"لبنان المحايد": الأجدى براجمي الحياد أن يفهموا أبعاده و يتبصروا عندما يتصل الأمر بمصير الشعوب ومستقبل الأوطان
بيان صادر عن "لقاء لبنان المحايد"
خلال مأدبة إفطار أقامتها هيئة الإسعاف الشعبي، نُقِلَ عن راعي أبرشية عكار وتوابعها للروم الأرثوذكس المطران باسيليوس منصور قوله: "نحن خجلون بحكام البلاد العربية ونشعر بالقرف ممّن يدّعون الحياد. وأيضًا خجلون بحكام البلاد العربية الذين جعلوا من فلسطين كالطفل اللقيط ليُشحذَ عليه المال...". وأنه قال: "الدين يأمرنا بإغاثة الملهوفين وإطعام الجائعين وسقاية العطشين.. فألف تحية للمقاومة من أي جهة كانت وكيفما كانت فلا يهمّني لا طائفة ولا مذهب ولا دين ولا بلد...!"
من البديهي ألّا يمرَّ مثل هذا الكلام من دون توضيح بعض النقاط وتصويب بعض المغالطات. ومع أن هذين التوضيح والتصويب ليسا في معرض الرد على أشخاص إنما جلاءً للغبار الحاجب للوقائع والمشوِّه للحقائق والمتمادي في الضلال والتضليل على مدى أكثر من نصف قرنٍ من تاريخنا الزاخر بمثل هذه الممارسات المتعمّدة. ولأنها كذلك تستوجب التوضيح وعدم السكوت.
إن القول: "خجلون بحكام البلاد العربية الذين جعلوا من فلسطين كالطفل اللقيط ليُشحذَ عليه المال..."، واقع في غير مكانه الصحيح. فحكام البلاد العربية هم من دفع المال، سواء أكان ذلك نقدًا ودفقًا من خزائن دولهم أو خسائر من اقتصاداتهم، دعمًا للقضية الفلسطينية. ومن شحذ على هذه القضية هم الذين ما زالوا يتاجرون بها حتى اليوم ويَلقون التأييد من الممالِقين والمصفِّقين.
والقول: "إن الدين يأمرنا بإغاثة الملهوفين وإطعام الجائعين وسقاية العطشين..." فليس ذا معنى، لأن الإنسانية تفترض ذلك قبل الدين وهي موجودة قبل الدين. وإنَّ اتهام كل من له موقف سياسي أو موضوعي مخالف لما قامت به "حماس" بأنه ضد إغاثة المصابين وإطعام الجائعين وإيواء المشردين في حملة تضليل باهتة، هو بذاته باهت ومردود، لإن العمل الإنساني شيء والكل معه، والموقف السياسي أو الميداني شيء آخر، ولكلٍّ الحق في اتخاذ الموقف الذي يراه مناسبًا في شأنه، من دون أن يعرّضه ذلك في كل مرّة إلى المزايدة من هنا أو التخوين من هناك.
أمّا أن توجَّه التحية للمقاومة فهذا شأنُ من يُوجّهها وشأنُها. لكن في معرض التحايا، يجدر السؤال عن النتائج المترتِّبة عن الأعمال المدرجة تجييشًا تحت عنوان المقاومة، إيجابًا وسلبًا، وتحليلها في شكل موضوعي واعٍ، فعسانا نقع على الإيجابيات التي جنتها شعوبنا منها، وعندها يُبنى على تلك الإيجابيات، علّ غير المقتنعين يعون وينضمّون إليكم في توجيه التحيّات، والله وحده يعرف النيات.
ووصولاً إلى الحياد والموقف منه وهنا بيت القصيد. فالقول: "نحن خجلون بحكام البلاد العربية ونشعر بالقرف ممّن يدّعون الحياد"، يستحق مطولاتٍ لتصويبه وتصحيح تشوّهاته.
أولاً، حكّام البلاد العربية بالمجمل يقودون دولهم وشعوبهم إلى عالم المستقبل بواقعية ورؤية مستشرفة تستحق الثناء والفخر، وإن شاء من شاء الخجل فليخجل من نفسه أولاً وثم ممن يتسلطون على شعوبهم بالقمع والقهر والفقر لاستعبادها وسوقها لتكون مجرّد وقود لحروبه أو ناطقة بالباطل لتغطية عنجهيته ومشاريعه المدمّرة.
ثانياً وهذا هو الأهم، أيْ ما اتصلَ من الكلام بالحياد. فلماذا هذا التشويه لمعنى الحياد وقيمته؟ فإذا كان التشويه ناتجًا عن جهلٍ به وبدوافعه وبالنتائج المترتبة عنه، فالأجدى بالمنتقدين السكوت إذا لم يُقدَّر لهم أن أعطاهم الرب نعمة الإدراك الواعي. وإذا كان ناتجًا عن قصدٍ لمحاربته وإخراجه من التداول بهدف إبقاء الساحة ميدانًا وأذهانًا تحت رحمة قوَّاد القطيع إلى الموت من أجل مشاريع أثبتت عدم جدواها، فهذا مرفوضٌ حكمًا، وثمّة من يمتلك الكثير من القدرة والحجّة والتجارب لإثبات جدوى الحياد وأهميّته، وفي هذا الوقت بالتحديد أكثر من أي يوم مضى.
للمرّة الأكثر من الألف نجد أنفسنا مضطرّين لتكرار القول إن الحياد لا يعني في أي حالٍ حيادًا عن القضايا الإنسانية، كما يُصرُّ المضلِّلون أو المضلَّلون على توصيفه، بل هو حيادٌ عن نزاعاتٍ سياسيّة عسكريّة عقائدية عبثيّة لا طائل لمجتمع أو لبلد محدَّدٍ بها، غير ما يحاول المستفيدون إلباسه إياها من توصيفات لاستخدامه ساحة لمشاريع خارجية... والحياد هو خيار سياسي له متطلباته والتزاماته وغاياته السامية. وفي حالة لبنان ثمّة الكثير والوافر من التجارب والدراسات التي تُثبت أهمية اعتماد الحياد خيارًا ونظامًا. ولو حصل ذلك منذ زمن لما استمر البلد المنهك والمفكك بدفع الأثمان من اقتصاده وطاقات شبابه ومستقبل شعبه، من غير أن تذهب تلك الأثمان الباهظة لإفادة واحدة من الشعارات المرفوعة لدعم قضايا أثبتت الأحداث عقمها.
وبعد، فالأجدى التعمّق في البحث والتبصّر في الكلام والترفّع عن الممالقات عندما يتصل الأمر بمصير الشعوب ومستقبل الأوطان.
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|