الصحافة

في الساحل السوري: العلويون على مفترق مصيري

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

تشكل ما يمكن القول أن ثمة شعورا جمعيا كانت قد قذفت به أحداث 6 - 9 آذار في ذوات العلويين مفاده أنهم بلا<ظهير»، أو إن <لهم الله»، فهم تركوا لمصائرهم دون نصير حتى من «شركاء» لهم في الوطن كانوا، حتى الأمس القريب، يتشاركون معهم «الحي» أو<المدرسة» و<الجامعة»، بل والكثير منهم كانوا يتشاركون معهم» المعتقل» و<الهوى السياسي»، لتكشف الأحداث عن حقيقة مرة تقول أن <الإنقسام الطائفي هو وسم المرحلة الدامغ»، أما التقارير الأممية التي «أنصفتهم على الورق» فما كان لها أن <تسمن ولا تغني من جوع»، و الشاهد الذي أثبت لهؤلاء <صوابية» رؤاهم جاء بعيد تموز الدامي في السويداء، الذي وجدت فيه الأخيرة <حليفا» و<نصيرا»، في حين استطاعت مناطق شرق الفرات المحافظة على أمنها عبر الحليف الإميركي أقله حتى هذه اللحظة.

هذه المعطيات دفعت بالعديد من النخب والتيارات والقوى الفاعلة في الساحل إلى «تجريب» قوالب وطروحات شتى، لكن من دون وجود كثير تناغم فيما بينها، بل على العكس فكثيرا ما كان التنافر هو السمة الأبرز لعلاقاتها مع بعضها البعض، ولعل مرد ذلك يعود إلى عوامل عدة بعضها اجتماعي، وبعضها ذي منبع عشائري، والبعض يعود لاختلاف الرؤى الذي يمكن له أن ينجم عن التفاوت في الثقافة ودرجة النضج الحياتي والسياسي على حد سواء، وكمثال على ذلك يمكن القول أن التنافس ما بين» رجالات» النظام القديم لا يزال قائما للآن، ومحوره الأساس هو: لمن ستكون صدارة المشهد في الساحل؟، ومن الممكن تحديد ثلاثة محاور في هذا الإطار، الأول يقوده اللواء كمال الحسن، رئيس شعبة الإستخبارات العسكرية حتى سقوط نظام الأسد، وهو مقرب من روسيا ورجلها رقم واحد الآن وفق ما يسري في الأوساط المؤيدة له، والثاني يقوده محمد جابر، قائد ميليشيا» صقور الصحراء «التي جرى حلها صيف العام 2017، وهو مقيم بروسيا التي يحمل جنسيتها أيضا، والجدير ذكره هنا أن جابر كان قد اعترف في لقاء متلفز بـ» التخطيط للهجوم الذي نفذته فصائل موالية للنظام السابق على مواقع الأمن العام يوم 6 آذار»، وإن كان قد قال «إن التخطيط لم يجر مسبقا، بل بعد ساعات من اندلاع الأحداث، وبناء على طلب مقاتلين سبق لهم العمل معه «، أما الثالث فيقوده رجل الأعمال رامي مخلوف، ابن خال بشار الأسد و» قيصر» الإقتصاد السوري لمدة تزيد عن عقد ونصف قبيل أن يحصل الصدام بينه وبين الأسد عام 2019، والذي اشتهر بعده بالبيانات التي يغلب عليها الطابع» الإيماني> و<التنبؤي»، أكثر من كونها تأتي في سياق قراءة الواقع والمعطيات، وآخر بياناته المنشورة كان في 25 آب الجاري، الذي شن فيه هجوما لاذعا على السلطات الحاكمة في دمشق وصولا إلى رأس الهرم فيها الذي خاطبه قائلا» ها قد اقترب موعد رحيلك أيها السفياني( والله أعلم)، لأقول: كد كيدك، واسع سعيك، فوالله لن تستطيع تغيير موعد رحيلك»، قبيل أن يعرض لسيناريو الأحداث المقبلة محذرا من معركة قادمة لا محالة في شمال البلاد الشرقي، ثم ليختم بيانه بتوجيه خطاب لأهل الساحل مفاده» لا تسمعوا لكل من يقول إن الوقت مناسب للتحرك»، و» نحن نعلم الوقت المناسب، الذي سيواكبه رعاية دولية واضحة مع تحضيرات كاملة»، ونحن «لم، ولن، نقبل رعاية دولية إلا من قبل أصدقائنا في دولة روسيا الإتحادية»، ومن اللافت هنا أن الخطاب» الإيماني» الأخير كان قد شكل ذروة غير مسبوقة في سلسلة» الهضاب» التي رسمها مخلوف في مساره البادئ منذ عام 2019، بالتزامن مع فقدانه لصفته التي عرف بها على مدى العقد والنصف آنف الذكر.

شهد شهر شباط المنصرم الإعلان عن تأسيس «المجلس الإسلامي العلوي الأعلى>، الذي ضم ممثلين عن الطائفة في اللاذقية وطرطوس وريفي حمص وحماة، وما يقرأ من الفعل أنه محاولة لرص <الصف» العلوي، وإلغاء حالة التشرذم والإنقسام التي عمقتها سياسات النظام السابق داخل هذا الأخير، والفعل، إذ لاقى التفاف شرائح لا بأس بها من حوله، إلا إن حجم الإنتقاد الموجه إليه سرعان ما ارتفعت وتيرته، بمرور الوقت، انطلاقا من طغيان التمثيل الديني على باقي المكونات التي ضمها المجلس، وتلك حالة، كما وصفها عديدون، لا تعبر عن التوازنات القائمة داخل المجتمع العلوي، إن صحت التسمية.

مساء أول من أمس، الأربعاء، جرى الإعلان عن جسم سياسي جديد أطلق عليه اسم» المجلس السياسي لوسط وغرب سوريا>، وفي بيان متلفز قرأ كنان وقاف، أحد الأعضاء المؤسسين للمجلس الذي ضم شخصيات معروفة مثل المحامي عيسى ابراهيم، حفيد الشيخ صالح العلي الذي قاد ثورة الساحل ضد الفرنسيين، وأمجد بدران، وهو أستاذ جامعي وناشط معروف، البيان التأسيسي الذي دعا إلى «فيدرالية في وسط وغرب البلاد لحل النزاعات الداخلية»، كما هاجم البيان الإدارة السورية الجديدة مؤكدا على وجوب <تطبيق القرار 2254 الذي رسم خريطة الحل في سوريا منذ العام 2015، وبقي دون تنفيذ»، كما أعلن البيان عن رفضه لـ<حكومة اللون الواحد التي شكلتها حكومة الأمر الواقع»، وارتأى إن» الشكل المناسب للحكم في سوريا هو الفيدرالية»، وفي تصوره عن ما أسماه <إقليم وسط وغرب سوريا»، الذي يضم محافظات اللاذقية وطرطوس وحمص وأجزاء من ريف حماة، قال إن <الإقليم سيقوم على أسس مدنية علمانية تراعي التعددية السياسية والمجتمعية، وترتكز إلى القانون الدولي لحقوق الإنسان، والمواثيق والعهود الدولية، ليكون نموذجا لسوريا المستقبل الديمقراطية>.

ثمة مؤشرات توحي بإن القرار بالإعلان عن هذا <الجسم السياسي» الجديد، الذي حصد بيانه المنشور على «المربع الأزرق» نحو مليون ومئتي ألف مشاهدة بعد ست ساعات على نشره، ما يشير إلى وجود نزعة، أو رغبة، بكسر هذا الجمود الحاصل وبأي «أداة» كانت، قد جاء في سياق غير السياقات سابقة الذكر، ولعل أبرزها هو «الحضن» اي، ومن دون شك يرمز الإعلان عن وجود قراءة لدى القيمين عليه مفادها إن ثمة رياحا، باتت على وشك الهبوب على سوريا، وإن من «الحكمة» ملاقاتها والاستعداد لها، ولعل تلك الرؤيا رشحت، بالإيحاء على الأقل، من أصحاب <المنبر>، لكن السؤال الذي لا بديل من الإجابة عليه هو: هل يمثل ما جرى مقاربة جديدة من دولة عربية-خليجية للوضع السوري برمته، وهي تحمل تصورا أوليا عن الحلول المفترضة للخروج من هذه الأزمة التي باتت الأشد مما مر به الكيان السوري منذ تأسيسه ؟ أم إن الأمر لا يعدو أن يكون <ورقة» في ملف ما انفكت دولة عرب تعمل على «تسمينه» ليصبح بحجم ضاغط، وكافيا، لتحصيل المزيد من المكاسب في جغرافيا مأزومة ستفضي حلولها إلى رسم توازنات جديدة على امتداد المنطقة؟.

عبد المنعم علي عيسى-الديار

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا