سياسيّ كرديّ : الخلاف بين دمشق و"قسد" أعمق من اللّقاءات البروتوكوليّة
قال السياسي الكردي السوري، والنائب في برلمان العاصمة الألمانية برلين، جيان عمر، إن الاجتماع الذي جمع قائد قوات سوريا الديمقراطية، مظلوم عبدي، بوفد أمريكي يضم السيناتور جين شاهين والسيناتور جو ويلسون، وبحضور المبعوث الأمريكي إلى سوريا توماس باراك، في الأردن، يعكس أن الخلافات بين قسد وسلطة دمشق أعمق من مجرد لقاءات بروتوكولية.
وأشار الأكاديمي السوري الكردي إلى أن اختيار عمّان مكانًا محايدًا جاء لفقدان الثقة بين الأطراف السورية والحاجة إلى ضامن إقليمي ودولي، خاصةً بعد أن أظهرت السلطة المؤقتة في دمشق عجزها عن إدارة أي حوار وطني حقيقي، وتمسكها بالأسلوب الأمني في ملفات الساحل والسويداء، والتهديدات المستمرة لشمال شرق سوريا بمصير مشابه.
وبحسب معلومات عمر، لم يحصل اجتماع مباشر بين الشرع وعبدي في دمشق قبيل توجه الأخير إلى عمّان. مضيفًا: "حتى لو افترضنا أن هذا الاجتماع حصل، فالنتائج واضحة؛ لم يحدث أي اختراق ملموس، لذلك لم يتم الإعلان عنه، والسبب كما قال، أن سلطة دمشق ما زالت تُصر على نظام حكم مركزي شديد، وتصر على دمج قسد كأفراد في جيشها المؤدلج، وهذا مرفوض. لذلك يبقى الحوار شكليًا بلا مضمون".
منوهًا إلى وجود ضغوط تركية على حكومة الشرع أصبحت واضحة المعالم، تدفع باتجاه عدم المرونة في المفاوضات مع قسد، وتطالب دمشق بالإصرار على موقفها فيما يتعلق بدمج قسد كأفراد ومركزية الحكم.
خلاف "جوهري وشامل"
يصف السياسي السوري الكردي جيان عمر، الخلاف بين دمشق و"قسد"، بأنه "جوهري وشامل"، مؤكدًا أن "قسد" تدرك أن إدماجها في جيش عقائدي هو انتحار سياسي وعسكري قبل تحقيق اتفاق شامل ودون ضمانات حقيقية حول بناء الدولة السورية، معتبرة نفسها الضامن لتحقيق ذلك. ويضيف عمر أن العقبة الأكبر تكمن في إدماج قوات "قسد"، وهو أمر غير ممكن على المدى القريب والمتوسط رغم الضغوط التركية.
أما مسألة الفيدرالية أو اللامركزية، بحسب عمر، فقد أصبحت ضرورة ملحة، ويمكن التوافق على فيدرالية سورية تناسب الوضع السوري عمومًا وتضمن مشاركة جميع السوريين في إدارة مناطقهم.
ويرى عمر أن الرئيس "أحمد الشرع يُدرك أن إصراره على المركزية يُهدد وحدة البلاد، لذلك سيبدي مرونة في هذا الملف، ولكنه يحاول ربطه بملف إدماج قسد، وهنا تكمن المعضلة".
ويشير عمر إلى وجود اختلاف عقائدي بين "قسد" وما أسماه "جيش سلطة دمشق المؤقتة"، نتيجة التناقض بين إيديولوجية قوات "قسد" العلمانية وجيش سوريا الجديد ذي الخلفية الجهادية المتطرفة، الذي تشكل من فصائل جهادية سابقة وقياداتها تبوأت مناصب قيادية عليا، ويجري حالياً تدريبه على العقيدة الإسلامية الجهادية، ويتم بناء مؤسسات الجيش وفق هذا النهج؛ ما يؤكد عدم نية دمشق بناء جيش وطني عقيدته حماية حدود الوطن والمواطن، بل جيش إسلامي مهمته حماية السلطة الإسلامية في دمشق، وهذا يشكل خطرًا على المدى البعيد ليس فقط على سوريا بل على المنطقة بأكملها.
ويضيف عمر أن "الشرق الأوسط لا يتحمل جيشًا جهاديًا سلفيًا، لذلك فإن أي فكرة لإدماج مقاتلي "قسد"، الذين حاربوا الإرهاب والتطرف وداعش، في جيش سلطة دمشق، الذي يضم مقاتلين سابقين في صفوف داعش ويتبنى إيديولوجية مشابهة لداعش، هي دعوات غير واقعية. كما يشير إلى أن ثلث مقاتلي "قسد" من النساء، متسائلًا عن كيفية إدماجهن في الجيش الإسلامي السوري".
الموقف الأمريكي والإسرائيلي
يرى عمر أن "الولايات المتحدة تحاول الموازنة بين دعم الأكراد و"قسد" كشريك موثوق في محاربة الإرهاب وبين علاقاتها الإقليمية، موضحًا أنها لا تقول علنًا إنها تدعم الفيدرالية، لكنها عمليًا تعتبر أن أي حل لسوريا دون حقوق مكونات الشمال الشرقي سيكون غير مستدام".
ويشير إلى أن "واشنطن، بعد الأحداث الدموية في السويداء والضغوط الإسرائيلية، توصلت إلى قناعة بأن فرض النظام المركزي الشديد لم يعد عمليًا، ومن هنا تبدلت تصريحات المبعوث الأمريكي توماس باراك مؤخرًا، متضمنة تلميحات لضرورة الانفتاح على أشكال أخرى للحكم بعيدًا عن المركزية الشديدة".
ويؤكد عمر أن "إسرائيل تضغط على واشنطن لمنع تمدد أي سلطة معادية قرب حدودها، خاصة وأن الطابع الجهادي واضح في بنية كثير من الفصائل والمقاتلين المنضوين تحت لواء وزارة الدفاع السورية وقواتها الأمنية، لذا تنظر إسرائيل بإيجابية لأي صيغة تقلل سلطة دمشق المركزية".
ويشير إلى أن "الفيدرالية، من وجهة نظر إسرائيل، تقلل من خطر عودة نظام شمولي جهادي جديد على غرار نظام الملالي في إيران، واستمرار الضربات الإسرائيلية لمواقع عسكرية في سوريا، رغم المحادثات المباشرة بين المسؤولين السوريين والإسرائيليين، يظهر تباينًا في المواقف بين إدارة ترامب وإسرائيل".
ويؤكد عمر أن "إسرائيل لا تثق بأحد عندما يتعلق الأمر بأمنها، وترى قصورًا في فهم إدارة ترامب للملف السوري، خاصة بعد الفشل في أوكرانيا، وتحاول عبر سياسة مزدوجة (مفاوضات برعاية أمريكية وضربات مكثفة للقدرات العسكرية السورية) تحريك الموقف الأمريكي لصالح رؤيتها للحل في سوريا والمنطقة".
الموقف الأوروبي.. سوريا بلا جيش
يكشف جيان عمر، نائب برلمان برلين الألمانية، أن "فرنسا وألمانيا تختلفان في المقاربة السياسية للملف السوري، لكن هناك اتفاقًا ضمنيًا بينهما وتبادل أدوار في عدة ملفات. ففي الملف السوري، هناك اتفاق ضمني بين برلين وباريس لتولي باريس زمام الأمور، كون موقفها أكثر وضوحًا في دعم الشعب الكردي وحقوقه في مواجهة الرفض التركي، بينما برلين أكثر حذرًا بسبب حساسياتها وعلاقاتها مع تركيا".
ويضيف عمر أن "هناك قناعة أوروبية عامة مفادها أن أي استقرار في سوريا يحتاج لحل سياسي شامل مبني على لامركزية الحكم لتجنب تكرار الأزمات"، مشيرًا إلى أن "أوروبا متفقة مع إسرائيل في قضية جعل سوريا دولة غير عسكرية ومنعها من امتلاك أسلحة قد تشكل خطرًا على أمن المنطقة، وهذا ما يُفسر صمت الأوروبيين على الضربات الإسرائيلية المستمرة للقواعد العسكرية السورية، إذ تريد أوروبا سوريا مدنية من دون جيش قادر على الهجوم".
تركيا وروسيا.. صفقات تحت الطاولة
ويبيّن عمر أن "تركيا وروسيا لا تدعمان حوارًا وطنيًا حقيقيًا في سوريا؛ فأنقرة ترى في أي مكسب كردي أو تقدم في الحل السلمي للقضية الكردية تهديدًا داخليًا لها؛ لأنه يفتح الباب أمام الشعب الكردي في تركيا للمطالبة بحقوق مماثلة، حيث يعيش أكثر من عشرين مليون كردي، أما موسكو، فترغب في إبقاء الملف السوري ورقة ضغط وتفاوض يمكن التلاعب بها عند الضرورة، خاصة مع تعقيد الملف الأوكراني وخلافاتها العميقة مع أوروبا وأمريكا"
ويشير عمر إلى أن "الطرفين الروسي والتركي يعرقلان أي حل سوري سلمي شامل يضمن فيدرالية حقيقية؛ لأنهما يفضلان صفقات تحت الطاولة تحفظ مصالحهما أولًا".
تجربة الإدارة الذاتية والعلاقة مع العرب
يتناول عمر تجربة الإدارة الذاتية في شمال شرقي سوريا، ويصفها بأنها "النموذج الوحيد في سوريا الذي حاول بناء مؤسسات مدنية تشاركية، رغم النواقص والأخطاء".
ويوضح أن "هناك قصورًا في البنية التحتية وتحسين الخدمات العامة، لكن هذا لا يمكن فصله عن واقع سوريا ككل التي تعاني من العقوبات الاقتصادية".
ويعتبر عمر أن النجاح الأكبر للإدارة الذاتية يكمن في حماية التنوع السكاني والسلم الأهلي في منطقة شديدة التنوع الإثني والديني، قائلاً: "هناك عرب وكرد وتركمان وشركس وسريان وأرمن وإيزيديون وأشور وكلدان ولا دينيون، وكل هذه المكونات تعيش مع بعضها بسلام ودون نعرات طائفية، والحريات الفردية محمية فيما يتعلق بنمط العيش. لذلك تعتبر تجربة جامعة في بلد مرّ بحرب طويلة. ونجاحها النسبي مقارنة ببقية سوريا دليل على أن الفيدرالية ممكنة وضرورية".
ويقرّ عمر بوجود انتقادات حول ضعف التمثيل العربي في الإدارة الذاتية، لكنه يوضح أن "الإدارة تضم مجالس عربية وقيادات من الرقة ودير الزور، والمطلوب تطوير المشاركة لتكون أعمق وأكثر واقعية، مؤكدًا أن الفيدرالية لا تعني حكم مكوّن واحد".
وحول العلاقة بين الإدارة الذاتية والعشائر في مناطق شمال شرق سوريا، يرى عمر أنها "معقدة ومتباينة"، ويشير إلى أن "الجزء الأكبر من العشائر يعتبر الإدارة الذاتية شريكًا سياسيًا وعسكريًا، بينما هناك أصوات عشائرية أخرى تشعر بالتهميش أو تستخدمها السلطة المؤقتة في دمشق للتحريض ضد شمال شرق سوريا، مثلما جرى في الساحل والسويداء".
ويؤكد أن "ما حصل في السويداء رسالة خطيرة، لكن في الجزيرة الوضع مختلف؛ لأن الإدارة الذاتية أبقت على مساحة واسعة للشراكة، وبالتالي أي مخططات لضرب النسيج المجتمعي ستفشل".
ويشير عمر إلى أن "التحشيدات العسكرية في مناطق شمال شرق سوريا تُستخدم كوسيلة ضغط للحصول على تنازلات"، لكنه يستدرك: "إذا أُغلقت أبواب السياسة، فالحرب تصبح احتمالًا واردًا بسبب هشاشة الوضع السوري الداخلي".
مضيفًا أن "سوريا دولة فاشلة بالمنطق السياسي، وهناك تفرد في القرار السياسي والعسكري في دمشق؛ ما يجعل خطر اندلاع حرب سورية جديدة احتمالًا وارداً وممكناً، لكن أي مواجهة بين قسد وسلطة دمشق ستكون كارثية على الجميع، وستفتح الباب لتدخلات إقليمية ودولية أوسع".
الفيدرالية.. و الكيان العلوي الجديد
يعتقد السياسي جيان عمر أن "إعلان العلويين عن كيان سياسي مؤخراً يُعد دليلاً على أن الفيدرالية لم تعد مطلباً كردياً فقط، بل أصبحت خياراً موضوعياً لكل المكونات التي تخشى عودة سلطة مركزية قمعية تهضم حقوقها وتمارس الاستبداد على أساس ديني". ويقول: "السلطة قد ترفض علناً، لكنها تدرك أن لا حل إلا باللامركزية التي تمنح جميع المكونات حق المشاركة السياسية في إدارة نفسها".
ويدافع عمر عن خيار الفيدرالية كنموذج مناسب لسوريا، موضحاً أن "الفيدرالية نظام حكم اتحادي يساهم في تعزيز التشاركية في الحكم؛ فحوالي 40% من سكان العالم يعيشون في دول ذات أنظمة حكم فيدرالية، وهناك أمثلة لدول اعتمدت هذا النموذج بعد أزمات وحروب، مثل البوسنة، أو بسبب تنوعها العرقي أو الديني أو اللغوي، مثل الهند ونيجيريا".
في الحالة السورية، يوضح عمر أن "الدولة مفككة أصلاً منذ سنوات طويلة بسبب الثورة والحرب، وأن كل منطقة خرجت عن سيطرة نظام الأسد قامت ببناء مؤسساتها وهياكلها وتجربتها الخاصة".
ويؤكد أن "توحيد سوريا لا يمكن أن يتم عبر إعادة النظام المركزي السابق، الذي همّش كثيراً من المحافظات وركز الوزارات والمؤسسات والبنى التحتية في دمشق وحلب".
ويضيف أن "النظام الفيدرالي يعزز الديمقراطية، لأنه يوسع دائرة الحكم ويقسم السلطة أفقياً بين المناطق، ويمنع تسلط المركز أو مجموعة مستبدة فيه، كما يساهم في تعزيز التنافس بين المقاطعات السورية المستقبلية في تحسين الخدمات وتحقيق الازدهار الاقتصادي".
ويختتم عمر بالقول: "سوريا بحاجة ماسة للفيدرالية لتحقيق السلام الأهلي ومنع نهوض الاستبداد مجدداً وتوحيد البلاد، ولكي يتحقق ذلك يجب مناقشة النموذج الأفضل والأنسب عبر حوارات سياسية ومجتمعية بعيداً عن الحل العسكري. وأي رفض مطلق للفيدرالية يفتح الباب أمام حرب داخلية وتقسيم البلاد"، مؤكداً أن "كل بلد متعدد الأعراق والطوائف يحتاج إلى شكل من أشكال اللامركزية للحفاظ على السلم الأهلي".
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآنشاركنا رأيك في التعليقات | |||
تابعونا على وسائل التواصل | |||
Youtube | Google News |
---|