هل "تُهرّب" حكومة سلام موازنة 2025 بمرسوم؟
يعلق مشروع موازنة العام 2025 في "البرزخ"، بين مجلس الوزراء الذي لم يطالب باستردادها من أجل تعديلها، وبين البرلمان الذي لم يردّ مشروع القانون، ويحتفظ به من دون توزيعه على النواب.
يبدو أنّ حكومة "الإصلاح والإنقاذ" ستقرّ مشروع الموازنة الذي أعدّته حكومة الرئيس نجيب ميقاتي المستقيلة، بمرسوم... وهو ما يُعتبر بمنزلة "فضيحة". إذ كيف لحكومة إصلاحية أن ترضى بإقرار قانون موازنة لم تضعه بنفسها، وإنما حكومة بتراء – عرجاء، تُوجّه التُهم لبعض وزرائها بالفساد، وُضع في ظل حرب مدمّرة طالت لأكثر من سنة وأدّت إلى تدمير نصف لبنان؟
الإقرار سيتمّ تحت مسميات وحجج عدّة من صنف: "انتهاء المهلة الدستورية"، أو تحاشي "مطالب الوزراء" الذين "قد تتفتّح شهيتهم على زيادة الإنفاق"... وقس على ذلك الكثير الذي يبدو عملاً مدبراً من أجل "تهريب" المشروع تحاشياً للخلافات والجدل.
تفيد معلومات "نداء الوطن" بأنّ رئيس مجلس النواب نبيه بري وَعَد بالتنسيق مع الرئيس نجيب ميقاتي من أجل سحب المشروع. كان ذلك قبل انتخاب رئيس للجمهورية، لكن هذا الأمر لم يحصل، حيث استقرّ مشروع الموازنة في البرلمان من دون إقراره في الموعد الدستوري، بسبب عدم قدرة النواب على الحضور إلى البرلمان خلال الحرب أو لاعتراض بعضهم الآخر على التشريع قبل انتخاب رئيس للجمهورية.
ثم انقضت المهلة الدستورية على هذا المنوال، واليوم ترى حكومة الرئيس نواف سلام أنّ إقرار مشروع موازنة، لم تقم هي بتحضيره، هو "أسهل الشرور".
كنعان: فرصة لا تُعوّض
في هذا الصدد، يقول رئيس لجنة المال والموازنة النائب ابراهيم كنعان لـ"نداء الوطن"، إنّ إقرار الموازنة كما هي اليوم، يُعدّ بمنزلة "إهدار فرصة إصلاحية حقيقية". يكشف كنعان أنّ "الحكومة عمرها سنة، وهناك انتخابات بلدية في أيار الحالي، وأخرى نيابية بعد سنة من التاريخ نفسه. فإذا انتظرت الحكومة حتى العام 2026 يمكن القول إنّ الإصلاح قد ضاع والحكومة قد أصيبت بمقتل".
يرى كنعان أنّه لا يمكن الحديث عن "موازنة إصلاحية" أمام وسائل الإعلام، ثم الركون إلى أخرى "منقوصة ومشوهة ولا تعكس أرقامها، حقيقة الشأن المالي والاقتصادي في البلاد". كما ينوّه إلى "أنّنا ما زلنا في بداية العام!".
وبالتالي فإنّ تغيير قانون الموازنة أو تعديله، في أضعف الإيمان يُفترض ألاّ يستغرق أكثر من 3 أسابيع أو شهر". وفي الوقت نفسه يتعهد كنعان بدراسة القانون الجديد في غضون 10 أيام بعد إرساله إلى لجنة المال والموازنة... "فتبصر النور مع منتصف شهر نيسان على أبعد تقدير: موازنة جديدة عصرية وإصلاحية".
يرفض كنعان الحجج التي تُساق حول انتهاء المهلة الدستورية، فيقدّم مخرجاً منطقياً يفيد بأنّ "قانون تمديد المُهل" الذي أقره البرلمان، يشمل كل المهل الإدارية والقانونية والتعاقدية، وبما فيها طبعاً قانون الموازنة. هذا القانون ينتهي تاريخه في نهاية شهر آذار... وهو في نظر رئيس لجنة المال والموازنة "وقت كافٍ من أجل إقرار موازنة جديدة ذات رؤية إصلاحية".
خيارات الحكومة الثلاثة
يؤكد كنعان أنّ الكرة اليوم في يد مجلس النواب والحكومة. إذ يمكن لهما مجتمعين أو لأحدهما أن يعتبر قانون تمديد المهل سارياً على الموازنة، وبهذه الحالة يمكن استردادها، والقيام بواحد من الخيارين:
1. استرداد الموازنة ووضع واحدة جديدة إصلاحية تحاكي تطلعات المواطنين اللبنانيين، ووعود حكومة "الإصلاح والإنقاذ"، وأخيراً دعوات صندوق النقد والمجتمع الدولي.
2. استردادها، من أجل تعديل بعض الأرقام فيها، بما تيسّر، وذلك من أجل تصحيح ما أمكن من أرقامها... وذلك أضعف الإيمان.
الخيار الكارثة
أما الخيار الثالث، فهو إقرار مشروع الموازنة بمرسوم، مثلما تبدو طموحات الحكومة اليوم... وتلك هي الكارثة، خصوصاً أنّ المشروع يضمّ أرقاماً غير حقيقية، ويشوبه الكثير من الملاحظات أهمها:
- أنّ أرقامها تعود إلى مرحلة حرب المساندة، ثم إلى مرحلة الحرب الكبرى في أيلول. في حينه كانت ظروف البلاد مختلفة وقد طرأت زيادات كبيرة على النفقات... فمن أين ستأتي الحكومة بتلك الأموال في حال ليس هناك إيرادات؟
- أنّها تستعجل الزيادة في النفقات (خصوصاً الزيادة في رواتب القطاع العام). فيكشف كنعان أنّ الزيادات يمكن أن تحصل بهدوء وبقانون منفصل ولا حاجة إلى "سلقها" في الموازنة ومن دون معرفة الأرقام الحقيقية للإيرادات والنفقات... وبذلك تكون الحكومة قد أدخلت المالية العامة في متاهات لا تنتهي.
- أنّها لم توزّع على النواب، ولا على أعضاء لجنة المال والموازنة المولجة بدراسة جميع تفاصيلها، خصوصاً أنّها ترفع رسوماً قد سبق ورفعتها حكومة الرئيس ميقاتي في موازنات الأعوام 2022 و2024... ويسأل كنعان: "كيف سيصدرون الموازنة بمرسوم من دون مناقشة؟ بأيّ منطق؟".
زيادات خيالية في بعض الرسوم
بعض الزيادات الواردة في مشروع الموازنة، تطال بنوداً في المواد التالية:
- المادة 19: زيادة رسم الطابع المالي الذي ارتفع من 20 ألفاً إلى 100 ألف (4 أضعاف) والذي يشمل كل المعاملات، مثل إفادة السكن وسائر معاملات الأحوال الشخصية (إخراجات القيد الفردية والعائلية، شهادات الولادة والوفاة).
- المادة 21: ضريبة الأملاك المبنية وتسجيل العقود، وقد رفعها المشروع من 3000 ليرة إلى 200 ألف ليرة.
- المادة 29: إخضاع معادلات الشهادات والصفوف لرسم الطابع، ورفعه المشروع من 125 ألفاً إلى 500 ألف للصفوف الثانوية، ومن 50 ألفاً إلى 750 ألفاً للصفوف الجامعية. وكذلك من 10 آلاف إلى 100 ألف ليرة لكل نسخة طبق الأصل.
- المادة 30: الخاصة بتعديل غرامة تأخير تنفيذ وثيقة الوفاة، وكانت 100 ألف وأصبحت 2 مليون ليرة (زادت 20 ضعفاً).
- المادة 31: المتعلقة بالجمعيات الكشفية والشبابية والرياضية، وزادت رسومها بنحو 4 مرات (من 5 ملايين إلى 18 مليوناً).
- المادة 44: المختصة برسوم الكحول المحلية، التي شهدت زيادة ما بين 225 مرة على الشمبانيا و750 مرة على البيرة والويسكي دون 12 سنة.
- المادة 45: رسوم للكحول المستوردة وزادت 300 مرة للمستوردين والمنتجين و333 مرة لتجارة الجملة والمفرق.
- المادة 46: التي تتحدث عن رسوم بيع المشروبات الروحية للمؤسسات السياحية مثل الفنادق، والمطاعم، والمقاهي، والملاهي الليلية، وذلك بزيادة 20 مرة.
في نهاية المطاف، ثمة سؤال يُسأل: كيف يمكن للعهد أن يرضى بتمرير أولى موازنات حكومته بهذا الشكل؟ الخوف أن يكون ثمة إتفاق ضمني بين قطبي السلطتين التشريعية والتنفيذية من أجل "تهريب" الموازنة، بدافع تحاشي الجدل السياسي بين الوزراء، والمناكفات لحظة طرحها على الهيئة العامة في البرلمان للتصويت... فهل ثمة أهمّ من الموازنة للتعبير عن نوايا الإصلاح الحقيقية؟
المصدر: نداء الوطن
الكاتب: عماد الشدياق
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآنشاركنا رأيك في التعليقات | |||
تابعونا على وسائل التواصل | |||
Youtube | Google News |
---|