الصحافة

ليس في لبنان حلولٌ قريبة…فأين الشعب؟

Please Try Again

لن يكون في لُبنان حلولٌ قريبة، وكلّ ما يُقال هو ذرٌ للرماد في العيون. ولذلك يتفنّن مَن أتقنوا تخدير الشعب بدهاء كبير، الإيحاء بأن الوطن مُقبلٌ على انفراجاتٍ كبيرة، تبدأ بترسيم الحدود البحرية، وتمر بتوقيع الاتفاق العتيد مع صندوق النقل الدولي، لتصل الى انتخاب رئيسٍ جديدة. ويوحي هؤلاء بأن مرحلة ما بعد العهد الحالي ستفتح الباب أمام الحلول الكُبرى، وكأنما جنّاتُ النعيم كانت قبل العهد.   

الواقع أن ما يظهر من بعض التفاؤل الوهمي، يرتبطُ بحاجاتٍ خارجية لا داخلية. واليكم القائمة:

  • اولاً: ترسيمُ الحدود، ينطلق من حاجة إسرائيل والغرب لاستخراج الغاز من حقل كاريش بأقصى سرعة وليس من منطلق مُساعدة لبنان وإنقاذه، فلا بُد إذاً من تحييد حزب الله، وإقناع اللبنانيين بأن ما سيوقّعون عليه هو قمة الانتصار وأنه سيفيد لُبنان وإسرائيل.

الواقع أن الترسيم سيسمح لإسرائيل بالبدء باستخراج غاز كاريش، بينما سينتظر لُبنان سنواتٍ أخرى قبل أن يعرف بالضبط ما تحت مائه، وقبل أن يستخرجه ويبدأ باستغلاله وبيعه. وحينها ربما يكون العالم قد تخلّى عن هذه الحاجة، وتكون حرب أوكرانيا قد انتهت.

 لا بأس إذا أن توقّع إسرائيل حاليا على أي شيء يريدُه لُبنان، وعلى أي وعد، وعلى أي وهم، وهي قد تُرسّم معه الحدود فعلا، طالما أن ذلك سيسمح بمساعدة يائير لبيد على كسب معركة انتخابية داخلية بدعم واشنطن ضد بنيامين نتنياهو، ويسمح باستخراج الغاز الإسرائيلي وتصدير بعضه الى أوروبا. وحين يأتي زمنُ نسفِ الإتفاق يكون لكل حادث حديث. 

  • ثانيا :الضغط الغربي لتشكيل حكومة وانتخاب رئيس للجمهورية في الموعد الرسمي، لا ينطلق من الحرص على انقاذ لُبنان واستقراره، وإنما يندرج في سياق شد الحبال القائم بين محورين، ذلك أنه في ظل التعقيدات المستمرة في التفاوض الأميركي الإيراني وتوقيع الاتفاق النووي، المطلوب استخدام لُبنان ورقة سياسية، ضد حزب الله أو لإغرائه. وهذا ما لم يُحسم بعد، وسوف يطول الانتظار.
  • ثالثا: توقيع الاتفاق مع صندوق النقد الدولي. لا أحد يستعجل ذلك في الخارج رغم الايحاءات الكثيرة بضرورة الإسراع. فالمحور المواجه لحزب الله وحلفائه لن يسمح بتعويم هؤلاء بلا ثمنٍ خصوصا أن دولاً كثيرة من التي لها تأثير على الصندوق وعلى الاقتصاد اللُبناني تعتبر أن الحزب مُهيمنٌ على كل شيء وأي دعم للُبنان سيصبُّ في مصلحته. وأما ساسةُ لُبنان فقد تفنّنوا في السنوات الثلاث الماضية، في تنفيذ معظم شروط الصندوق بدهاء وخبثٍ كبيرين، فتم تخفيض (بل قُل قتلُ) سعر الليرة، ورُفع الدعمُ، وخُفّضت تكاليف القطاع العام الى أدنى المستويات (مع التوجه نحو طرد قسم منه)، ووُضعت تعريفات جديدة للكهرباء والماء، ورُفعت أسعار الطاقة والدواء وحتى ربطة الخبز. هذه كلها شروط التقشّف المطلوبة من قبل الصندوق الشهير.
  • رابعا: إعادةُ ودائع الناس التي نُهبت بوقاحة ليس لها نظيرٌ في العالم، لن تعود، وإنما تفنّنت المافيا المالية-السياسية، في دفع الناس لسحب القسم الأكبر من ودائعهم بالقهر والتفقير والظلم. وسوف يستمر الوضع هكذا، حتى تكون المصارف قد حقّقت أرباحا كبيرة والمصرف المركزي حلّ مشكلته والفقراء والموظفون والطبقة الوسطى سحبت كل ودائعها.

لو أضفنا الى كل ذلك عدداً من المافيات التي قامت في العقود الماضية والمرتبطة بالسياسيين وبينها أصحاب الاحتكارات الغذائية والدوائية والمولّدات الكهرباء، والطاقة الشمسية، يُصبح من الصعب مجرد التفكير في كيفية الغاء كل هؤلاء وتولّي الدولة المسؤولية.

فعل الساسةُ الدُهاة كل ما استطاعوا لتمرير كل ما أرادوا، ثم دفعوا الناس، عبر العصبيات والغرائز والطائفية وتسوّل المساعدات المنهوبة أصلاً منهم، للتصويت لصالحهم في الانتخابات الأخيرة، وأما ما افرزه المجتمع المدني والثورة المبتورة من نوّاب، فانتهى معظمهم في أحضان طبقة سياسية كانوا يصدحون في الساحات ضدها بشعار ” كلن يعني كلّن” ولو دقّقنا قليلا بعلاقات ” نواب التغيير” ببعضهم البعض، لوجدنا بينهم من الكُره والتنافر والتنافس ما يثير الشفقة. وهذا بحد ذاته كارثة، لأنهم لو فشِلوا في إحداث الفرق، فإنهم سيدفعون الناس لليأس بأي تغيير مُحتمل.

أين المُشكلة؟

هي في ” متلازمة ستوكهولم” بحيث يتعاطف المسجون المظلوم مع سجّانه الجائر ويقيم معه علاقةً ودّية، وهي في ” العبودية الطوعية” التي تحدّث عنها الكاتب الفرنسي إتيان دو لا بويسي، وهي في الانكفاء الشعبي مُجدّدا وعند كل أزمة صوب المذهبية والمناطقية والغرائزية العمياء، وهي في الاعتقاد بأن لا بديل عن القائد المُفدّى والزعيم الوحيد أكان سياسياً أو دينياً، وبأن القبول بفُتاتٍ الطعام من يد الطبقة السياسية نفسها أفضل من الجوع.

كان يُنتظر من ” نواب التغيير” النزول الى الشارع والبقاء فيه وقيادة مظاهرات عارمة خصوصا حين توقّف الخبز وغابت الكهرباء تماما ومات الناس في القوارب. وكان يُنتظر من النُخب اللُبنانية والنقابات المهنية والمثقفين والإعلاميين والقضاة وأساتذة الجامعات والأطباء وغيرهم، أن يقيموا الاعتصام تلو الاعتصام، والتظاهرة بعد التظاهرة، لإفهام الخارج قبل الداخل، أن الحصار المضروب على لُبنان، لم يشلّ حزب الله كما اعتقد البعض، وإنما قتل ما بقي من دولة، وجوّع كل الشعب، وأفرغ الوطن من كفاءاته. وكذلك لإفهام الطبقة السياسية المُنتعشة والمتجدّدة والساخرة من كل مُعترض ومعارض، أنها لن تهنأ فوق جُثث الناس حتى ولو أعدت بدهاء كبير كيفية إعادة انتخابها.

لكن المعارضة والشعب باتا يقبلان بأن تنحصر الحياة السياسية بالبحث عن ” وزير غيرٍ مُستفز” لتركيب الحكومة، وعن صفات رئيس الجمهورية، وكأنما المُشكلة هي في الصفات لا في النظام برمّته.

وحين يُقال : مُستفزٌ؟ نطرح السؤال : هو يستفزّ مَن بالضبط؟ فالمستفزُّ المطلوب والمرغوب، هو الذي لم يقبل الانصياع لقائد وحزب وزعيم وطائفة، وهو الذي لم يقبل أن يكون غنمة. وهذا يعني بالضبط أن القابضين على رقبة الوطن وشعبه منذ عقود طويلة ما زالوا أصحاب القرار، يُقرّبون المُستجدي والمطيع، حتى لو افتقر للكفاءة، ويستبعدون ذا كرامةٍ، حتى لو امتلك كل الكفاءة المطلوبة لمنصب.  

فشلت كل الأحزاب، كلّها، وكل القادة والزعماء السياسيين والروحيين، في انتاج مشروع جاذب لشعب جاع، وفشلت المُعارضة حتى الان في انتاج تصوّر لحل وطني وليس لزواريب تعيين وزير هُنا وانتخاب رئيس هُناك، والكلّ يتمتع بالأوهام التي تُساق في الداخل ومن الخارج بأن حلولا قادمة.

أين الحلّ؟

هو فقط في ايقاظ شعبٍ من سُباته وغرائزه وعصبياته، والاقتناع بأن المُشكلة الرئيسة هي فيه وليس فقط في زعمائه والمافيات المتحكّمة برقبته. لم يتعرّض شعبٌ في العالم لحجم الظُلم المعيشي والاجتماعي والسياسي الذي تعرّض له اللبنانيون، وما خنع شعبٌ كما يخنع اللبنانيون (الا قلّة قلية منهم). ويعجب المرء فعلا، كيف أن شعباً طرد كل مُحتل وطامع وغاز عبر التاريخ بتضحيات جسام وشرف كبير، يقبل أن يسير خلف ساسة باعوا الوطن مراراً ولم ينتجوا حلاً لقضية واحدة جوهرية.

الوطن يحتاج شعبا، فلا تصدّقوا الحلول الموعودة، إنها مُجرّد أوهامٍ ووسائلِ تخدير، فالتسويات الخارجية تتعقّد، ولُبنان حتى أشعار آخر، في مهبّ هذه التعقيدات، لأنه، وكما حالُه منذ الاستقلال، فاقدٌ القرار السيادي، ويترك الخارج يقرّر مصيره. 

Please Try Again