فاق تفجير البيجر في لبنان... تقرير يكشف تفاصيل الهجوم الإسرائيلي الأخير على اليمن
من السيول الى الصهاريج… كيف يغرق لبنان في المياه ويعطش شعبه؟

مع اقتراب فصل الشتاء، تعود إلى الواجهة المخاوف من الفيضانات التي حولت شوارع لبنان في السنوات الماضية إلى أنهار من الطين والمياه الممزوجة بالنفايات المتراكمة، مشاهد السيارات العالقة على الأوتوسترادات، والمنازل التي تتسلل إليها السيول، لم تعد استثناءً في بلد يرزح تحت أزمة اقتصادية ومالية خانقة، بل أصبحت جزءا من "الموسم الشتوي"، يواجهه المواطنون بلا حماية تذكر، فمع أولى زخات المطر الغزير، تتحول طرق لبنان إلى برك ومستنقعات، لتكشف هشاشة البنية التحتية وتقصير الوزارات والبلديات في اتخاذ إجراءات استباقية.
المفارقة الموجعة أن لبنان يغرق شتاء بمياه السيول والفيضانات، بينما يعطش صيفا نتيجة الجفاف المزمن وسوء إدارة الموارد المائية، ففي بلد يضم الكثير من ينابيع المياه العذبة، يعاني المواطنون انقطاع المياه، ويضطرون الى شراء الصهاريج بأسعار باهظة، وقد بينت دراسة المصلحة الوطنية لمياه الليطاني أن عدد الينابيع والعيون الموثقة في لبنان يتجاوز الـ4000 في مختلف المناطق، وتنتشر على كل الخريطة اللبنانية، وفي جميع المحافظات، إلا أن الينابيع الدائمة والكبيرة منها يقدر عددها بحوالى 150 إلى 200 فقط، وبحسب المعاينة الميدانية، تضم محافظتي جبل لبنان والبقاع أكبر عدد من الينابيع المهمة، ويعيد معدو الدراسة السبب إلى الطبيعة الجبلية في السلسلتين الغربية والشرقية، حيث ينشأ عدد من الينابيع الكبرى، تليهما محافظتا لبنان الشمالي ولبنان الجنوبي بعدد أقل نسبياً.
هو مشهد متكرر كل شتاء ربما اعتاده اللبنانيون، الذين يئسوا من حكوماتهم المتعاقبة على السلطة، فبين وعود المسؤولين وتحذيرات الخبراء، يقف المواطن اللبناني أسير الشكوك، "منذ عشرين سنة ونحن نسمع الكلام نفسه ولا شيء يتغير"، يقول أبو علاء، وهو سائق فان مضيفا "في النهاية، نحن الضحايا، سياراتنا تتعطل، أرزاقنا تضيع، ولا أحد يعوض علينا".
أما نادين وهي موظقة تعبر اوتوستراد جل الديب يوميا "في كل سنة نعيش الرعب نفسه، نخاف أن نحاصر بالسيول في سياراتنا"، مشيرة إلى أن "الضرر لا يتوقف عند السيارات، بيوتنا أيضا تدخلها المياه أحيانا بسبب انسداد المجاري وعدم تنظيفها مسبقا"، بدوره يؤكد سامي وهو صاحب محل تجاري في الجديدة أنه "كل سنة نخسر البضاعة بسبب دخول المياه إلى محلاتنا، ونضطر الى ترميم الخسائر من جيوبنا في وقت لم نعد نحتمل أي عبء إضافي ولا أحد يسأل عنا".
أما جاد، وهو طالب جامعي يسلك طريق الدورة يوميا، فيشعر أن حياته في خطر مع كل عاصفة ويخاف أن يغرق الاوتوستراد بالمياه ويحاصر بالسيل مضيفا " لا أشعر أن هناك دولة تحمينا لذا افضل البقاء في المنزل أثناء العواصف".
هذه الأصوات، وإن اختلفت تفاصيلها، تلتقي عند هم واحد، فبين شتاء يغرقه وصيف يعطشه يبقى الإنسان في لبنان هو الضحية الأولى فيما تغيب الدولة عن أبسط واجباتها في الحماية والإدارة، وسط تحذيرات متكررة مع كل موسم شتوي، وهذه المرة رفعت جمعية "اليازا" الصوت عاليا قبل حلول الشتاء، وتكرار المأساة السنوية التي يعيشها اللبنانيون ففي الأعوام الماضية شهد لبنان غرق عشرات السيارات والمواطنين في أنفاق ومناطق مكتظة بالمياه، و وقوع عشرات الإصابات والوفيات نتيجة حوادث سير سببها السيول وخسائر مالية ضخمة بملايين الدولارات في الممتلكات والبنى التحتية، ورأت أن "تحول طرق لبنان إلى بحيرات وأنهار خلال ساعات قليلة لم يعد مقبولا، وهو نتيجة مباشرة للإهمال والتقصير الفاضح من معظم البلديات والوزارات المعنية"، مضيفة أن "حماية حياة الناس ليست خيارا بل واجب وطني وأخلاقي".
وطالبت "اليازا" الدولة بالتحرك السريع لتفادي الخسائر البشرية والمادية، داعية إياها إلى تنظيف شبكات تصريف مياه الأمطار قبل منتصف أيلول، واعتماد خطط صيانة طارئة ومراقبة مستمرة خلال فصل الشتاء، كما شددت على تحميل الجهات المقصرة المسؤولية القانونية عن أي أضرار أو ضحايا، وحث المواطنين على وقف رمي النفايات في الطرقات والأنهار، وطالبت الوزارات المعنية، ولا سيما الداخلية والطاقة والأشغال العامة، بالتحرك الفوري وتنفيذ آلية متابعة يومية لضمان التنفيذ الكامل، معتبرة أن "كل يوم تأخير في هذه القضية قد يعني ضحايا جددا وعائلات منكوبة".
وفي هذا السياق، شدد رئيس لجنة الأشغال النيابية النائب سجيع عطية على أن الوزارات المعنية باشرت اتخاذ خطوات وقائية، من بينها تنظيف المجاري المائية وصيانة شبكات التصريف، مؤكداً أن وزارة الأشغال تعمل حاليا على صيانة البنية التحتية، غير أن عطية أقر بأن الأزمة أعمق من مجرد إجراءات موسمية "إذ إن كميات المتساقطات غالبا ما تتخطى القدرة الاستيعابية للشبكات المهترئة، فيما تزيد التعديات والعشوائيات من حجم المأساة"، ورأى أن الحل لن يكون ناجحا من دون تعاون متكامل بين الدولة والبلديات والمواطنين، داعيا إلى وعي جماعي "حتى لا تغرق شوارعنا من جديد مع أول عاصفة".
وتشير بيانات منصة NEWSP التابعة للنظام الوطني للإنذار المبكر في لبنان إلى أن البلاد تشهد تحولات مناخية متسارعة تزيد من احتمالات حدوث الفيضانات، ويرجع السبب إلى:
- اشتداد غزارة الأمطار خلال فترات قصيرة، إذ قد تصل إلى نحو 100 ملم في الساعة، وهو معدل يفوق قدرة البنى التحتية على الاستيعاب.
- ضعف شبكات التصريف الحالية، التي لم تحدث منذ عقود بما يتناسب مع هذه المتغيرات.
- تنامي الفقر والعشوائيات، ما يجعل عملية المواجهة أكثر صعوبة على المستويين اللوجستي والاجتماعي، ويضعف القدرة على وضع خطط مستدامة للوقاية.
مصدر من وزارة الأشغال العامة والنقل أكد أن "الوزارة أطلقت تموز الماضي أعمال وقائية في مدينة جونية للحد من مخاطر الفيضانات، وذلك في إطار خطة الوزارة لتحسين البنية التحتية وتعزيز الجهوزية مع اقتراب فصل الشتاء"، مؤكداً التزام الوزارة بمواصلة ورشة الإصلاح والتأهيل على امتداد الأراضي اللبنانية، وشدد المصدر على ضرورة تكامل جهود جميع الوزارات والجهات المعنية، بالاضافة إلى تعاون المواطنين، الذي يعتبر أساسيا لتقليل الأضرار"، مضيفاً "المشكلة الكبرى تبقى في المخلفات والنفايات التي يرميها المواطنون بشكل عشوائي".
خبير بيئي فضل عدم الكشف عن اسمه أكد أن "لبنان غني بالينابيع، لكن بدل الاستفادة منها في الصيف عبر التخزين أو إعادة التوزيع، تترك الأمطار لتغرق الطرقات وتضيع في البحر"، مشيرا إلى أن لبنان لا يعاني من أزمة موارد بل من أزمة إدارة والمطلوب ليس إجراءات ترقيعية متفرقة، بل خطة وطنية شاملة لإدارة المياه، وأضاف " غياب الإرادة والرقابة يجعل المشهد يتكرر سنويا، ففي كل عام نحذر من الكارثة نفسها، والحلول ليست معقدة، كتنظيف مجاري المياه بشكل دوري، وبناء شبكات صرف حديثة، والاستثمار في مشاريع حصاد مياه الأمطار".
هذا الإهمال لا يقتصر أثره على المياه المهدورة فحسب، بل يمتد ليشمل الاقتصاد الوطني، إذ تسببت الفيضانات في لبنان بأضرار اقتصادية عميقة ومتراكمة تُقدر بحوالى 330 مليون دولار سنويًا وفق تقرير البنك الدولي، نتيجة لتدمير الممتلكات الزراعية، تضرر الطرقات، وتوقف الأعمال التجارية، وهو ما يظهر الحاجة الملحة إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لتحسين البنية التحتية وتعزيز القدرة على التكيف مع التغيرات المناخية.
وتوضح الأرقام التفصيلية حجم هذه الكارثة، ففي عام 2019، تسببت الفيضانات بأضرار تقدر بحوالى 50 مليون دولار، شملت تدمير المحاصيل الزراعية، انهيار الجسور، وتدمير الممتلكات الخاصة والعامة، أما في عام 2020، فقد شهدت بيروت انفجار العصر في المرفأ الذي أدى إلى دمار واسع للبنية التحتية، مع أضرار مادية تتراوح بين 3.8 و4.6 مليار دولار، بالإضافة إلى خسائر اقتصادية تتراوح بين 2.9 و3.5 مليار دولار وفق تقرير البنك الدولي.
هذه الأرقام تظهر حجم الأضرار الاقتصادية الناجمة عن الفيضانات والكوارث الطبيعية في لبنان، مما يستدعي اتخاذ إجراءات عاجلة لتحسين البنية التحتية وتعزيز القدرة على التكيف مع التغيرات المناخية.
الشتاء المقبل لن يكون اختبارا للمطر بقدر ما سيكون امتحانا جديدا لقدرة الدولة على حماية مواطنيها من مشاهد الطوفان والانهيار، أو على الأقل التخفيف من وطأتها، فهل تصغي الدولة إلى أصوات الخبراء والمواطنين وتقلب المعادلة أم يبقى المشهد ذاته يتكرر كل عام بحلول ترقيعية، ونبقى أمام حلقة جديدة من مسلسل الفوضى الموسمية؟
ربى أبو فاضل - الديار
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآنشاركنا رأيك في التعليقات | |||
تابعونا على وسائل التواصل | |||
Youtube | Google News |
---|