف الغربي بأسره. ثم انساق في لحظة من غرور القوة لتهديد الولايات المتحدة والدول الغربية بتدمير أساطيلها، والويل والثبور وعظائم الأمور.
ذكرني خطاب نصر الله بخطاب ستالين في عيد العمال 1946 حيث أعلن "الحرب على الإمبريالية العالمية". واليوم لو تحدث الزعيم الصيني شي جينبينغ بهذه اللهجة، لقلنا لا بد ان الصين حققت نقلة نوعية جديدة في ردعها الاستراتيجي، بل ولابد انها أنجزت نقلة كبيرة في قدراتها الهجومية كي تهدد بهذه الطريقة.
لكن ان يوصل غرور اللحظة نصرالله ليتصرف كدولة، بل كدولة كبرى، بل كزعيم لتحالف ومعسكر إقليمي، فذاك غرور يجر دول المنطقة نحو انتحار جماعي. لكن من ينصت لعبداللهيان وزير خارجية إيران، يدرك ان إيران ستكتفي بالنفخ في الحريق، لا أكثر ولا أقل.
ثمة من يقول أن نصرالله يعتقد أن الأميركيين سرعان ما يملون كالعادة، وكما ملوا من أفغانستان، ليخرج نصر الله عندها برايات النصر، فهكذا فعلت "طالبان" وهكذا فعل "القاعدة". فهل هذا ما يقصده؟
لكن أخطر ما ورد في خطاب نصرالله، هو ربطه بين تصفية "حماس" في غزة وبين تورط "حزب الله" وتوابعه مباشرة في الحرب ضد إسرائيل والولايات المتحدة.
فإخراج "حماس" من الصورة الفلسطينية، صار ضرورة لكل المتحالفين في الإقليم لإتاحة الفرصة لإغلاق المعركة.
أين الخطورة في ذلك! الخطورة هي أن التبجح ليس مجانياً دوماً! والمعطيات التي ولدت خروج المدمرة نيوجيرسي من سواحل بيروت، تختلف جذرياً عنها اليوم. بل يوحي هذا الخطاب أن نصرالله، في عزلته الشديدة لم يعد في حاشيته من يقدم له من المعطيات الا بما يطربه.
لن أتحدث عن التحولات الهائلة في موازين القوى والتوجهات العالمية مند عام 1985 الذي يتشوق اليه نصرالله. لن أتحدث عن عواقب سقوط الاتحاد السوفياتي، ولا عن انهيار جبهة الصمود والتصدي بدولها، ولا عن تحولات العالم وموازين القوى، ولا عن آثار الحرب الأوكرانية على روسيا، ولا عن الوضع الاقتصادي الإيراني، ولا عن الانهيار النهائي للردع السوري، إلخ...
لكني سأشير للتحولات الإقليمية العميقة الجارية الآن. كانت الولايات المتحدة تحاول أن تحتوي إيران إيجابياً. وحاولت اقناع إسرائيل بإمكان تطويعها لتصبح دولة طبيعية بغض النظر عن الحمى العقائدية. وكانت المفاوضات تسير لاستعادة بعض مفاصل الملف النووي، وقامت بتبادل السجناء والافراج عن المليارات، بل وشجعت الاتفاق الإيراني السعودي برعاية صينية، وهناك حديث عن إغلاق قاعدة قطر.
كل ذلك على أمل تشجيع إيران ألا تذهب بعيداً في تحالفها مع روسيا. كان التفاوض الإيراني الأميركي يجري بالمناوشات الميليشيوية والتصريحات النارية، لكن الأمور كانت تبقى تحت الضبط. وكبادرة حسن نية أميركية، سحبت الولايات المتحدة أساطيلها وصار وجودها رمزياً في قطر والبحرين.
بالنسبة للعقل الغربي، كانت أحداث غزة صفعة لكل أوهام التطبيع مع إيران. إذ لا أحد يشتري إنكار نصرالله بعدم وجود علاقة لإيران بتطور الأحداث. وما صفع الدول الغربية يشبه الصفعة التي تلقوها من بوتين بعد غزوه لأوكرانيا. انها صحوة أخرى من أوهام ساذجة حول إيران.
نعم، وكما تحدث نصرالله، بعد السابع من تشرين الأول، لا شيء سيبقى على حاله. فلقد كسرت إيران مزراب العين، وسمحت بنشوء وضع كاد ان يشكل تهديداً وجودياً لإسرائيل، وكاد أن يشعل المنطقة ويجبر الولايات المتحدة على التورط المباشر.
نعم وكما هزت الحادي عشر من أيلول 2001(سبتمبر) أميركا، اهتزت إسرائيل في السابع منتشرين الأول 2023. لكن هذا الاهتزاز شيء والضربة القاضية التي قد تهزم أميركا أو إسرائيل شيء آخر.
وثبت بالتالي ان إيران لا تزال مغرمة بقلب التوازنات ليس فقط ضد خصومها الإقليميين، بل وضد الغرب والولايات المتحدة. وبعدما سعت لتصفية الوجود الأميركي من الإقليم صار هذا الوجود مستداماً طالما بقيت إيران دولة لتصدير الثورات.
الأخطر انه بعد انكسار مزراب العين لم تعد إسرائيل ومعها الولايات المتحدة تقبل بسكين "حزب الله" قرب رقبتها. فكيف ومتى ستتصرف. لذلك لم تكن كلمات حسن نصر الله البارحة لا واضحة ولا غامضة كما وصفها هو. بل كانت مغامرة، خطرة، وغارقة في نوستالجيا زمن مختلف.
*نقلا عن النهار
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|