إسرائيل في جنوب سوريا.. بداية "حلف دويلات الأقلّيّات"؟
ماذا تُريد إسرائيل من جنوب سوريا؟ ولماذا أعلن رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو تقديم “الحماية” للأقلّيّة الدّرزيّة هناك مُطالباً بعدم دخول قوّات الجيش الجديد المنطقة؟
أثار كلام بنيامين نتنياهو قبل أيّام عن الجنوب السّوري وحماية الدّروز في المنطقة أسئلةً عن أسباب وأهداف تل أبيب من تلك المنطقة.
في محاولة للإجابة عن هذه التّساؤلات، لا بُدّ من العودة إلى تصريحات وزير الخارجيّة الإسرائيلي جدعون ساعر التي أطلقها بعد ضمّه إلى الائتلاف وتعيينه وزيراً للخارجيّة.
كانَ ساعر واضحاً بكلامه عن رؤيته للسّياسة الخارجيّة لبلاده حين تحدّث في شهر تشرين الثّاني الماضي، قبل بدء معركة “ردع العدوان” التي أسقطت نظام بشّار الأسد، عن ضرورة إنشاء تحالف للأقلّيّات في المنطقة بين اليهود والأكراد في سوريا وتركيا والعراق وإيران، والدّروز في سوريا ولبنان، والأقلّيّات العرقية في الشرق الأوسط.
تنبع رؤية ساعر من ضرورة الوقوف في وجه النفوذين السّنّي التّركي والشيعي الإيراني، إذ شدّد على أنّ الأكراد ضحايا الأتراك والإيرانيين.
اليوم بعد سقوط نظام بشّار الأسد، توغّلت قوات الاحتلال الإسرائيلي في المنطقة العازلة في جنوب سوريا، واحتلّت قمم جبل الشيخ الاستراتيجيّة، وباتت على مسافة 18 كلم من العاصمة السوريّة دمشق.
ترى إسرائيل في جنوب سوريا وقمم جبل الشّيخ وهضبة الجولان امتداداً طبيعيّاً لتلال جنوب لبنان التي بقيت فيها القوّات الإسرائيليّة بعد انتهاء مهلة الانسحاب في 18 شباط الجاري.
أهداف إسرائيل في جنوب سوريا
لدى تل أبيب عدّة أسباب وأهداف دفعت رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو لإطلاق تصريحاته عن جنوب سوريا:
محاولة دفع دروز الجنوب السّوريّ للاستقلال عن الحكومة المركزيّة في دمشق، أو إنشاء فدراليّة درزيّة في الجنوب تكون دعامةً لفدراليّة كرديّة في شمال شرق سوريا.
تقدم إسرائيل نفسها حاميةً للأقلّيّات في المنطقة، وهذا ما قد يدفع العلويّين في السّاحل السّوريّ لطلب الحماية الإسرائيليّة والذّهاب نحو إعادة إحياء الدّولة العلويّة في منطقة السّاحل السّوريّ.
هذه الأفكار تعزّز رؤية اليمين الإسرائيلي المتعلّقة بقوميّة الدّولة اليهوديّة وما يُعرف بالنّقاء العرقيّ للدّولة، وهو ما يعزّز دعوات تهجير الفلسطينيين في وقتٍ لاحقٍ من الضفّة الغربيّة وقطاع غزّة.
لن تنظر تل أبيب قطعاً بإيجابيّة إلى تولّي شخصيّة سنّيّة ذات بعد إسلاميّ الحكم في دمشق مثل الرّئيس أحمد الشّرع. وهذا ما يجعلها تنظر بقلق إلى تولّي الأكثريّة السنّيّة الحكم في سوريا، الأمر الذي يفسّر تصريح نتنياهو الأخير بأنّ بلاده لم تكن تريد سقوط نظام الأسد الأقلّويّ.
طوال السنوات الماضية، كان الجنوب السّوري ممرّاً أساسيّاً لتدفّق السّلاح من إيران و”الحزب” في لبنان إلى الضفّة الغربيّة. ووجود إسرائيل في المنطقة العازلة ومنعها دخول قوّات القيادة السّوريّة الجديدة مناطق الجنوب يجعل أمن جنوب سوريا، وبالتّالي الضفّة الغربيّة، تحت العين والقبضة الإسرائيليّتين.
تهدف إسرائيل أيضاً إلى استجماع أوراق قوّة للتفاوض مستقبلاً على اتّفاق سلام مع سوريا. فالتوغّل في مناطق الجنوب السّوريّ يهدف إلى قطع الطّريق أمام أيّ مطالبة سوريّة باسترجاع هضبة الجولان المحتلّ مستقبلاً، وإخراج ملفّ الجولان من طاولات المفاوضات المُحتملة.
تطمح تل أبيب أيضاً إلى إلغاء الاتفاقات الأمنيّة المتّصلة بجنوب سوريا والمنطقة العازلة التي أُبرِمت بعد حرب تشرين 1973 وفرض وقائع أمنيّة جديدة وتوسيع المنطقة المنزوعة السّلاح لتشمل كلّ الجنوب السّوريّ.
تطمح إسرائيل إلى إخراج مسألة قمم جبل الشّيخ من البحث نهائيّاً، وإن كان وزير دفاعها يسرائيل كاتس قد تحدّث عن بقاء “مؤقّت” في المنطقة. لكنّه من الخفّة السياسيّة الاعتقاد أنّ الجيش الإسرائيلي قد يترك قمم الجبل الذي يشرِفُ على كامل الجنوب السّوري والجنوب اللبنانيّ والبقاع والضفّة الغربيّة والأردن ومنطقة الحدود العراقيّة – السوريّة.
كما أنّ البقاء على قمم جبل الشّيخ يعزّز القبضة الأمنيّة الإسرائيليّة في جنوب لبنان ويجعل إمكان إطلاق “الحزب” للمسيّرات والصّواريخ ضعيفاً جدّاً. علاوة على تعزيز رقابتها لمنعه من إعادة بناء نفسه كالسّابق.
تخشى تل أبيب من تمدّد نفوذ تركيا حتّى تصبح على تماسّ معها عوضاً عن إيران. بكلامٍ آخر تحاول إسرائيل أن تبني منطقة عازلة بين نفوذها ونفوذ تركيا الذي توسّع بعد سقوط نظام البعث في شهر كانون الأوّل الماضي. وبالتّالي تحاول تل أبيب قطع الطّريق على أيّ محاولات تركيّة لاستغلال جنوب سوريا لإنشاء مجموعات أو أنشطة تمسّ الأمن الإسرائيلي كأوراق تفاوض كما كانت تفعل إيران في لبنان وسوريا في السّابق.
هكذا باتت إسرائيل تسعى إلى إيجاد دويلات طائفية وعرقيّة تحت عنوان “حماية الأقلّيّات” أو “حلف الأقلّيّات”. في التصريحات تبدو إسرائيل كمن يريد تقديم “المساعدة الإنسانيّة”. لكنّها في العمق تريد توسيع المناطق العازلة عبر نسج هذه التحالفات، وتدعيم أسباب وجودها دولةً قوميّةً لأقلّيّة يهوديّة في بحرٍ عربيّ إسلاميّ يطوّقها من مصر جنوباً إلى لبنان وسوريا والأردن في الشّمال والشّرق.
ابراهيم ريحان - اساس ميديا
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآنشاركنا رأيك في التعليقات | |||
تابعونا على وسائل التواصل | |||
Youtube | Google News |
---|