الصحافة

رسالة باسيل الفرنسية: فرنجية مرشّح المسلمين

Please Try Again

إذا كان من "عبقرية" لجبران باسيل، فهو أنّه خبير في الذاكرة المسيحية، وأستاذ في مفاصلها وفي تشريح عظامها، ويعرف من أين يدخل إلى أعماق الوعي المسيحي، ليوقظ فتنةً من هنا، أو ألماً من هناك.

يتسرّب جبران إلى داخل الجهاز العصبي للعقل المسيحي، ويضرب ضربته، التي غالباً ما تكون "قاضية". لا نبدأ من اختراع شعار "إرجاع حقوق المسيحيين"، ولا نملّ من تذكّر "قبرشمون" وكلام أزلامه عن "خوف المسيحيين من النوم في الجبل"، ولا ننتهي بإعلانه أنّ سليمان فرنجية "مرشّح المسلمين".

طبعاً لم يقُل جبران بالحرف الواحد هذه الجملة: "سليمان فرنجية مرشّح المسلمين". لكنّه قصدها، حين قال إنّه يرفض إعادة ترويكا "برّي – الحريري – الهراوي" بنسخة ترويكا "برّي – ميقاتي – فرنجية".

قصد جبران أنّ الترويكا الأولى كانت "مسلمة"، بكلّ ما تحمله من دلالات "النظام السوري" ومن أنّ الياس الهرواي كان "حريريّ الهوى" و"بريّ النكهة" و"سوريّ الخيار". وبكلّ ما تحمله المقارنة من "حقائق"، خلاصتها أنّ فرنجية لا يحمل أيّ دعم مسيحي في مجلس النواب، من نواب "القوت اللبنانية"، الكتلة المسيحية الأكبر، إلى كتلة جبران باسيل، الثانية في الترتيب المسيحي، ثم كتلة الكتائب وما يليها من نواب مستقلّين ونواب تغييريين، كلّهم يعتبرون فرنجية مرشّح حزب الله وقوى 8 آذار، ودعمه ليس وارداً على أجنداتهم، على اختلافاتها.

التوقيت والجغرافيا

حين يذكّر جبران باسيل المسيحيين بهذه الحقائق، ومن فرنسا"، أمّهم الحنون، ذاتَ قرنٍ فائت، فهو يحاول إيقاظ كلّ آلام الماضي ومشاعر "الإحباط" في تسعينات الترويكا، وأحاسيس  بالاستبعاد عن السلطة... والأرجح أنّه سينجح. خصوصاً أنّ من سمّاهما، برّي وميقاتي، وقعا في الخطأ الكبير:

الأوّل: حين ردّ عليه و"أعطاه المعركة" السياسية والإعلامية التي يطلبها، لشدّ قواعده الشعبية.

والثاني: حين خرج، بلا أيّ صفة، أو كتلة نيابية، أو عمق شعبي، ليعلن من على منبر فضائية عربية، أنّه يدعم فرنجية. هكذا بلا سبب ولا هدف، سوى "خدمة" جبران، في التأكيد على أنّ فرنجية مرشّح "السنّة"، من ميقاتي إلى الكتل التي تكتم دعمها له إلى اليوم، إلى بعض "التغييريين" المرشّحين لـ"التكويع" في لحظة "التسوية الكبرى"، في الداخل والخارج.

حين يقول جبران باسيل للمسيحيين من فرنسا إنّ هناك "ترويكا" جديدة مؤلّفة من "مسلم شيعي" (برّي) و"مسلمَ سنّي" (ميقاتي) و"ماروني – مسلم الترشيح والدعم" (فرنجية)، فهو ينبّههم إلى إنّ "المسلمين سيستعيدون السيطرة على البلاد ومقدّراتها، في لحظة خروج ميشال عون من قصر بعبدا".  وهذا كلام سهل التصديق لدى العامّة من المسيحيين، كما لدى النخبة. إذ أنّ فرنجية لا يرتبط بالعوام من المسيحيين، في الأطراف والمناطق، كما لا يملك روابط قويّة مع النخب المسيحية، في المناطق كما في الجبل المسيحي المركزي.

"التحرّر" من حزب الله

في الخلاصة، ضرب جبران ضربته. جال وصال من حارة حريك حيث التقي الأمين العام لحزب الله، إلى عين التينة حيث التقى الرئيس برّي، إلى بكركي حيث التقى البطريرك بشارة الراعي، إلى فرنسا حيث حاول لقاء الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وفشل، واكتفى بـ"النطنطة" بين وسائل الإعلام، تعويضاً عن "الصورة المفقودة" كزعيم مسيحي يلتقي رئيس فرنسا... وبعد جولته هذه، تبيّن له أنّ أسهم فرنجية جديّة وعالية، فقرّر "أن يحرقه" في الشارع، وصوّب طلقته الكبيرة: "فرنجية مرشح المسلمين".

وإذا كان حزب الله قد أوفى دينه لميشال عون، الذي وقف معه في حرب تموز 2006 ورفض طعنه، بشهادة وثائق ويكيليكس، فهو لا يشعر بأنّ جبران قد سلّفه ديناً يستحقّ الرئاسة في هذه اللحظة. وتغريدة نائب الأمين العام نعيم قاسم قبل يومين كانت واضحة ومفادها: "نريد رئيساً إنقاذياً يتواصل مع العالم". وهذه الصفة ليست متوفرة في جبران.

نحن إذاً أمام حزب الله الذي ليس ملتزماً مع جبران، ومع جبران الذي ليس مقتنعاً ولا بديون بذمّته من الحزب. الطرفان "متحرران" من بعضهما البعض، بالمعنى السياسي المباشر. وبالتالي يعتبر جبران أنّه من حقّه المناورة وإحراق فرنجية على الملأ. وهذا ما يفعله...

 محمد بركات - "أساس ميديا"

Please Try Again