إسرائيل توحد جبهتي لبنان وسوريا: صراعات الخارج تنفجر بالداخل
من شأن العملية العسكرية الإسرائيلية في بيت جنّ أن تسهم في تعقيد المشهد الإقليمي أكثر فأكثر، خصوصاً على الساحتين السورية واللبنانية.
قبل أيام، أعلن مسؤولون إسرائيليون أن هناك مجموعات إسلامية، وأخرى محسوبة على الحوثيين، تستعد لتنفيذ عمليات عسكرية ضد إسرائيل انطلاقاً من جنوب سوريا. كان القصد واضحاً، أن توجه إسرائيل اتهامات إلى مجموعات إسلامية تدور بفلك دمشق، واتهامات أخرى لمجموعات محسوبة على إيران. ذلك لا ينفصل عن المواقف الإسرائيلية اليومية عن استكمال حزب الله لعمليات تهريب الأسلحة والصواريخ عبر سوريا.
تأتي العملية الإسرائيلية في توقيت حساس، على مسافة أيام من مهلة منحتها إسرائيل وأميركا للدولة اللبنانية كي تسحب سلاح حزب الله. وهي المهلة نفسها التي تريد فيها واشنطن الوصول إلى اتفاق سوري إسرائيلي، وبين دمشق وقسد.
عملت إسرائيل على تعطيل الاتفاق الأمني مع دمشق، وأوقفت مسار المفاوضات. لا تزال تصرّ على منع تطوير العلاقة السورية الأميركية، ويصر المسؤولون الإسرائيليون على تسريب مواقف بأنهم لا يثقون بأحمد الشرع. وهناك قراءات أخرى تفيد بأن مصلحة إسرائيل هي تقسيم سوريا وشرذمتها أو إبقائها ضعيفة، من خلال تغذية الصراعات الداخلية سواء في السويداء، أو في شمال شرق سوريا، أو في الساحل. ويأتي ذلك في ظل سعي الأميركيين إلى إبرام اتفاق بين دمشق وتل أبيب، وبين دمشق وقسد، خصوصاً أن الولايات المتحدة الأميركية لا تريد حصول مواجهة بين القوات السورية من جهة وقوات سوريا الديمقراطية من جهة أخرى. خصوصاً في حال اختارت إسرائيل الدخول في معركة عسكرية ضد حزب الله.
تحاول إسرائيل اختراع أي مبرر لتنفيذ عمليات التوغل في جنوب سوريا. سابقاً، كانت تدخل الدوريات الإسرائيلية بلا أي مواجهة أو تصدّ. أما ما حصل في بيت جن، فيمكن أن يشكل تحولاً في المسار، الذي ينتج مقاومة شعبية تتصدى للقوات الإسرائيلية. وهذا نموذج يمكن أن يتوسع أو يتعمم، ويمكن لدمشق أيضاً أن تدعمه لاحقاً، كي لا تدخل في مواجهة مباشرة كدولة ضد إسرائيل. في المقابل، هناك وجهات نظر أخرى تعتبر أن طهران لا تزال لديها بعض المجموعات في الجنوب السوري، ولا سيما في بيت جن وحضر وغيرهما، وهي قد تدفع بها لتنفيذ عمليات ضد إسرائيل، في حال قررت اسرائيل توسيع عملياتها العسكرية ضد حزب الله أو استهداف إيران.
تل أبيب تريد اتهام الجميع. وهي تحمل سوريا مسؤولية تهريب الأسلحة لصالح حزب الله، علماً أن السلطات السورية تعمل على منع التهريب وتصادر الكثير من شحنات الأسلحة. لكن الإسرائيليين يعتبرون أن دمشق تترك هامشاً لتمرير الأسلحة للحزب كورقة ابتزاز لإسرائيل تستخدمها سوريا في مفاوضاتها للوصول إلى اتفاق أمني بين الجانبين، وتدفع إسرائيل إلى تلبية بعض المطالب السورية. لا تبدو إسرائيل في وارد التنازل ولا التراجع عن النقاط التي سيطرت عليها بعد سقوط نظام بشار الأسد، كما أنها ترفض العودة الى الالتزام باتفاق فض الاشتباك الذي أقر في العام 1974.
الأخطر، أن هذه العملية تأتي في ظل تنامي التهديدات الإسرائيلية حول شن عملية عسكرية ضد حزب الله، وسط معلومات وصلت إلى مسؤولين لبنانيين بأن العملية العسكرية الإسرائيلية ستكون جوية وبرية، وستسعى فيها إسرائيل إلى احتلال أراض جديدة وتثبيت نقاط في مواقع استراتيجية. من هنا، تبرز مخاوف كثيرة من احتمال لجوء إسرائيل إلى تنفيذ عملية باتجاه الأراضي اللبنانية انطلاقاً من الأراضي السورية، وخصوصاً من جهة بيت جن، لأنه منها بإمكان القوات الإسرائيلية أن تصل إلى بلدة شبعا، ما يعني فصل الشريط الجنوبي الأمامي عن الشريط الثاني. ومن بيت جن أيضاً، يمكن للقوات الإسرائيلية أن تتقدم باتجاه البقاع الغربي للتوغل أكثر في العمق اللبناني، وفصل البقاع عن الجنوب، وقطع كل طرق الإمداد سواء من سوريا باتجاه لبنان، أو من البقاع باتجاه الجنوب.
كل هذه التفاصيل الميدانية، لا تنفصل عن التطورات السياسية والديبلوماسية. فلبنان وسوريا، يشكلان مسرحاً لتشابكات وتقاطعات إقليمية ودولية. دول عديدة تسعى للاحتفاظ بأدوار أو نفوذ لها في الساحتين. لكل دولة، حساباتها، مصالحها، رؤيتها وشروطها. فلبنان يتعرض لضغوط دولية كبيرة تتصل بضرورة تقديم تنازلات كبرى لإسرائيل لتجنب الحرب. وذلك من خلال التقدم في مسار سحب سلاح حزب الله. الأميركيون منحوا اللبنانيين مهلة حتى نهاية السنة الحالية لإنجاز عملية نزع السلاح، لكنهم يعلمون أن ذلك غير ممكن. لذلك، فالمطلوب بالنسبة إليهم وإلى الإسرائيليين هو أن يخرج لبنان وحزب الله بمواقف واضحة تشير إلى التخلي عن العمل العسكري، والاستعداد لتسليم السلاح وفق جدول زمني واضح، وإرساء استقرار طويل الأمد مع إسرائيل، لتجنب الضربة أو التصعيد. وهذا ما يرفضه حزب الله بشكل كامل.
ومن بين الضغوط التي يتعرض لها لبنان، هي أن كل أشكال المساعدات أو الدعم أو المؤتمرات التي كان يفترض أن تعقد لدعم الجيش، أو لدعم إعادة الإعمار متوقفة كلياً، بانتظار سحب السلاح وإقرار الإصلاحات المالية والإدارية.
عملياً، يبرز تطابق في وجهات النظر الأميركية والسعودية في لبنان وسوريا. كذلك فإن تركيا ليست بعيدة عن التطابق في وجهات النظر مع أميركا والسعودية في سوريا. في المقابل، هناك دول أخرى تبدو مخالفة لهذا السياق. أبرزها، فرنسا، ومصر. ولا يمكن إغفال دور إيران، التي خسرت نفوذها في سوريا، لكنها تتمسك بنفوذها بلبنان. وهو ما يتأكد من خلال مواقف المسؤولين الإيرانيين الأخيرة، والتي تشير إلى رفض التنازل وتؤكد الدعم الكامل لحزب الله.
لبنانياً، تحركت مصر على خط مبادرتها في محاولة لتجنب التصعيد وكي تحفظ دورها في لبنان، وهي تنطلق من تجربة مؤتمر شرم الشيخ واتفاق وقف النار في غزة. نسقت القاهرة تحركها مع إيران ومع فرنسا. كما حاولت القاهرة التنسيق مع أميركا والمملكة العربية السعودية وقطر، في مسعى منها لإعادة تنشيط عمل الخماسية التي كانت معنية بلبنان، لتوفير ظروف انتخاب رئيس للجمهورية وانجاز الاستحقاقات الدستورية.
يأتي ذلك في ظل المعلومات التي تشير إلى التحضير لعقد اجتماع ثلاثي في باريس بين مستشارة الرئيس إيمانويل ماكرون لشؤون الشرق الأوسط آن كلير لوجاندر، مع المسؤول السعودي يزيد بن فرحان مع الموفدة الأميركية مورغان أورتاغوس. هذا الاجتماع يستبق زيارة أورتاغوس إلى بيروت الأسبوع المقبل للمشاركة في اجتماع الميكانيزم. والذي بحسب المعلومات، سيكون اجتماعاً حاسماً للإطلاع على التقرير الثالث للجيش اللبناني حول تطبيق خطته لحصر السلاح، وكيف سيعمل في المرحلة المقبلة في منطقة شمال الليطاني. وحسب المعلومات، فإن أورتاغوس تحمل رسالة تحذير واضحة، حول ضرورة إسراع الجيش بعملية سحب السلاح، واستكمال تطبيق كل الإجراءات اللازمة لمنع إدخال الأسلحة أو الأموال للحزب.
على الرغم من التحضير لهذا الاجتماع في باريس، إلا أن فرنسا لم تخف عتبها على الأسلوب الأميركي. إذ يعتبر الفرنسيون أن واشنطن تحاول قطع الطريق على أي دور للفرنسيين ضمن لجنة الميكانيزم، وأن التنسيق ينحصر بين الأميركيين والإسرائيليين فقط. بينما هناك معطيات تفيد بسعي أميركي إسرائيلي إلى التخلي عن الميكانيزم لصالح مفاوضات ثلاثية أميركية- إسرائيلية- لبنانية.
انطلاقاً من هذا العتب الفرنسي، وشعور باريس بمحاولة استبعادها من لبنان وسوريا معاً، يحصل تقاطع فرنسي مع مصر، وحتى مع إيران، حول ضرورة تثبيت الحضور في المنطقة، لا سيما أن فرنسا لا تزال تترك الباب مفتوحاً للمفاوضات الأوروبية مع إيران. وقبل أيام زار وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي العاصمة الفرنسية للبحث في تجديد المفاوضات، والتفاوض أيضاً على تبادل مساجين بين البلدين. مصر أيضاً تسعى إلى تحسين العلاقات مع إيران. وهي سعت للعب دور تفاوضي بينها وبين الولايات المتحدة. والأكيد أن مصر وفرنسا غير راضيتين عن مسار التقدم السريع في تطور العلاقات الأميركية السورية، لأن فرنسا تشعر بأنها ستكون مستبعدة عن سوريا كما هناك محاولات لاستبعادها من لبنان.
بالتأكيد أيضاً، أن مصر وفرنسا لن تنسجما مع التوافق الأميركي السعودي التركي في سوريا. وهو سيكون له انعكاسات على لبنان لاحقاً. وهذا ما يتبدى من خلال رد الفعل التركي من قبل وزارتي الخارجية والدفاع برفض اتفاق ترسيم الحدود بين لبنان وقبرص من دون التنسيق مع أنقرة ودمشق.
في مواجهة الضغوط الخارجية التي يشهدها لبنان، فإن سوريا تشهد ضغوطاً داخلية، وهي تتجلى في التحركات والاحتجاجات الشعبية التي حصلت في الساحل، والمرشحة لأن تتطور، خصوصاً في ضوء تصريحات الشيخ غزال غزال حول المطالبة بالفيدرالية واللامركزية السياسية، أو في التحركات المستمرة في السويداء، والتي تطالب بالمطالب نفسها، إلى جانب استمرار التعثر مع قسد.
هذه الضغوط الداخلية التي تتعرض لها دمشق، يمكن لجهات خارجية عديدة أن تستغلها في حال لم تنجح السلطة في سوريا بمعالجة الأسباب واحتضان الجميع على قاعدة تأسيسية لعقد اجتماعي جديد. هنا يُرفع شعار "حماية الأقليات" والذي تستخدمه إسرائيل دوماً، كما ترفعه فرنسا ومصر بتصريحات علنية على ألسنة المسؤولين فيهما. فذلك لا ينفصل عن وجود اتصالات لفرنسا وإيران مع هذه الأقليات، وقد شهدت بيروت قبل فترة لقاءات تنسيقية عديدة فيما بينهم.
عملياً، تقف المنطقة ولا سيما لبنان وسوريا أمام شهرين دقيقين، وفي غاية الخطورة. واشنطن تضغط في سبيل إنجاز الترتيبات التي تريدها. ترتيبات تتوافق مع إسرائيل في مكان وتختلف معها في مكان آخر. دول عديدة تحاول الدخول على الخطّ، لكن الأكيد أن أميركا في النهاية هي التي ستقرر من تختار لمشاركتها في نسج أي صيغة. إلى أن تتبلور الصورة والصيغة، فإن أحداثاً مشابهة لعملية اغتيال هيثم الطبطبائي، ولعملية بيت جن ستتكرر.
منير الربيع - "المدن"
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|