دريان استقبل مجلس أمناء صندوق الزكاة: زيادة 35% في الواردات نتيجة جهود جماعية
رئاسة الحَكم لا الطرف: كيف قدّم رئيس الجمهورية رواية الدولة بعد عام على انتخابه
جاءت مقابلة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون في الذكرى الأولى لانتخابه لتشكّل بياناً سياسياً متكاملاً عن فلسفة العهد، أكثر مما هي جردة حساب زمنية. فالرئيس لم يتعامل مع السنة الأولى كمرحلة إنجازات مكتملة، بل كحلقة تأسيسية في مسار طويل عنوانه إعادة تثبيت الدولة ومنع الانهيار، في بلد ما زال يعيش تحت ضغط التوازنات الداخلية والاشتباكات الإقليمية. من هذا المنطلق، بدا واضحاً أن خطاب القسم لم يكن بالنسبة إليه وثيقة رمزية، بل خريطة طريق عملية تحكم أداء الرئاسة، وتحدّد دور رئيس الجمهورية كحَكم لا كطرف، يمارس الصلاحيات بالفعل لا بالشعارات، ويقيس النجاح بقدرة المؤسسات على العمل لا بحجم الصدامات السياسية.
في مقاربة الصلاحيات، قدّم الرئيس عون قراءة هادئة لما بعد الطائف، مميّزاً بين النص والممارسة، ومعتبراً أن أزمة الحكم في لبنان ليست دائماً في الدستور بل في تعطيل المرفق العام. الأرقام التي عرضها حول عمل مجلس الوزراء والمراسيم الصادرة جاءت كرسالة سياسية مفادها أن السلطة تُمارس حين تتوافر الإرادة، وأن الرئاسة يمكن أن تكون فاعلة من موقع الحكم إذا أحسنت إدارة التوازن بين المؤسسات، لا إذا دخلت في نزاع دائم معها.
غير أن جوهر المقابلة تمركز حول مسألة حصرية السلاح، حيث قدّم الرئيس عون أوضح موقف له منذ بداية العهد. فقرار حصر السلاح، وفق مقاربته، ليس استجابة لإملاءات خارجية ولا ثمناً سياسياً لمسار تفاوضي، بل خيار سيادي داخلي متصل بجوهر قيام الدولة. الجديد في هذا الطرح لم يكن في المبدأ، بل في إعادة تعريف وظيفة السلاح خارج الدولة، إذ اعتبر أن الظروف التي نشأ فيها هذا السلاح انتفت بوجود الجيش، وأن بقاءه تحوّل من عنصر يُنظر إليه كقوة ردع إلى عبء على بيئته وعلى لبنان ككل. بهذا المعنى، لم يطرح المسألة كصراع سياسي مع طرف بعينه، بل كتحوّل موضوعي في موازين المسؤولية، حيث آن الأوان أن تتحمل الدولة وحدها حماية الأرض والمواطنين، وأن تنتقل البلاد من منطق القوة إلى قوة المنطق.
وفي شرحه لمسار التنفيذ، حرص الرئيس عون على الفصل بين القرار السياسي والقدرة العملياتية، مظهراً دعماً كاملاً للمؤسسة العسكرية، ومشدداً على أن وتيرة التنفيذ مرتبطة بالإمكانات والظروف الميدانية، لا بالتردد أو التراجع. كما قدّم صورة متكاملة لدور الجيش جنوب وشمال الليطاني، بما يوحي بأن المقاربة المعتمدة تقوم على التدرج والضبط لا على الصدام، وعلى توسيع السيطرة العملانية لا على استعراض القوة.
إقليمياً، سعى الرئيس عون إلى تثبيت مفهوم الحياد الإيجابي كخيار واقعي لا كشعار مثالي، رابطاً إياه برفض تحويل لبنان إلى منصة تهدد استقرار الدول الأخرى. في هذا السياق، جاءت مواقفه من السلاح الفلسطيني، ومن أي نشاط عسكري خارج قرار الدولة، ومن الاتهامات المتداولة حول وجود ضباط كبار من النظام السوري السابق، لتؤكد أن العهد يريد إدارة الملفات الحساسة بالأمن والمعطيات لا بالانفعال أو الاستثمار السياسي.
أما في الشق المتعلق بالمسار الدبلوماسي، فقد بدا الرئيس عون مقتنعاً بأن لبنان لا يملك ترف الخيارات، وأن التجربة أثبتت محدودية الحرب مقابل إمكانات التفاوض، ولو بفرص غير مضمونة. من هنا، قدّم الدفاع عن خيار التفاوض كقرار سيادي عقلاني، لا كتنازل، رابطاً إياه بتجارب سابقة نجحت حين فشلت سنوات من المواجهة غير المباشرة. وفي هذا الإطار، جاء توضيحه لملف لجنة "الميكانيزم" وتعيين السفير سيمون كرم ليقطع الطريق على أي تأويل خارجي، مؤكداً أن القرار لبناني صرف، اتُخذ داخل السلطة السياسية وبالتنسيق بين أركانها.
داخلياً، حرص الرئيس على تثبيت صورة الانسجام بينه وبين رئيسي مجلس النواب والحكومة، نافياً منطق "الترويكا" ومقدّماً التعاون كشرط للإنتاج لا كبدعة سياسية. فالنتائج، من وجهة نظره، هي المعيار، لا طبيعة العلاقة بين الرئاسات، خصوصاً في نظام توافقي أثبتت فيه الصدامات السابقة كلفتها العالية.
وفي الملفات الأمنية، عكست المقابلة ثقة واضحة بأداء الأجهزة، ولا سيما لجهة التنسيق غير المسبوق بينها وبين القضاء، بما حوّل الأمن من أداة ضبط إلى مدخل للاستقرار الاقتصادي. هذا الربط شكّل جزءاً من سردية العهد التي ترى أن فرض الأمن هو شرط للنمو، لا نتيجة له، وانه مع القضاء يشكلان الفضاء الارحب للاستثمارات والضمانة للمستثمرين.
اقتصادياً، حاول الرئيس عون تقديم قراءة واقعية بعيدة من الوعود الشعبوية. الأرقام التي عُرضت عن النمو، والإيرادات، والاحتياطي، لم تُقدَّم كدليل على التعافي الكامل، بل كمؤشرات أولية لمسار تصاعدي بدأ بعد وراثة "هيكل عظمي" للدولة. وفي مقاربته لقانون الفجوة المالية، دافع عن منطق الإطار التشريعي غير المكتمل باعتباره أفضل من الفراغ، مع ترك الباب مفتوحاً أمام التعديل البرلماني، في محاولة للجمع بين الواقعية السياسية وحماية حقوق المودعين ضمن الممكن.
أما في ملف انفجار مرفأ بيروت، فجاء موقفه حاسماً بضرورة استكمال المسار القضائي ورفع القرار الظني، في إشارة إلى أن العهد لا يريد بقاء هذا الجرح مفتوحاً كأداة تعطيل أو ابتزاز سياسي. وفي الشأن الانتخابي، بدا التزامه بإجراء الانتخابات في موعدها جزءاً من فلسفته العامة، اي احترام الاستحقاقات كشرط لشرعية الدولة، بعيداً من أي طموح شخصي أو مشروع سياسي طويل الأمد.
لذلك؛ لم تكن مقابلة السنة الأولى احتفالاً بالعهد بقدر ما كانت تثبيتاً لسردية رئاسية واضحة وهي: دولة واحدة، سلاح واحد، قرار واحد، ومسار إصلاحي طويل النفس. تفاؤل الرئيس عون بسنة 2026 لم ينبع من إنكار الصعوبات، بل من رهان على عامل وحيد اعتبره ثابتاً وهو تمسّك اللبنانيين بأرضهم، وقدرة الدولة، إذا أُعطيت الفرصة، على أن تعود مرجعية لا ساحة.
داود رمال – "اخبار اليوم"
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|