"حرب غزة" ترمي لبنان بين "فكي كماشة" الانفلاش العسكري والانكماش الاقتصادي
الراي- يحجب دويُّ المواجهاتِ المتصاعدة على جبهة الجنوب، باهتزازاتِها التي بلغتْ أعلى مستويات في اليومين الأخيريْن، الارتجاجاتِ الاقتصاديةَ لربْط «بلاد الأرز» بحربِ غزة بما رَفَعَ مخاطر وقوعها في البركان المشتعل وأَنْذَر بأن يشتدّ أكثر حبلُ الأزمة المالية المتمادية منذ نحو 4 أعوام حول عنق لبنان.
وفيما كانت إسرائيل «توقّع» بالنار والغاراتِ - التي طاولت أعماقاً غير مسبوقة منذ 2006 وصولاً إلى أطراف شرق صيدا - تهديداتها للبنان بوجوب ضمان أن تكون مرحلة ما بعد انتهاء حرب غزة محكومةً على جبهته الجنوبية بإبعاد «حزب الله» عن جنوب الليطاني أو إنشاء «منطقة آمِنة» بعمق نحو 10 كيلومترات تريح مستوطنيها المذعورين، فإن حربَ غزة و«التحاق» لبنان بها لم تتأخّر في أن توضَع «على مقياس» ارتداداتها الاقتصادية والمالية، وفق ما عبّر عنه تأكيد البنك الدولي «أن انعكاسات الصراع الدائر المتمركز في غزة تُمثّل صدمة إضافية كبيرة لنموذجَ النمو الاقتصادي اللبناني غير المستقر»، منبهاً إلى أنه «ما لم يتم تنفيذ خطة شاملة لحل الأزمة، فلن تكون هناك استثمارات طويلة الأجَل ومُجْدية، وسيعاني لبنان مزيداً من التآكل في رأسماله المادي والبشري والاجتماعي والطبيعي».
وإذ جاء موقفُ البنك الدولي في عدد خريف 2023 من تقرير المرصد الاقتصادي للبنان الصادر تحت عنوان «في قبضة أزمة جديدة»، متضمّناً «تحديثاً للتطورات الاقتصادية الرئيسية وتقييماً لانعكاساتها على الآفاق المستقبلية للبلاد»، فإنّ ما أورده على سودويته بدا وفق أوساط سياسية «محسوباً» خارج الاحتمالات الأسوأ التي تشتمل على مباغتة إسرائيل الجميع بعملية عسكريةٍ بخلفيةٍ أعدتّ لها الأرضيةَ الديبلوماسية وتُحَمّي الميدان على نارها، على قاعدة فرْض تنفيذ القرار 1701 بحذافيره بوصْفه مدخلاً لحلّ مستدام لجبهتها الشمالية «التي لا يمكن أن تعود لِما كانت عليه قبل 7 أكتوبر وكأن شيئاً لم يكن في الأيام الـ 75 الماضية».
وتأتي الوقائع المتدحرجة على الجبهة الملتهبة جنوباً، والتي يكاد دخانُها أن يطغى على المفاوضات الشاقّة لبلوغ هدنة مديدة في غزة تمهّد لمرحلة جديدة في الحرب وما بعدها وفق ترتيباتٍ شائكة، لتزيد من القلق حيال ما يمكن أن تشهده الأيام المقبلة في ضوء تأجّج النزاع وتحوّله «اخطبوطياً» مع تمدُّده المتفجّر في الضفة الغربية وعلى الحدود اللبنانية - الإسرائيلية وفي البحر الأحمر، ما يجعل السيناريوهات المتصلة بخطّ التماس اللبناني - الإسرائيلي مفتوحة على كل الاحتمالات، بما قد تحمله من أهوال عسكرياً ومالياً.
ولم يكن عابراً أمس، مضيّ الجيش الإسرائيلي في توحُّشه الذي بات يطاول مختلف رقعة جنوب الليطاني حيث قُتلت امرأة في الثمانين من عمرها (نهاد موسى مهنا) وأصيب زوجها (ماجد مهنا) بجروح في قصف على الأحياء السكنية في بلدة مارون الراس الحدودية، وذلك بالتوازي مع غارات عنيفة فوق الخريبة بين ابل السقي وراشيا الفخار والخيام، وعند أطراف طير حرفا منطقة عين الزرقاء، وكفركلا.
من جهته، أطلق «حزب الله» 3 صواريخ باتجاه مستوطنة أفيفيم في الجليل الأعلى، وقصف «مستعمرة كريات شمونة بصلية صواريخ كاتيوشا»، قبل أن يعلن «أن مجاهدي المقاومة قاموا برمايةِ صواريخ حارقة على أحراج برانيت»، ثم هاجموا «بثلاث مسيّرات انقضاضية دفعةً واحدة تجمعات العدو المستحدثة خلف مواقعه في مزارع شبعا المحتلة وأصابت أهدافها بدقة»، وبعدها «استهدفوا نقطة الجرداح بالأسلحة المناسبة» فثكنة راميم.
وفيما وضع «حزب الله» عملياته تحت عنوان «أن المقاومة الإسلامية لن تتهاون في الدفاع عن القرى والبلدات اللبنانية وستتعامل بالمثل مع أعماله العدوانية ضدها»، و«دفاعاً عن غزة»، لاقى الحزب نشْر الجيش الإسرائيلي فيديو زعم أنه لقصفٍ (ليل أول من أمس) استهدف «مركز قيادة عمليات حزب الله في جنوب لبنان» ببثّ ناشطين قريبين منه مَشاهد من احتراق عدد من سيارات المستوطنين في «أڤيڤيم»، والأضرار التي حصلت داخل مبنى في مستوطنة «دوفيف» عقب إطلاق صاروخ موجَّه من لبنان.
وكان ليل الأربعاء - الخميس شهد على إحدى أعنف الغارات الجوية الإسرائيلية وأبْعدها، حيث نُفذت في مناطق شمال الليطاني وتُعدّ في العمق اللبناني وتحديداً في مثلث إقليم التفاح - جزّين - أطراف شرق صيدا، فكانت غارة استهدفتْ أحراجاً تقع بين منطقتي بصليا وسنيا القريبة من جباع وكفرملكي ملقية صواريخ جو - أرض، وأحدث انفجارها دوياً تردّد في غالبية مناطق النبطية وحتى ساحل الزهراني وصيدا.
وفي حين أغار الطيران الإسرائيلي على بلدة مركبا مستهدفاً منزلاً سقط فيه إبراهيم رسلان الذي نعاه «حزب الله»، أعلن الحزب أنه استهدف مروحيتين عسكريتين إسرائيليتين في أجواء شتولا، شومير، وايفن مناحم بصواريخ أرض جو ما أجبرهما على مغادرة أجواء المنطقة على الفور.
ضعف اقتصادي شديد
وهذا التدافع الخَشِن على الحدود اللبنانية - الإسرائيلية عزّز من المَخاوف التي ظهّرَها بيان البنك الدولي الذي أعلن أنه «بعد مرور أربع سنوات على الأزمة الاقتصادية والمالية، لايزال إطار الاقتصاد الكلي في لبنان يعاني ضعفاً شديداً، كما تستمر اختلالات الاقتصاد الكلي قائمة، وفق رصد المؤسسة الدولية، حيث لايزال الحساب الجاري يعاني عجزاً كبيراً يصل إلى 12.8 في المئة من إجمالي الناتج المحلي».
وتحت عنوان «اقتصاد لبنان الهش يعود مجدداً الى حال الركود»، استخلص البنك الدولي، وقوع الناتج المحلي للبلد وأنشطة قطاعاته الحيوية في «قبضة أزمة جديدة» تتوالى فصولها للشهر الثالث على التوالي، وبحيث فرضت حرب غزة وتمدُّدها إلى جنوب لبنان نفسها على معطيات المرصد الاقتصادي الدوري لخريف العام الجاري، والمتضمن تحديثاً للتطورات الاقتصادية الرئيسية وتقييماً لانعكاساتها على الآفاق المستقبلية للبلاد.
أما القسم الخاص من التقرير والذي جاء بعنوان «تأثير الصراع في الشرق الأوسط على الاقتصاد اللبناني» فقوّم تأثير الصراع الحالي وانعكاساته على الاقتصاد اللبناني وآفاق نموه وسط فراغ سياسي ومؤسسي طال أمده. علماً انه نظراً لأن السياحة شكّلت نحو 26 في المئة من عائدات المعاملات الجارية في عام 2022، فإن ديناميات النمو والحساب الجاري تتأثر بشدة بالصراع الدائر.
وبرز في الخلاصات، حسب ايجاز التقرير الذي تلقتّه «الراي»، انه وبافتراض استمرار الاحتواء الحالي للمواجهة العسكرية على الحدود الجنوبية، فقد وجد سيناريو تحليلياً لتقييم تأثير انخفاض الإنفاق السياحي على النمو الاقتصادي أن إجمالي الناتج المحلي الحقيقي سينكمش بنسبة 0.6 في المئة إلى 0.9 في المئة، ما يعاكس خط الأساس الإيجابي قبل الصراع البالغ 0.2 في المئة في عام 2023.
وفي الرصد، فإنه قبل نشوب الصراع الحالي، بدا أن الاقتصاد اللبناني قد بلغ قاعاً موقتاً بعد سنوات من الانكماش الحاد. وكان من المتوقع أن يحقق الاقتصاد، وللمرة الأولى منذ عام 2018 نمواً ايجابياً، ولو بنسبة ضئيلة تبلغ 0.2 في المئة في 2023.
وفي التحليل، ان تقديرات هذا النمو الهامشي كانت مبنيّة في الغالب على عوامل شديدة التقلّب، وأبرزها نمو الاستهلاك الناجم عن موسم سياحي صيفي قوي، والتدفُّق الكبير للتحويلات المالية، وزيادة دولرة الرواتب، بالإضافة إلى علاماتٍ على استقرار (موقت) في نشاط القطاع الخاص. وفي ظل الصراع الحالي وغياب الاستقرار الاقتصادي على النطاق الأوسع، من المتوقع أن يعود الاقتصاد اللبناني إلى حالة الركود في عام 2023.
واكد جان كريستوف كاريه، المدير الإقليمي لدائرة الشرق الأوسط في البنك الدولي، انه «في ظل التقدم المحدود نحو خطة شاملة لحل الأزمة، لا يزال لبنان غارقًا في أزمة اجتماعية واقتصادية ومالية كبرى، تفاقمت بسبب الجمود المؤسسي والسياسي».
وبالرغم من أن السياحة ساهمت إيجابياً في النمو الاقتصادي خلال الفترة الماضية، لاحظ انه «لا يمكن لقطاع السياحة وحده أن يكون بديلاً عن محركات النمو الأكثر شمولاً واستدامةً وتنوعاً، والتي يمكنها أن تساعد البلاد على تحمل الصدمات بشكل أفضل والمساعدة في إعادة اقتصادها إلى مسار التعافي القوي».
وبالفعل، فقد شرع مصرف لبنان في إصلاحات محدودة ولكنها مشجعة، وسط استقرار نسبي في سعر الصرف. مع ذلك، لايزال يتعيّن، وفق توصيات البنك الدولي، إدخال تغييرات جوهرية على الرقابة المصرفية وإدارة السياسات النقدية وسياسات سعر الصرف من جانب المصرف المركزي. ولا يزال استمرار غياب تسوية منصفة للقطاع المصرفي تشتمل على توزيع مسبق للخسائر، وعمليات الإنقاذ وإعادة الهيكلة، يُقوّض آفاق التعافي في لبنان.
وقد شكّل التدفق الكبير للتحويلات النقدية، والتي تمثل شريان الحياة للبنان منذ وقت طويل، شبكةَ أمانٍ اجتماعي بحكم الأمر الواقع وساهم في تحقيق زيادة طفيفة في الاستهلاك المحلي. غير أن التحويلات وحدها لا تكفي لتلبية احتياجات لبنان من التمويل الخارجي.
وفي غياب مصادر تمويل أخرى، فقد يتطلب العجز المزدوج في الحساب الجاري وحساب المالية العامة المزيد من عمليات السحب من احتياطيات البنك المركزي من العملات الأجنبية.
وبالتوازي، من المتوقع أن يتسارع معدل التضخم الذي فاق الـ100 في المئة منذ عام 2021، إلى 231.3 في المئة في 2023، مدفوعاً بانخفاض سعر الصرف واستقراره عند عتبة 90 ألف ليرة لكل دولار والدولرة السريعة للمعاملات الاقتصادية. علاوة على ذلك، تصدّر لبنان قائمة البلدان الأكثر تأثراً بالتضخم الاسمي لأسعار المواد الغذائية في الربع الأول من عام 2023، مسجلاً نسبة قياسية بلغت 350 في المئة على أساس سنوي في ربيع العام الجاري.
وأفضى التضخم وتآكل المداخيل إلى تفاقم هشاشة الظروف المعيشية للفئات الأشد فقراً والأكثر احتياجاً من السكان. كذلك لايزال الدين السيادي الذي بلغ 179.2 في المئة من إجمالي الناتج المحلي في عام 2022 غير مستدام وسط انخفاضٍ حاد في قيمة العملة وانكماشٍ اقتصادي، وفي ظل غياب إعادة هيكلة شاملة للديون.
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|