"حركة التغيير": القوة الحقيقية ليست في امتلاك السلاح بل في القدرة على بناء دولة
الخيار العسكري: تل أبيب ترى أنّ طهران أقرب من الضاحية؟
في انتظار النتائج العملية للقاء دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو تتعدّد الروايات المسرّبة. إلّا انّ العارفين يدركون انّ بعضاً مما تمّ الاتفاق عليه سيُنفّذ بلا سابق إنذار. وهو ما يؤدي إلى ترقّب بعض الخطوات التمهيدية التي يجب رصدها، على خلفية أنّ التهدئة على جبهتي غزة ولبنان وسوريا، لا تنطبق على ما يتصل بالملف الإيراني، وهو ما ستثبته الأيام المقبلة، إن صدق الظن أنّ تل ابيب تعتقد انّ الطريق إلى طهران أقصر منها إلى الضاحية الجنوبية. وهذه بعض الدلائل والمؤشرات.
كان واضحاً انّ أياً من اللقاءات التي جمعت ترامب بنتنياهو لم ينته إلى أي بيان مشترك، وهو أمر كان مقصوداً، لتبقى كل القراءات لنتائجها مبنية على بعض العبارات المتفرقة التي صدرت عنهما، وتناولت الملفات الكبرى، من قطاع غزة إلى ايران واليمن مروراً بلبنان وسوريا حتى تركيا، مع تجاهل ملحوظ للقضايا المستجدة في «أرض الصومال» وكذلك في جنوب اليمن، بين أعضاء الحلف الداعم لـ«الشرعية اليمنية».
على هذه الخلفيات، توقفت مراجع ديبلوماسية وسياسية عند المعلومات القليلة التي تسرّبت عن نتائج مجموعة لقاءات امتدت لأيام عدة، وتوزعت بين مقر إقامة ترامب ووزارات الحرب والخارجية والأمن القومي وما يدور في فلكها من مؤسسات وفرق عمل، للبحث في سلة كاملة من الملفات العالقة بين الدولتين، بوجود فوارق معلنة في النظر إلى ما يمكن القيام به في البعض منها. فلكل منهما رأي من دون استبعاد قدرتهما على تجاوز بعض العقبات، فينطلقان في ما يتمّ التفاهم بشأنه وتُؤجل الملفات الاخرى إلى أن يحين التوافق على طريقة معالجتها، في ظل وجود ملاحظات متعددة في عدد من مراكز القرار الأميركي على تصرفات نتنياهو وقراراته - ما بين وزارتي الحرب والخارجية تحديداً- التي أبلغت إلى ترامب مسبقاً باستحالة التفاهم عليها مع نتنياهو اليوم، وإن لم يتمكن من معالجتها فهي تنتظر بعض الوقت. وانطلاقاً من هذه الملاحظة التي أجمعت على الحديث عنها أكثر من شخصية عليمة، فإنّ في مقدّم الملفات الخلافية، الأوضاع في لبنان وغزة وسوريا، مع توافق ملحوظ على خطورة ما يجري في إيران وفقاً لخريطة المواقف التي يمكن الإشارة اليها من خلال بعض المؤشرات، ومنها على سبيل المثال لا الحصر:
-أصرّ ترامب على المضي في الحل المرسوم لقطاع غزة، وضرورة الانتقال مطلع السنة الجديدة إلى المرحلة الثانية من التفاهم الذي رسمت خطواته بنود اقتراحاته الـ20. فيما يصرّ نتنياهو على ربط إطلاق المرحلة الثانية بمصير الجندي الإسرائيلي الاخير المفقود في غزة. وهو أمر سبق لترامب أن تمايز بموقفه منه، عندما سامح حركة «حماس» بتجاوزها مهلة الأيام الـ70 لتسليم جميع الأسرى وجثث القتلى، بعد تقديمه الاعتبار للمتغيّرات الجغرافية في القطاع المدمّر، إلى درجة ضاعت فيها المعالم السكنية السابقة في مناطق عدة منه، وصعوبة الوصول إلى أماكن وجود بعض الجثث التي دُفنت تحت أكوام هائلة من الركام.
- ولهذه الأسباب وغيرها مما لا يمكن إعطاؤها الأهمية نفسها، يبدو أنّ الطرفين اكتفيا حالياً بتوجيه إنذار أخير وشديد اللهجة إلى حركة «حماس» لتسليم أسلحتها وحلّ تشكيلاتها العسكرية خلال مهلة شهرين، ستسمح ايضاً باستكمال تشكيل «مجلس الإدارة» الجديد للقطاع ومعه القوات المتعددة الجنسية التي تتولّى إدارته، وإعادة رسم خطوط الانسحاب الإسرائيلي من محاور القطاع إلى المرحلة الثانية المقررة.
- وللأسباب عينها يمكن النظر إلى ما انتهى اليه اللقاء الثنائي بشأن لبنان، فقد تمّت – بحسب المراجع الديبلوماسية والسياسية عينها - ترجمة عبارات ترامب القليلة التي تحدث فيها عن «سوء التصرف» الذي عبّر عنه «حزب الله»، ولفت النظر إلى عدم قدرة الحكومة اللبنانية على إتمام المهمّة في شكل متلازم، على انّ هناك مهلة إضافية لتنفيذ المراحل المقرّرة، والتي يمكن ان تشكّل محطة لإعادة تقييم الخطوات المقبلة للجيش في شأن «حصر سلاح» الحزب، ومصير الجهود الأميركية والفرنسية المبذولة لإقناع إسرائيل بخطوة ما تلاقي جهود الجيش في الجنوب، سعياً إلى إخلائها نقطتين من النقاط المحتلة، بما يؤدي حتماً إلى مساعدة الحكومة والجيش اللبناني على الانتقال إلى المرحلة الثانية إن بقيت محصورة ما بين نهري الليطاني والأولي، وهو أمر لن يطول انتظاره مع اقتراب مهلة تقديم الجيش تقريره الشهري الرابع إلى مجلس الوزراء مطلع الأسبوع المقبل.
- أما في سوريا، فالوضع مختلف في بعض من جوانبه، بالنظر إلى حجم التعقيدات التي تتحكّم بالخطوات الأميركية المقترحة. وهي تحتاج لتظهيرها بشكل دقيق إلى الانتهاء من عملية توزيع الأدوار كما تريدها واشنطن بين حليفيها في تل ابيب وأنقرة. وهي عملية معقّدة قد لا تنتهي قبل إقصاء الدور الإيراني نهائياً منها، بما يؤدي إلى ربط غير معلن بين ما يجري في سوريا ولبنان من خطوات باتت رهناً بمعالجة مصير سلاح ذراعها المتبقية في لبنان، او التوصل إلى خريطة طريق تؤدي إلى إنهاء مفاعيله.
على هذه الخلفيات وما يمكن أن يُبنى على جانبيها من معطيات لا تؤثر على عناوينها الكبرى، يتبين للمراجع الديبلوماسية والسياسية، أنّ ما أُعطي من مهل في لبنان وغزة وسوريا وحصرها بفترة لا تتعدى الشهرين، أبرز التفاهم على أولية التطلع إلى الخطر الإيراني وإعطائه الأولوية في هذه المرحلة. وهو ما اعتُبر انتصاراً لنتنياهو، الذي اقترح على ترامب في ظلّ الاحتجاجات الداخلية التي تعيشها المدن الإيرانية بشكل غير مسبوق. وفي ظل فقدان ما كان يعزز هذا الاعتقاد منذ يومين، جاءت التحذيرات الجديدة التي أطلقها ترامب أمس إلى القيادة الإيرانية بقوله، إنّ بلاده «ستتدخّل لإنقاذ المتظاهرين السلميين إذا قامت إيران بقتلهم». ومؤكّداً عبر حسابه في «تروث سوشيال»: «نحن جاهزون ومستعدون للتنفيذ». لتضيف مؤشراً جديداً إلى توافق الرجلين حول هذه الأولوية.
واستناداً إلى هذه الخريطة الفسيفسائية للوضع في المنطقة على خلفية نتائج لقاء ترامب ـ نتنياهو، يبدو أن لا جديد يمكن النظر إليه في لبنان. فغارات امس اكّدت استمرار الستاتيكو عينه، بالفصل بين المفاوضات الجارية بين الحكومتين اللبنانية والإسرائيلية في الناقورة، وبين الحرب الإسرائيلية على الحزب. وكل ذلك يجري في انتظار أي خطوة تؤدي إلى تجاوز القلق الذي يساور البعض من تغيّب الموفدة الاميركية مورغان اورتاغوس عن اجتماع لجنة «الميكانيزم» المقبل، وحصره بالوفدين العسكريين. وما زاد في الطين بلّة، انّ هذه الخطوة ادّت إلى تأجيل زيارتي كل من الموفدين الفرنسي جان ايف لودريان والسعودي الامير يزيد بن فرحان إلى بيروت، لتزيد من حجم الغموض والغيوم المتلبّدة في سماء لبنان والمنطقة.
جورج شاهين- الجمهورية
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|