هل يبقى ترسيم لبنان وقبرص بلا تنقيب بظلّ المواجهة المحتملة مع تركيا وسوريا؟
وقّع لبنان وقبرص (اليونانية) منذ أيام (في 26 تشرين الثاني الفائت) اتفاقية جديدة لترسيم حدودهما البحرية بعد أكثر من 18 سنة من المماطلة والتأجيل. هذا الاتفاق - الذي وصفه الجانب القبرصي والتقنيون اللبنانيون بأنه "تاريخي" - قد يفتح أبواب الاستثمار في موارد البحر المتوسط... لكن الطريق إلى التنقيب الفعلي محفوف بتعقيدات فنية وسياسية جمّة.
تقول مصادر سياسية مطّلعة لـ "الديار" إنّ إنجاز هذه الاتفاقية بين لبنان وقبرص القائمة منذ العام 2007، من خلال توقيع البلدين عليها، (رغم أنّ رئيس الجمهورية جوزاف عون لم يوقّع بل وزير الأشغال العامّة فايز رسامني)، مهم كون الاتفاقية ترسم حدود "المنطقة الاقتصادية الخالصة" بين البلدين على أساس "خط الوسط" (median line) بين السواحل، وهو المبدأ الذي اعتمدته أيضاً قبرص في اتفاقياتها مع مصر و "إسرائيل".
وبحسب الموقف اللبناني الرسمي، فإنّ هذا الترسيم يمنح "غطاءً قانونياً" ضرورياً لجذب شركات النفط الأجنبية لتقديم عطاءات للاستكشاف والتنقيب. وكان الرئيس عون قد قال إثر التوقيع على هذه الاتفاقية بأنّها "لا تستهدف أحدا"، بل تهدف إلى وضع "لبنة أولى في جسر التعاون الدولي".
ومن وجهة النظر الفنيّة، ترى المصادر أنّ هذا الترسيم من شأنه أن يُعيد لبنان إلى خريطة الدول ذات الحقوق البحرية المعترف بها، وينهي سنوات من الخلاف الداخلي بين أحزاب سياسية ومصالح متضاربة حول منحه حقّ التنقيب.
ولكن ثمّة سؤال أساسي يُطرح هنا: هل هذا الترسيم الذي انتظره لبنان طويلاً، مع بعض التعديلات، يعني انطلاق التنقيب فوراً؟ ليس بالضرورة، على ما تنقل المصادر السياسية عن خبراء قانون البحار واستشاريي الطاقة. فالاتفاق يُمثّل خطوة قانونية مهمة، لكنه ليس ضمانة لبدء حفر آبار غاز أو نفط على الفور.
ولعلّ أبرز التحديات في هذا الإطار تتمحور حول معطيات عديدة أبرزها:
أولاً، لا بدّ من جولات ترخيص رسمية، ودعوات لشركات التنقيب للقيام بمسوحات جيولوجية، وتقييم إقتصادي. وهذا غالباً ما يأخذ أشهراً وربما سنة أو أكثر.
ثانياً، تميل شركات النفط الدولية إلى التريّث في مناطق حسّاسة لا سيما إذا كان هناك اعتراضات إقليمية (كما في حالة قبرص التركية)، لأنّ الاستثمار البحري مكلف ويتطلّب استقراراً سياسياً وأمنياً.
ثالثاً، حتى اللحظة، رغم كلّ عوامل التفاؤل، لا يوجد في المياه اللبنانية حقل تجاري منتج مثبّت، ما يعني أنّ أي تنقيب سيتطلّب استثماراً أوّلياً ضخماً ومخاطر واضحة.
فالترسيم إذاً، وفق المصادر السياسية يوفّر الشرط القانوني. لكنّ التنفيذ يستلزم خطوات إضافية، وربما يحتاج لبنان إلى ضمانات قوية لجذب شركات تعاقد واستكشاف.
في المقابل، قد تُعبق معارضة تركيا توقيع لبنان وقبرص اتفاقية ترسيم الحدود البحرية، كونها، على ما ذكرت، "تمسّ بشكل وثيق بالحقوق والمصالح المتساوية مع جمهورية شمال قبرص التركية" غير المعترف بها دولياً، إلا من قبل تركيا، تعيق عملية بدء التنقيب عن الغاز والنفط.
ويُشكّل موقف تركيا هذا أحد أهمّ متغيّرات اللعبة. غير أنّ ما أشارت اليه أنقرة عن استعدادها للتعاون مع لبنان في المجالات البحرية، قد يفتح، وفق المصادر، باب الحوار والتعاون معها في المرحلة المقبلة.
ورغم الخطابات الحادة منها، لا يبدو أنّ اعتراضها يكفي وحده لإلغاء الاتفاق أو منع تنفيذه، خصوصاً إذا ما توافرت حماية سياسية وقانونية من المجتمع الدولي وشركات النفط الدولية.
كذلك فإنّ كلّاً من لبنان وقبرص موقّعان على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، ما يمنحهما إطاراً قانونياً دولياً لترسيم الحدود. أمّا الضغوط الدولية، فغالباً ما تعتمد على تفسير مختلف لمبدأ الجزر وحقوقها في المنطقة الاقتصادية الخالصة، وهو ما رفضته محاكم دولية مرّة تلو الأخرى في حالات متقاربة.
ولكن ماذا عن الترسيم البحري مع سورية، هل يُشكّل نقطة ضعف للإتفاقية المنجزة أيضاً؟ نعم، تجيب المصادر، فلبنان لم يتفق بعد على الخط الحدودي البحري مع سورية شمالاً. والإتفاق مع قبرص لا يغطي هذا الجزء.
من هنا، لحلّ هذا النزاع البحري، لا بد من القيام بمفاوضات مباشرة سريعة مع سورية حول خط يُسمّى Land Terminus Point، إلى جانب تحديد منطقة الالتقاء بين لبنان، سورية وقبرص. وتشير الدراسات في هذا السياق إلى أن تحديد هذه النقطة ممكن قانونياً باستخدام معادلات الجغرافيا ونسب الساحل.
وبالإمكان عوضاً عن ذلك، اللجوء إلى وساطة دولية أو تحكيم دولي عبر محاكم أو هيئات دولية إذا تعذّر الاتفاق المذكور. وإلى حين ذلك، يبقى الجزء البحري الشمالي الشرقي للبنان معلّقاً، ما يعني أن بعض المساحات البحرية لا تزال غير مضمّنة تحت حماية قانونية واضحة.
وتختم المصادر السياسية بالقول: "إن توقيع اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وقبرص يُعدّ بلا شك نقطة تحوّل مهمّة: فهو يمنح لبنان غطاءً قانونياً مهمّاً ويعيده إلى مصاف الدول ذات الحقوق البحرية المعترف بها. لكنه ليس نهاية الطريق - بل بداية سلسلة من الإجراءات التقنية، القانونية، والديبلوماسية الضرورية لجعل البحر "مورداً"، وليس فقط "خريطة".
وإذا نجح لبنان في اجتذاب شركات كبرى، وضمان حماية قانونية وأمنية، وربط الاتفاقيات مع حلول للنزاع مع سورية وربما تفاهمات جزئية، فإنّ هذا الاتفاق سيفتح أفقاً اقتصادياً مهمّاً. أما إذا استمر الصراع الإقليمي أو تأخّرت الإجراءات، فسيبقى "صفقة تاريخيّة"، على الورق لا أكثر.
دوللي بشعلاني- الديار
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|