الاعتراض التركي يخلط أوراق الترسيم البحري اللبناني
شكل اعتراض تركيا على مسار ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وقبرص، أحد أكثر العوامل تعقيدا في المشهد الجيوسياسي لشرق المتوسط. فالمسألة التي قد يراها البعض تقنية وقانونية، بدت عقدة سياسية عابرة للحدود، تداخلت فيها المصالح الاقتصادية مع الحسابات الإقليمية والتجاذبات بين المحاور. فاعتراض أنقرة لا يمكن عزله عن استراتيجيتها الواسعة في المتوسط، ولا عن موقع لبنان في معادلة الطاقة المقبلة.
مصادر مواكبة اشارت الى ان الموقف التركي، وفقا للقانون الدولي، ليس تقنياً، ولا يرتبط بنقاط حدودية محدّدة، ولا ببلوكات متنازع عليها بين بيروت وأنقرة، انما هو جزء من "استراتيجية تركية" أوسع تحاول من خلالها فرض دورها كلاعب مركزي في هندسة شرق المتوسط، وبالتالي، فإنّ اعتراضها على الاتفاق اللبناني - القبرصي هو رسالة سياسية، حيث كان سبق لانقرة ان ابلغت بيروت، اكثر من مرة، اعتراضها، وهو ما دفع برئيس الجمهورية الى استباق الموقف التركي باعلانه، قبيل التوقيع، بان الاتفاق ليس موجها ضد أي كان من الجيران، قاصدا تحديدا، تركيا وسوريا.
في المقابل، والكلام للمصادر، لا يمكن فصل هذا التطور عن المشهد الأكبر للمتوسط، حيث تنظر القوى الإقليمية والدولية، من الولايات المتحدة إلى الاتحاد الأوروبي، ومن إسرائيل إلى مصر، ومن تركيا إلى روسيا، إلى أي ترسيم حدود بحرية باعتباره جزءا من معركة السيطرة على الغاز ومسارات نقله، سواء عبر الأنابيب التقليدية أو عبر الغاز المسال، خصوصا مع تصاعد التوتر بين أنقرة والاتحاد الأوروبي، والذي يزيد من حساسيته أي اتفاق يوقّعه عضو في الاتحاد (قبرص) مع دولة عربية ملاصقة لها، وهو ما يجعل لبنان جزءا غير مباشر من تنازع أوسع بين محورين: الأول تقوده تركيا التي تحاول أن تفرض نفسها لاعبا أساسيا في سوق الطاقة، والثاني تقوده اليونان وقبرص بدعم من الاتحاد الأوروبي وبتقاطعات مع إسرائيل ومصر.
ورات المصادر، ان لبنان ليس في وضع يسمح له بخسارة فرصة الترسيم، فهو لا يزال يحاول تنظيم قطاعه النفطي بعد الترسيم مع "إسرائيل"، ناظرا إلى حدوده البحرية كخيار استراتيجي وأي اعتراض أو ضبابية في مسألة الترسيم مع قبرص، تعني عملياً تأخيراً جديداً في ملف الاستكشاف في البلوكات الشمالية، فضلا عن ان شركات الطاقة العالمية تتجنب الدخول في مناطق قد تتقاطع فيها المصالح الإقليمية بشكل حاد، ما يضع بيروت أمام تحد إضافي لجهة ضمان استقرارها البحري من دون التصادم مع انقرة، القوة البحرية الأكبر والأكثر نفوذاً في شرق المتوسط.
وتكشف المصادر، ان المسألة تتخطى "الخلاف الثلاثي" المستجد، لارتباطها بتنافس المشاريع الكبرى في المنطقة، مشروع خط شرق المتوسط (EastMed)، خط الغاز المصري إلى أوروبا، الدور الإسرائيلي المتصاعد، التوترات بين أنقرة والاتحاد الأوروبي، الذي ستتولى رئاسته نيقوسيا مطلع السنة، والذي وفقا للمعلومات فان رئيسها وعد نظيره اللبناني، بتسهيل دخول لبنان في اتفاقية شراكة مع الاتحاد الاوروبي، وبالتالي حصوله على قرض المليار دولار.
واعتبرت المصادر، إن لبنان يمتلك ما يكفي من الخيارات "الذكية" لتفادي الصدام، اذ ان أنقرة لاعب مؤثر في ملفات حيوية ترتبط بلبنان مباشرة أو غير مباشرة: حركة الممرّات التجارية، التوازن الأمني في سوريا، ديناميات الصراع في غزة، علاقتها بإيران، مصالحها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي لا يُستهان بها، في ظل التقارير التي تتحدث عن "انفلاش" تركي في اكثر من منطقة لبنانية، فضلا عن الدعم العسكري الذي قدمه الجيش التركي للجيش اللبناني في عملية "حصر السلاح"، من خلال تزويده بالمعدات والمتفجرات اللازمة، بشكل عاجل، كما أن تركيا لاعب مؤثر في ملفات أخرى تمس لبنان مباشرة، من الممرات التجارية إلى الملف السوري. وبالتالي، فإن مقاربة بيروت للاعتراض التركي يجب أن تكون واقعية ومتوازنة: المحافظة على حقوقها البحرية، من جهة، والحفاظ على قنوات التواصل المفتوحة مع أنقرة، من جهة أخرى.
وختمت المصادر معربة عن تخوفها، من ان تعمد انقرة الى استثمار لبنان كورقة تفاوضية ضمن صراعها مع نيقوسيا وأثينا، في وقت تبحث تركيا عن إعادة رسم خرائط النفوذ من ليبيا حتى الحدود السورية، ومن البحر الأسود حتى المتوسط، في وقت تفتقد فيه بيروت شبكة تحالفات ثابتة حول ملف الطاقة، بل تواجه هشاشة سياسية واقتصادية تجعلها أكثر عرضة للضغط الإقليمي، فاي سوء تقدير لبناني قد يضعه في موقع تصادمي مع دولة تملك نفوذا عسكرياً وبحرياً وقدرة على تعطيل مسارات الاستثمار في المياه الإقليمية، من خلال الضغوط السياسية أو عبر شركات التنقيب العالمية التي تأخذ بعين الاعتبار مواقف الدول المحيطة.
ميشال نصر -الديار
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|