الصحافة

عندما يشعر بري كأنه أمين الجميل آخر

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

منذ أن غادر توم برّاك لبنان، لا يكفّ الرئيس نبيه برّي عن الشكوى أمام زوّاره، من تخلّي الضامن الأميركي. يستعيد مشهد أمين الجميّل قبل 42 عامًا، يوم انقطع به الحبل الأميركي فجأةً. ويقول إنّ الحبلَ نفسه قُطع مجدّدًا، وإنّ واشنطن، مرّة أخرى، تركت مُوقّع الاتّفاق يتدبّر سقوطه وحيدًا. يشبّه حاله اليوم، بحال أمين الجميّل قبل 42 عامًا، ويخلص إلى أنّ الأميركي قطع الحبل بهما.

عندما وقّع أمين الجميل اتّفاق "17 أيار"، كانت واشنطن هي الضامن. وحين اقترب الامتحان الحقيقي، تنصّلت الإدارة الأميركية، وتركت الجميّل عاريًا أمام العواصف الإسرائيلية والسورية. انهار الاتفاق سياسيًا، قبل أن يسقط عسكريًا بنيران من تحالفوا ضدّه في الداخل اللبناني.

وعندما وقّع نبيه برّي اتّفاق "27 تشرين"، كانت واشنطن مرّة أخرى هي الضامن. وحين اقترب الامتحان الفعلي، تنصّلت الإدارة الأميركية، وتركت برّي مكشوفًا أمام الرياح الإسرائيلية.

ربّما الفارق الوحيد بين "17 أيّار" و "27 تشرين"، هو أنّ الاتّهام في حالة أمين الجميّل كان موثّقًا بنصّ، بينما بقي اتّهام اتّفاق "27 تشرين" في خانة الظنّ، لأنّ مضمون الاتّفاق بقي لغزًا معلّقًا على تسريبات غير مؤكّدة، وتأويلات متناقضة، وقراءات متضاربة في غيب الاتفاق، إلى أن دارت واشنطن كما في المرّة الأولى، دورتها القاسية وابتعدت.

لم يكن في الحسبان، أن يُسمع نبيه برّي، "بعضمة لسانه"، يُقارن بينه وبين أمين الجميّل، خصوصًا أنّه كان طرفًا في إسقاط الاتّفاق الأوّل، حيث كان في موقع الرافض له، لا في موقع الموقّع عليه، كما هي الحال في الثاني. ولكن، النتيجة واحدة بنظر برّي: قطع الأميركي الحبل، وقُضي الأمر.

عندما قطع الأميركي الحبل بأمين الجميّل قبل 42 عامًا، سقط اتّفاق "17 أيار". وسقط معه الجميّل، وسقط البلد في أتون حربٍ طويلة لم تنتهِ إلّا ظاهريًا.

شكّل سقوط الاتّفاق لحظة فاصلة: نهاية لوهم التسوية المنفردة مع إسرائيل. وبداية لتحوّل في ميزان القوى. صعدت سوريا إلى موقع المقرّر الأوّل في لبنان، وارتفعت أسهم "الممانعة" كخطابٍ سياسي ودور ميداني. وفي المقابل، بدأت مرحلة تهميش اليمين المسيحي، وتراجعه من موقع الشريك المقرّر إلى موقع المراقب القلق، وصولًا إلى "الطائف".

في "عين التينة"، تشعر الدوائر المحيطة بالرئيس برّي، أنّ الطائفة الشيعية تُعامل اليوم كطائفة مهزومة، يُراد عزلها سياسيًا ومعنويًا. ولا ترى تلك الدوائر فرقًا يُذكر بين الخارج والداخل. فكلاهما برأيها، يتعاملان مع الشيعة من موقع الشكّ لا الشراكة، ومن منطق الإملاء لا التفاهم. الشركاء في الوطن، كما الخصوم في الخارج، ينظرون النظرة ذاتها، ويتكلّمون اللغة ذاتها. الخذلان الذي اختبره المسيحي، ابن "المارونية السياسية" قبل 42 عامًا، يختبره اليوم الشيعي، ابن "الشيعية السياسية"، بعد دورته الكاملة في الحكم.

في تجربة "المارونية السياسية"، افتقر الرئيس أمين الجميّل إلى "خطّة باء" حقيقية بعد سقوط اتّفاق "17 أيار"، تمامًا كما افتقر قبلها إلى أدوات فرض "الخطّة ألف". سقط الاتفاق، وسقطت معه الطائفة، وسقط المشروع. فهل يكون برّي اليوم "جميّل آخر"، أسير تسوية لا يملك فرضها، ولا يملك بدائل عنها؟

في "عين التينة" الجواب واضح: الحوار ثمّ الحوار ثمّ الحوار... وخطاب 31 آب سيكون خارطة طريق: لا ضمان أميركيّ، فلنصنع ضمانًا لبنانيًا.

لكن، هل يجدي الحوار الداخلي، ولبنان عالق بين "قطوعين": واحد، عبره في 5 آب، بتهديد طال مفاصل الدولة ما لم تتّخذ الحكومة قرار حصر السلاح، وآخر أمامه يلوح في تشرين، ما لم تسيّل الحكومة حبر خطّة الجيش حول حصر السلاح إلى واقع قابل للتنفيذ؟

لا تنفي دوائر "عين التينة" وجود تهديدات إسرائيلية، لا بل تأخذها على محمل الجدّ، وتذهب أبعد من ذلك: تُقرّ سلفًا بأنّ لبنان سيكون الخاسر الأكبر في حال اندلاع الحرب المحتملة، وأنّ "حزب اللّه" لن يكون قادرًا على صدّ الضربة، فيما لبنان الرسمي والشعبي عاجز عن تحمّل الكلفة.

لذلك، تشير الدوائر إلى أنّ "العنوان الأعرض" في خطاب الرئيس برّي غدًا، سيكون "طاولة حوار بالتنسيق مع رئيس الجمهورية"، تنفّس الاحتقان، وتأخذ بجديّة التهديدات الإسرائيلية بحربٍ تشرينية، وتناقش مصير سلاح "حزب اللّه" بالاحتواء لا بالتصادم، وبمنطق الضرورة لا الكيدية، مع التسليم المسبق بأنّ أيّ مواجهة مقبلة، لن يخرج منها "الحزب" منتصرًا. وتضيف: الحوار هو الممرّ الإلزامي لتجنيب لبنان العقاب الإسرائيلي.

نسأل الدوائر: هل يذهب الرئيس برّي من دون إعلان مباشر، نحو الهدف الذي يسعى إليه كلّ من جوزاف عون ونوّاف سلام، لكن بصيغة تمتصّ شعور الطائفة الشيعية بالعزلة؟

الجواب يأتي حاسمًا: نعم ونعم ونعم!

 

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا