الصحافة

لا أحد يرفع العقوبات عن باسيل إلّا قضاء أميركا

Please Try Again

ads




يبدو أن عشاءً ضمّ سفيرة الولايات المتحدة في لبنان دوروثي شي وعدداً محدوداً جداً من المدعوّين في منزل نائب سابق، تطرّق الى موضوع الساعة بل كل ساعة أي الانتخابات الرئاسية في لبنان وأسباب تعذّر إجرائها حتى الآن رغم شغور الرئاسة الأولى في أعقاب انتهاء ولاية الرئيس ميشال عون في 31 تشرين الأول الماضي. ويبدو أن بعض ما دار فيه تسرّب الى وسائل إعلام قليلة علماً بأنه كان عشاءً اجتماعياً لا سياسياً. لكن أهم ما تحدث به المشاركون في العشاء لم يتسرّب الى الإعلام ربما لأهميته التي فاقت أهمية ما نُشر منه.

طبعاً مادة الأحاديث في العشاء أو موادها لم تتعلق بحرب روسيا على أوكرانيا ولا بتطوراتها المرتقبة أو المحتملة والموعد المرجّح لانتهائها، ولا بالقضايا الشرق الأوسطية المهمة والمستعصية بدءاً بالصراع الفلسطيني – الإسرائيلي المُزمن الذي أضاف رفض إسرائيل تسويته رغم المبادرات الدولية المتنوّعة صراعاً عربياً – إسرائيلياً إليه وانتهاءً بالصراع "العربي – الفارسي" والمذهبي الإسلامي منذ قيام الجمهورية الإسلامية الإيرانية قبل نحو 43 سنة. لكنها أي الأحاديث تمحورت حول المعرقل الوحيد ظاهراً لانتخابات رئاسية تُنهي الشغور الذي قد يستمر طويلاً أي رئيس "التيار الوطني الحر" النائب جبران باسيل. علماً بأن العرقلة المُشار إليها يتحمّلها معه وربما قبله أيضاً حليفه الأول في البلاد وصاحب القوة العسكرية والشعبية والتسليحية الكبيرة التي لا يزال قادراً بواسطتها على منع أعدائه وأخصامه المتنوّعين وغير المتفقين بعضهم مع بعض في الداخل من الانتصار عليه رغم عدم حيازته رسمياً غالبيةً نيابية مطلقة.

لا يعني ذلك عجزه عن تأمينها عند الحاجة أو "الحزّة". السبب أن الحليف المُشار إليه تلافى الغضب والتهديد اللذين تعوّد اللبنانيون عليهما في تصريحات قادته ومواقفهم، وتمسّك بالتوافق من أجل مصلحة لبنان بكل "شعوبه" ولا يزال. لكن خطابه تطوّر في الآونة الأخيرة فصار أكثر وضوحاً رغم استمرار التشديد على التوافق فيه، إذ عاد الى إعلان تمسّكه بالثلاثية الذهبية أي "الجيش والشعب والمقاومة" عنواناً لبرنامج الرئيس الذي سيُنتخب الى تمسّكه بالتوافق على رئيس بواسطة الحوار. وانتقل في سرعة لاحقاً الى الإعلان أن الرئيس الذي يوافق عليه هو الذي يحمي "المقاومة" ومن خلالها لبنان. علماً بأن ذلك كله هو جوهر الخلاف بين اللبنانيين منذ سنوات كثيرة وفي المرحلة الراهنة بل جوهر الصراع الدائر في المنطقة بين معظم العرب وإيران وبين السنّة والشيعة، والصراع الآخر الدائر بين أميركا وإيران الإسلامية فيها ودول كبرى أخرى فضلاً عن إسرائيل التي يبدو أن لها في "كل عرس قرصاً" أي دوراً مباشراً أو خفيّاً في تجليات الصراعات المذكورة.

طبعاً لا يتحمّل الطرف المُشار إليه أعلاه وحده مسؤولية التعطيل، بل يشاركه في ذلك حليفه وشريكه في "الثنائية الشيعية"، وأخصامه بل أعداؤه في الأوساط المسيحية بتحولهم مثله طرفاً في الصراع الدائر في المنطقة معه ومع حليفته الأولى والوحيدة إيران. المضحك المبكي أن حليفه المسيحي الأول يُشارك من حيث يدري أو لا يدري أعداءه المسيحيين الكثير من مواقفهم الرافضة لتحالفاته الإقليمية ولمشروعه الضمني الداخلي ولهيمنته على البلاد بعد تعديل للطائف أو من دون ذلك وغير المعترضة على صيغ أخرى تؤمّن في رأيهم حرية المسيحيين مثل الفيديرالية ومشتقاتها. فضلاً عن أن المسؤولية المُشار إليها يتحمّلها أيضاً السنّة في لبنان الذين يعيشون مرحلة انتقالية صعبة من مكوّن موحّد وصاحب دور مهم ووزن تمثيلي أهم الى مكوّن مشرذم يعيش ابن زعيمهم الذي أحيا دورهم منذ اتفاق الطائف عام 1989 في منفى اختياري لأسباب متنوّعة تتراوح بين تشدّد مواقف الشعوب اللبنانية الأخرى وقادتها وقلّة الوفاء بين قادتها وغضب الحليف الإقليمي الأكبر عليه أي السعودية، وأخيراً عدم نجاحه في احتراف السياسة بـ"رذالاتها" لا بفسادها قبل الجوانب المضيئة فيها. وهي مشتركة بين غالبية زعماء الأحزاب والعشائر والطوائف والمذاهب.

ما هو الموضوع المهم الذي نوقش على العشاء في منزل نائب سابق والذي أجمع المدعوون إليه وهم قلّة على عدم تسريبه الى الإعلام؟ المحاولات الكثيرة التي يقوم بها النائب جبران باسيل لرفع الولايات المتحدة العقوبات التي فرضتها عليه في أثناء النصف الثاني من الولاية الرئاسية لعمّه "الجنرال" ميشال عون، والتي أزعجته كثيراً ليس لأنها تشوّه سمعته رغم اعتباره إياها وساماً على صدره، إذ إن المتسبّب بها كان حليفه المقاوم ومحرّر الأرض من احتلال إسرائيل، أو هذا ما كان يقوله علناً على الأقلّ ولا يزال.

في هذا المجال تفيد المعلومات أن السفيرة الأميركية أكدت أن لا أحد في بلادها يرفع العقوبات أو يستطيع أن يرفعها إلا القضاء. ويحتاج السعي الى ذلك الى تكليف مكتب محاماة أميركي متخصّص في هذه القضايا العمل لرفع العقوبات بعد تكوين ملفّ قانوني "مبكّل"، علماً بأن ذلك يكلّف مالاً كثيراً لا يعتقد اللبنانيون أن باسيل لا يمتلكه. وسبب ذلك أن ملف باسيل مالي لا سياسي رغم اعتراض أميركا على سياسته. وقد سبقه في اللجوء الى القضاء الأميركي لوقف منعهم من السفر الى الولايات المتحدة قلّة من اللبنانيين من بينهم مسؤولون. طبعاً التكاليف المالية في هذه القضية كبيرة. وربما تساعده دولة قطر في تأمينها وهذا كلام لم تقله السفيرة الأميركية ولا المشاركون الآخرون في العشاء على قلّتهم. ولا يعني ذلك أن لا ملف سياسياً لباسيل في واشنطن. لكنه ليس الدافع الى فرض عقوبات عليه.

بعد ذلك تطرّق الحديث الى شؤون سياسية أخرى منها زيارة باسيل باريس وإشاعته أخباراً عن لقاءات رسمية مهمة له فيها وعن طلبه مواعيد مع شخصيات رفيعة. لكن طلبه لم يُلبَّ في معظمه وقد أجاب مسؤول بارز لدى سؤاله عن سبب رفض الاجتماع فأجاب: "أنا لا أرى رئيس حزب". فسُئل: "لماذا قابلت وليد جنبلاط؟". أجاب: "التقيته كصديق فقط". واللقاء الوحيد الفرنسي غير الرسمي الذي حصل مع باسيل كان في أثناء عشاء دعا إليه سفير لبنان في باريس في منزله وقد حضره باتريك دوريل. دفع ذلك كثيرين من المطلعين على زيارته الأخيرة لفرنسا الى الاعتقاد أن قطر صارت الدولة الوحيدة التي تفتح له أبوابها دائماً. أما زيارته دولاً أخرى فلم تعد سهلة كما كانت في السابق.

 "النهار"- سركيس نعوم ads




Please Try Again