البستاني يعرض تفاصيل مشروع قانون حماية الودائع مع معهد التمويل الدولي
أربعة آلاف صراف غير شرعي يترقّبون الفرصة مجدداً
انقضى في شباط الجاري عامان على ثبات سعر صرف الدولار على 89 ألفاً و500 ليرة. هو السعر الذي طوى صفحة ثلاثة أعوام من جنون الدولار وتقلباته التي فتحت الشهية على المراهنة بالأزمة. فقامر البعض حتى شبعوا. بالليرة، بالشيكات، وحتى بالودائع التي استخرجت على سعر صيرفة قامروا. وفيما كان البعض يتوقع تجدد هذه المقامرة خلال العدوان الإسرائيلي في العام 2024، يبدو أن كميات الدولار المدروسة التي جرى ضخها في السوق، أحبطت آمال تجار الأزمة، وحالت أيضاً دون تجدد ذبذباته المفاجئة مع انتخاب رئيس للجمهورية وتشكيل الحكومة. فهل تعود مهنة الصرافة إلى انتظامها مع انتظام الحياة السياسية؟
لا تعترف دوائر مصرف لبنان المعنية حالياً سوى بـ 300 صراف قانوني يحق لهم العمل على الأراضي اللبنانية. لكن، في الواقع، هناك أربعة آلاف. بل ربما 400 ألف صراف كما يقول أحد الصرافين المخضرمين. فتدهور قيمة العملة اللبنانية منذ أواخر العام 2019، فتح الشهية على المراهنة بها، وصارت الصرافة "شغلة اللي ما إلو شغل". هؤلاء لا يزالون ينتظرون فرصة، ولو أخيرة، يعولون من خلالها على ظروف سياسية أو مالية، تؤمن لهم ولو "ضربة حظ" أخيرة، ويتوقعون أن تكون في هبوط مفاجئ للدولار.
زمن الرهانات ولّى
بحسب نقيب الصيارفة مجد المصري "انتهى زمن الأرباح التي تحققها المراهنات. لم تعد الليرة تتأثر بخبر طلوع أو نزول ولا بشائعات، اجتزنا مرحلة الهشاشة وبالتالي لكي يهبط سعر الدولار علينا أن ننتظر ما سينتج عن انضباط الحياة السياسية من خطة اقتصادية - مالية ومن إصلاحات". فلماذا لم يذبْ تجار الأزمة إذاً بعد سنتين من استقرار العملة مجدداً؟
لطالما شكل تجمع الصرافين في شتورا مؤشراً لحركة الصرافة على مختلف الأراضي اللبنانية. إلا أن الساحة تبدو اليوم فاقدة حيويّتها "الأقرب للفوضى" التي شهدتها بين نهاية عام 2019 ونهاية عام 2023. غياب "تجار الشنطة" الذين جعلوا من صندوق السيارات خزناتهم، ليس سوى مؤشر إلى تراجع حركة السوق. يقول أحدهم "لولا الطلب على تبديل العملة السورية، لكنا اليوم بلا شغل". حتى الليرة السورية ليست بمنأى عن الاحتيالات التي تعرضت لها في بداية سقوط نظام بشار الأسد. يقول أحدهم إنه اشترى التجار الألف ليرة سورية بألفين لبنانية، قبل أن يتبين أن السعر بقي في محيط العشرة آلاف ليرة لبناني. هذا في وقت تخلق ذبذبات هذه الليرة المرتبطة بتطورات سوريا السياسية، حماساً مثل الذي رافق قفزات الليرة اللبنانية قبل استقرار سعرها. يتوقع الكثيرون تحسناً في قيمتها متى رفعت عن سوريا العقوبات الدولية، ولذلك يخزنون كمياتها طمعاً بجني أرباحها. هو مبدأ المراهنة نفسه الذي ساد في مرحلة فلتان سعر الليرة اللبنانية، والذي يكاد يكون وحده محركاً للسوق، أقله في ساحة شتورا.
لكن سوق شتورا لم يعد فعلياً المؤشر لحركة التداولات العامة. أقله هذا ما يقوله صرافو الساحة المرخصون. فمجمل الحركة تدور حالياً في المجموعات أو "الغروبات". فهي اليوم من يهيمن على تداولات السوق بمختلف العملات، وتقبض فعلياً على أرباحها.
يشرح علي اللقيس وهو أحد الصرافين من الفئة "باء" في تجمع صرافي شتورا، وعضو سابق في النقابة، "أن خدمة "الديليفري" الإضافية التي يقدمها تجار الغروبات جعلتهم يتفوقون على الصرافين الشرعيين. يكفي أن يعرض أحدهم حاجة لبيع أو شراء كميات من أي عملة، حتى يحصل على السعر الأفضل عبر المجموعة، مع خدمة توصيلها، وهذا ما يجعلنا حالياً بلا عمل".
لا يخضع هؤلاء التجار لأي من الضوابط المفروضة على الصرافين الشرعيين. فلا كشوفات مالية يقدمونها، ولا ضرائب يسددونها، وهذا ما يجعل منافستهم غير متوازنة. إلا أن هؤلاء ليسوا المنافسين الوحيدين. بل يشكو الصرافون أيضاً من تحول كل فروع OMT ووكلائها في المناطق إلى مضاربين في سوق الصرافة. برأي الصرافين يتحمل مصرف لبنان المسؤولية، لكونه سمح للفرع الرئيسي لشركة OMT خلال الأزمة بلم الدولار من السوق. ومع إنه اشترط أن تكون العملية ONE WAY، بمعنى أن يكون شفط الدولار لمصلحة مصرف لبنان من دون بيعه، لم يحرص المصرف على تطبيق شرطه، فراح هؤلاء يبيعون الدولار ويشترونه، ويزاولون كل أنشطة الصرافين، من دون مسوّغ قانوني يسمح لهم بذلك.
اختفاء الشيكات المؤجلة - المسطرة - والمصدقة
انطلاقاً من وصف هذه الفوضى التي تسللت إلى القطاع، يقرّ صرافون شرعيون أنهم استدرجوا إلى المضاربة أيضاً في سوقه غير الشرعي. ويحمّل بعضهم، خصوصاً ممن هم من فئة "باء" المسؤولية إلى قرارات مصرف لبنان، لا سيما تلك التي دعمت الدولار لصرافي الفئة "ألف" في بداية الأزمة، محدثة شرخاً حتى في وسط نقابتهم.
يتحدث الصرافون في المقابل عن خسائر وأرباح رافقت تقلبات سعر صرف الدولار. وبحسب النقيب المصري فإن الصرافين الشرعيين الذين يضعون ضمانات مالية بالليرة الللبنانية لدى المصارف خسروا قيمتها في بداية الأزمة، ولكنهم عوضوا الأمر مع التقلبات اللاحقة. معتبرا أن الكل كان في هذه المرحلة يقامر، وحتى الصرافون الشرعيون.
مع انتهاء مرحلة التنافس بين الشرعي وغير الشرعي على حجم السوق، تكاد حركة التداول تكون شبه معدومة حالياً داخل مؤسسات الصرافة الشرعية. فبحسب الصرافين هم خسروا بسبب أزمة المصارف أيضاً، جانباً من نشاطهم الذي كان يرتبط بصرف الشيكات المؤجلة أو المسطّرة والمصدقّة، بالإضافة إلى توقف نشاطهم في وقت سابق بصرف الشيكات السياحية، بحيث حصر عملهم طيلة فترة الأزمة بالتداول بشيكات اللولار - أو الدولار المحبوس - بالإضافة إلى تداول المعادن، التي بقيت تؤمن هامشاً من الربح، في مقابل تراجع التداول بسائر العملات الأخرى، غير الدولار، مع تراجع الحركة السياحية من وإلى لبنان.
أرباح مبنية على دراسات تحليلية للأسواق
لذلك يقول بعض الصرافين إنهم بحثوا عن منافذ أرباح أخرى "لنبقى واقفين على أقدامنا". فبرز توجه للتعامل ببورصة العملات المقرونة بقرارات مالية وسياسية، وهذه شكلت نوعاً آخر من المقامرة إنما المبنية على دراسات وتحليل للأسواق، وهذا ما يبقي خسائرها محدودة مثلما هي الأرباح التي توفرها.
إلا أن الأخطر كان في تحول الشرعي من الصرافين للعمل بشكل غير شرعي، تجنباً للقيود والضرائب. يشرح النقيب المصري أن جزءاً من الصرافين أوقف العمل في مؤسساته المرخصة، فتح مؤسسات رديفة يبيع فيها الهواتف أو غيرها، لكنها تتعاطى الصيرفة من خارج القوانين المفروضة. ويبرر المصري هذه الحالة الشاذة بعدم تحمل الأجهزة المعنية مسؤوليتها في الملاحقة الجدية لتجار العملة المضاربين.
والتفلت من الضوابط شكّل تحدّياً سهّل التداول بالعملات المزورة، أو حتى تبييض الأموال وتنفيذ عمليات النصب، وهي أمور تكررت في المرحلة الماضية، فلماذا إذاً لا تتحرك الأجهزة الأمنية لقمع هذه الظاهرة؟
"لا تندهي ما في حدا"
بحسب النقيب المصري "نحن نتقدم بالشكاوى بشكل مستمر، لكننا لا نلمس أي تحرك. لا بل قيل لنا إن هناك مذكرات بحث وتحرّ بحق نحو أربعة آلاف شخص يزاولون المهنة بشكل غير شرعي، فهل يتم توقيف كل هؤلاء؟".
بالمقابل يرى جزء من الصرافين أن "عودة الانتظام إلى السوق تقترن باستعادة الدولة هيبتها وفرضها القوانين وتطبيقها على مختلف الأصعدة، خصوصا بعد ما عانينا منه من غياب للسلطة على مختلف المستويات سواء المالية أو السياسية أو الأمنية".
لكن هذه الأمور كلها مرتبطة ببعضها كحلقة متكاملة وفقاً لما يقوله المصري، الذي يتوقع أن يصفّي السوق نفسه من التجار غير الشرعيين كلما استقرّ الوضع النقدي، وتراجع إغراء الأرباح التي تحققها المهنة بالنسبة لغير الشرعيين. إلا أن السؤال يبقى وفقا للمصري "إلى متى يمكننا أن نصمد وننتظر؟".
لوسي بارسخيان - نداء الوطن
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآنشاركنا رأيك في التعليقات | |||
تابعونا على وسائل التواصل | |||
Youtube | Google News |
---|