الفدرالية... مشروع وطني لحماية مكاسب الثورة السورية
أحيت سوريا الخميس الذكرى الأولى لانطلاق عملية "ردع العدوان" التي جاءت بالرئيس السوري أحمد الشرع من مخابئ إدلب، التي احتضنته في أحلك سنوات الثورة، إلى عرش "عاصمة الأمويين"، بعد إطاحة "حكم الأسدين" الظالم في 8 كانون الأوّل 2024، التاريخ الذي بات يُعرف بـ "يوم التحرير". لا يختلف عاقلان على أن الشرع حقق إنجازات تاريخية على المستويَين الخارجي والداخلي، فاقت تصوّر أكثر المتفائلين من أنصاره وأكثر المتشائمين من أعدائه، رغم التحدّيات والأزمات البنيوية الهائلة التي ورثها من بشار الأسد الهارب.
لكن النجاحات التي حققها الشرع، وأُسس الحكم الجديد التي بناها على مدى عام، لا تزال هشة ومعرّضة للزعزعة وحتى للسقوط، لأن مقاربته الصارمة للعلاقة مع المكوّنات السورية غير السنية - العربية، أخفقت في إنتاج عقد اجتماعي يحترم التعدّدية الدينية والعرقية في البلاد ويصون خصوصيّة مكوّناتها، الأمر الذي لم يُعرقل مساعي الشرع لدمج "قسد" والكرد في شمال شرق البلاد، الذين يطالبون بالفدرالية، في الدولة الجديدة فحسب، بل أدّى إلى خسارة سوريا بحكم الأمر الواقع محافظة السويداء ومطالبة أهلها بالانفصال بعد المجازر الطائفية التي استهدفت دروز المحافظة على أيدي قوات دمشق والعشائر العربية السنية الصيف الماضي، فيما انتفض العلويون في الساحل وحمص هذا الأسبوع وطالبوا بالفدرالية إثر الهجمات الطائفية الغوغائية التي فتكت بهم في الساحل في آذار الماضي والمستمرّة بأشكال مختلفة على مدى الجغرافيا السورية حتى اليوم.
أحدث الشرع نقلة نوعية في علاقات سوريا الخارجية، إذ حوّل البلاد في غضون سنة من دولة مارقة معزولة تُعوّل على المخدّرات لإنعاش اقتصادها المتهالك وعلى الميليشيات المدعومة من إيران للحفاظ على نظامها، إلى دولة تتمتع بدعم إقليمي ودولي واسع النطاق. من واشنطن وبكين وموسكو، مرورًا بالعواصم الأوروبّية وأنقرة، إلى الرياض وأبو ظبي والدوحة، أبدع الشرع ووزير خارجيته أسعد الشيباني في بناء شبكة علاقات خارجية متنوّعة مبنية على المصالح المشتركة، لأنهما استطاعا إلى حدّ كبير تبديد هواجس الخارج من المدرسة الجهادية، التي نهل منها أركان الحكم الجديد، عبر سلسلة خطوات لا شك في أن ارتداداتها انعكست إيجابيًا على سوريا وجيرانها.
أولى تلك الخطوات تمثلت في نسف "الهلال الشيعي" وقطع طريق طهران - بيروت على ملالي إيران و "حزب اللّه"، الأمر الذي تُرجم على الأرض بتصدّي القوات السورية لشحنات أسلحة كانت متوجّهة إلى لبنان، وتوقيف خلايا مرتبطة بـ "الحرس الثوري" وميليشيات مدعومة من طهران، وإغلاق عشرات معامل المخدّرات التي كانت تصدّر الموت إلى دول الخليج وأوروبا، والتي كان النظام السابق و "حزب اللّه" يستفيدان من عائداتها. كما قرّرت دمشق الانضمام إلى "التحالف الدولي" بقيادة أميركا لمحاربة تنظيم "داعش" الإرهابي، وقد شنت قوات دمشق حملات أمنية عديدة ضدّ التنظيم. فضلًا عن ذلك، أعادت سوريا تفعيل بعثتها في منظمة حظر الأسلحة الكيماوية، بعدما وقع المدنيون السوريون ضحايا الاستخدام الهمجي لتلك الأسلحة من قبل النظام البائِد.
أسفرت تلك الخطوات عن رفع السواد الأعظم من العقوبات الدولية عن سوريا، الأمر الذي سهّل استقطاب استثمارات خارجية إلى البلاد وإطلاق قطار إعادة الإعمار، غير أن الإخفاقات في التعامل مع الكرد والدروز والعلويين شكّلت عائقًا أمام إلغاء "قانون قيصر" بصورة نهائية، إذ إن إدارة الرئيس ترامب علّقت تنفيذ عقوبات "قيصر" موَقتًا بموجب أمر تنفيذي، لأن إلغاء القانون يحتاج إلى إقرار قانون يقضي بذلك في الكونغرس، الأمر الذي لم يحصل حتى الآن بسبب رغبة بعض أعضاء الكونغرس المؤثرين بتضمين قانون الإلغاء آلية تسمح بإعادة فرض العقوبات في حال فشلت دمشق في تحقيق مجموعة من الشروط، أبرزها حماية الأقليات وصون خصوصياتها، والتوصّل إلى اتفاق مع إسرائيل.
أعاقت العلاقة الصدامية بين دمشق والأقليات، الجهود الأميركية لإرساء اتفاق أمني بين سوريا وإسرائيل، قد يُمهّد لاتفاق سلام يجسّد رؤية واشنطن وحلفائها لبناء "شرق أوسط جديد" على أنقاض أمبراطورية ملالي طهران المسحوقة. رغم جولات المفاوضات المباشرة العديدة التي خاضها الشيباني مع الإسرائيليين برعاية المبعوث الأميركي إلى سوريا توم برّاك، وصلت المحادثات إلى حائط مسدود، إذ تشترط تل أبيب عدم تعرّض دمشق للدروز وعدم نشر قواتها في السويداء ونزع السلاح في الجنوب السوري، كما أنها تصرّ على إبقاء سيطرتها على الجولان وجبل الشيخ.
تدخلت إسرائيل لمصلحة الدروز بشكل حاسم عندما دخلت قوات دمشق والعشائر إلى السويداء ونكّلت بأهلها في تموز الماضي، وقد أكد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال زيارة أجراها إلى المنطقة العازلة التي تسيطر عليها قواته في جنوب سوريا الأسبوع الماضي، أن ضمن مهمّة جنوده في المنطقة "حماية حلفائنا الدروز"، لافتًا إلى أن "هذه المهمّة قد تتطوّر في أي لحظة".
رفض الشرع الخميس المطالب بالفدرالية، متمسّكًا بالحكم المركزي الذي فشل في إدارة سوريا منذ نشأتها. خلقت عقود من التنافس للسيطرة على المركز، عداء وأحقادًا طائفية عميقة بين مكوّنات البلاد، ما أسّس الأرضية لتحوّل الثورة السورية من ثورة شعبية في البداية إلى حرب أهلية لاحقًا. لا يُمكن للنظام الجديد أن يحقق طموح السوريين في تشييد "سوريا جديدة" بناء على رؤية تشبه "رؤية 2030" السعودية، إذا أصرّ على التعاطي مع المكوّنات السورية من منطلق أيديولوجي شمولي إقصائي لا يختلف عن الأيديولوجية البعثية سوى بالعنصر الطائفي الطاغي، الأمر الذي من شأنه زعزعة الاستقرار الاجتماعي والأمني في البلاد بشكل مستمرّ.
اتخذ الحكم السوري الجديد خطوات جريئة وتاريخية خلال عامه الأوّل، لكنه لا يزال بحاجة إلى الإقدام على حلّ معضلة العقد الاجتماعي السوري بشكل جذري لمرّة واحدة وأخيرة، بعد ثمانية عقود من فشل النظام المركزي، عبر إعلان نيّته خوض مفاوضات مع كافة المكوّنات السورية حول صياغة نظام فدرالي للبلاد، يحفظ وحدتها ويبدّد الهواجس ويضمن الحرّيات الثقافية والدينية واللغوية لجميع السوريين، الأمر الذي سيحقق استقرارًا أهليًا مستدامًا. كذلك، سيسمح حُسن إدارة التنوّع السوري، بتثبيت إنجازات الحكم الجديد وبتحقيق نجاحات جديدة، تبدأ بإبعاد شبح العقوبات بشكل دائم ولا تنتهي باتفاق تاريخي مع إسرائيل من شأنه أن يؤسّس بيئة جيوسياسية مواتية لمحبي السلام في المنطقة.
أنطونيو رزق-نداء الوطن
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|