لبنان بلا زحمة سير؟... يومٌ لن يأتي!
شربل صفير - "نداء الوطن"
تخيّل صباحاً بيروت بلا زحمة سير. تخرج من منزلك، تستقل سيارتك، وتنطلق. لا ضجيج محركات، لا طوابير سيارات تزحف كالسلاحف، لا أبواق تصرخ بغضب. تصل إلى عملك في عشر دقائق بدلاً من أن تمضي ساعة ونصف الساعة في دوامة الجنون اليومي. مستحيل؟ بالطبع! لأن زحمة السير ليست مجرّد ازدحام عادي، بل مرض عضال ينخر شرايين هذا البلد، أزمة تُعيد إنتاج نفسها كل يوم، مدفوعة بالفساد، وسوء التخطيط، والاستهتار المزمن بحق اللبناني في حياة طبيعية.
زحمة السير: لعنة لبنانية بامتياز
في أي دولة طبيعية، الازدحام المروري يُحلّ بخطط نقل متطورة، ببنية تحتية متينة، بأنظمة ذكية لتنظيم الطرقات. أمّا في لبنان، فالزحمة ليست مجرد نتيجة، بل جريمة تُرتكب بحق الناس كل يوم. تخرج صباحاً وكأنك تدخل إلى معركة، حيث لا قوانين، لا تنظيم، ولا حتى أدنى احترام لمفهوم الطريق. الفوضى المطلقة هي سيدة الموقف، والمواطن هو الضحية الدائمة.
الأزمة ليست وليدة اليوم، بل هي تراكم لعقود من الفساد وسوء الإدارة. الطرقات لم تُصمَّم لاستيعاب ملايين السيارات، ومع ذلك، لا شبكة نقل عام، لا سكك حديد، لا تخطيط مستقبلي، بل فقط حلول ترقيعية تضاف إلى سجل الإهمال المزمن.
لماذا وصلنا إلى هنا؟
غياب النقل العام: دولة بلا باصات منتظمة، بلا قطارات، بلا أي وسيلة نقل مشترك حديثة. كيف لشعب بأكمله أن يعتمد على السيارات الخاصة ويتوقع أن تبقى الطرقات سالكة؟
فوضى التخطيط: المباني تُبنى من دون رؤية، الطرقات تُشقّ بلا دراسة، المدن تتوسع بلا بنية تحتية، والنتيجة… شللٌ يومي!
ثقافة القيادة الفوضوية: لا أحد يحترم قوانين السير، لأن القانون نفسه غائب، والمخالفات تُدفع "بالواسطة"، والطرقات تحولت إلى مضمار سباق بين المستهترين.
استيراد السيارات بلا قيود: لبنان بلد صغير، لكن عدد السيارات المسجلة فيه يفوق أي قدرة استيعابية معقولة. كل شخص لديه سيارتان أو ثلاث، بينما الدولة غائبة عن تنظيم الأمر.
غياب الإرادة السياسية: الحلول موجودة، لكن من يجرؤ على تطبيقها؟ مشاريع النقل العام وُضعت في الأدراج منذ سنوات، لكن مافيات النفط، واستيراد السيارات، و"الكوميشنات" تحكم اللعبة، فلماذا تُفتح الملفات إذا كانت الأرباح ستتوقف؟
ماذا لو قررت الدولة التحرك؟
لو قررت الدولة أن تعالج الأزمة، فالحلول ليست مستحيلة. لكنها تتطلب قرارات جريئة، وإرادة سياسية نظيفة، لا تخضع للمحسوبيات:
إطلاق شبكة نقل عام حديثة: حافلات نظيفة ومنتظمة بتذاكر إلكترونية، وقطارات تعيد إحياء خطوط السكك الحديد القديمة.
فرض ضرائب على السيارات الخاصة الضخمة: لماذا يحتاج شخص واحد إلى سيارة رباعية الدفع تسدّ نصف الطريق؟
قوانين سير صارمة: سحب رخص السائقين المتهورين، فرض غرامات عالية، وتركيب كاميرات ذكية في كل الشوارع.
نظام سير ذكي: إشارة حمراء تعني "قف"، وليس "تقدم إذا كنت مستعجلًا"!
توسيع الأرصفة وتشجيع المشي: لماذا لا يُعاد تصميم المدن لتكون صديقة للمشاة بدلاً من تحويل كل زاوية إلى موقف سيارات؟
الحقيقة المرة: الحل لن يأتي!
لكن لنكن واقعيين… لن يتغير شيء! لأن الأزمة ليست أزمة سير فقط، بل أزمة حكم، أزمة فساد، أزمة بلد يُدار بعقلية المافيا. زحمة السير ليست سوى انعكاس للفوضى السياسية والاقتصادية التي يعيشها لبنان، ومن يربح من الفوضى لن يكون مهتماً بإصلاحها.
لذا، في المرة المقبلة عندما تجد نفسك عالقاً في زحمة لا تنتهي، لا تلعن الطريق… بل فكّر في من وضعك هناك، ومن يريد أن تبقى الأمور على حالها. لأن لبنان بلا زحمة سير؟ يومٌ لن يأتي…
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآنشاركنا رأيك في التعليقات | |||
تابعونا على وسائل التواصل | |||
Youtube | Google News |
---|