سلام إلى الجنوب اليوم...ورفع عدد المتفرّغين في"الجامعة اللبنانيّة"
هل يمهّد جعجع للانسحاب؟
في مقابلته الأخيرة ضمن برنامج "صار الوقت"، رفع رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع سقف الخطاب تجاه الحكومة، حين اعتبر أن عليها القيام بواجبها السيادي عبر اتخاذ قرار واضح بحل الجناح العسكري لـِ "حزب الله"، واضعاً هذا العنوان في صلب "أولويات" وزرائه داخل مجلس الوزراء.
وبغضّ النظر عن الموقف السياسي من هذا الطرح، فإن أهميته تكمن في توقيته وفي الجهة التي يُوجَّه إليها. فجعجع لم يكتفِ بتكرار موقف تقليدي للقوات اللبنانية حول سلاح الحزب، بل حمّل الحكومة التي يشارك فيها مسؤولية مباشرة عن هذا الملف، وكأن القرار متاح ضمن آلياتها الطبيعية.
في هذا السياق يقول عضو تكتل الجمهورية القوية النائب غياث يزبك لـ"المدن" " نحن غير مختلفين مع الحكومة في الجوهر، وتحديداً لجهة الثوابت التي لا يمكن لها التراجع عنها. ولكن بعد مرور سنة، مطلوب منا خطوة إلى الأمام، ولا يمكن لنا أن نبقى في الموقع نفسه، خصوصاً أن طريقة تعاطي "حزب الله" على أعلى مستوياته تقوم على الاستفادة من موقف الحكومة الذي يأخذ في الاعتبار حساسية الحزب وبيئته في ما يخص تسليم السلاح، وفي الوقت نفسه نشهد وقفاً لإعادة الاعمار وللاستثمارات وتعطل العجلة الاقتصادية. فكل هذه الأمور مرتبطة بتسليم الحزب لسلاحه من عدمه".
ويضيف أن "الحكومة مطالَبة بالوفاء بما تعهّدت به في بيانها الوزاري وفي خطاب القسم، وبالالتزامات والاتفاقات التي وقّعتها الدولة والتحلق الشعبي حولها الذي يريد الانتهاء من مسألة السلاح الذي لم يجلب الا الدمار. لذا يجب على الدولة أن تخطو خطوة الى الأمام، ويجب أن لا تصدق أن هذه القرارات ستنتهي بمواجهة مع الحزب، وتؤدي إلى فتنة داخلية. فلا إمكانية لبناء دولة فاعلة في ظل معادلة تسمح لسلاح غير شرعي بأن يضغط على القرار الوطني ويضع البلاد في دائرة المخاطر الدائمة".
ملف السلاح
يدرك جعجع، كما سائر القوى السياسية المشاركة في الحكومة، أن مسألة سلاح حزب الله تتجاوز الحكومة اللبنانية شكلاً ومضموناً، وترتبط بتوازنات داخلية وإقليمية معقّدة، لا يمكن حسمها بقرار وزاري أو بند على جدول أعمال. وعليه، فإن طرح هذا المطلب بهذه الصيغة لا يبدو موجهاً لتحقيقه فعلياً، بقدر ما يُستخدم كأداة سياسية لتحديد خطوط فاصلة بين القوات وبقية مكونات السلطة.
بهذا المعنى، يتحول ملف "حل الجناح العسكري" إلى معيار سياسي للاستمرار في الحكومة، معيار يعرف صاحبه مسبقاً أنه غير قابل للتحقق في الظرف الراهن. وهو ما يسمح للقوات اللبنانية، عند أي مفصل لاحق، بالقول إنها استنفدت محاولات العمل من داخل السلطة، وأن بقاءها لم يعد مجدياً، طالما أن الحكومة عاجزة عن مقاربة ما تعتبره قضايا سيادية أساسية.
في هذا السياق، يشدد يزبك "أنه وفي ظل التطورات والتغييرات الاقليمية المتسارعة، على حزب الله أن يأخذ بنفسه قرار حل جناحه العسكري، وأن يقبِل على مشروع الدولة، ولن يكون مكسوراً، ولا أحد يجره إلى السجن كما حصل مع الدكتور سمير جعجع بعد اتفاق الطائف، ولا أحد سيقصي الطائفة الشيعية."
هذا الأسلوب في إدارة الموقف ليس جديداً على القوات اللبنانية، لكنه يكتسب اليوم بعداً إضافياً مع اقتراب الاستحقاق النيابي. فالقوات تحاول الجمع بين خطاب سيادي مرتفع السقف، يرضي قاعدتها السياسية، ومشاركة حكومية لا تريد لها أن تُفسَّر على أنها تسوية أو تنازل. ومن هنا، فإنّ التصعيد المستمر في ما يخص حزب الله، على الرغم من تبني الحكومة قرار احتكار السلاح، هو جزء من عملية شدّ الحبال السياسي، أكثر منه مبادرة تنفيذية قابلة للصرف.
وفي هذا السياق، يلفت يزبك إلى أن "المطلوب اليوم ليس الاكتفاء بإعلان المواقف، بل استكمال هذه القرارات بخطوات تنفيذية فعلية. ويذكّر بأن الجيش اللبناني، بوصفه المؤسسة العسكرية الشرعية، يعمل ضمن قرار سياسي، وأنّ من واجب الحكومة توفير الغطاء السياسي الكامل له كي يتمكن من تنفيذ مهامه، ولا سيما في ما يتعلق ببسط سلطة الدولة جنوب الليطاني، بدل إبقاء الأمور على حالها. وهنا تكمن مسؤولية وزرائنا ، وهذا الأمر ليس للنكد أو افتعال مشاكل ضمن مجلس الوزراء، ولكن كما نطالب بتطبيق الأمور المبدئية، مثل ضرورة أن يعمل المجلس النيابي على وضع قانون الانتخاب أمام الهيئة العامة، يقوم وزراؤنا بالأمر عينه ضمن الحكومة بالتذكير بضرورة التحرك، لأن الأمور لا يمكن أن تبقى كذلك".
القوات بين منطق المشاركة وحسابات الخروج
يتقاطع هذا النهج مع سلوك القوات في ملفات أخرى، أبرزها ملف الموازنة العامة. ففي جلسات مجلس الوزراء، صوّت وزراء القوات مع مشروع الموازنة، منسجمين مع منطق العمل الحكومي القائم على تمرير الحد الأدنى من الانتظام المالي وتفادي الفراغ الكامل. في المقابل، صوّت نواب القوات ضد الموازنة نفسها في مجلس النواب، معتبرين أنها لا تتضمن قطع حساب، وتفتقر إلى الإصلاحات البنيوية، وتعيد إنتاج الخيارات المالية ذاتها التي ساهمت في الانهيار.
هذا التناقض بين الأداء الوزاري والنيابي يعكس محاولة القوات اللبنانية الإمساك بعصا السياسة من الوسط: المشاركة في السلطة التنفيذية لتفادي تهمة التعطيل أو الهروب من المسؤولية، وفي الوقت نفسه الحفاظ على موقع معارض داخل البرلمان، يتيح لها بناء خطاب انتخابي مستقل عن أداء الحكومة.
غير أن هذا التوازن يبقى هشّاً بطبيعته، ومرشحاً للاهتزاز كلما اقترب موعد الانتخابات. فالدخول في المناخ الانتخابي، سواء أُجريت الانتخابات في موعدها الدستوري أو جرى تأجيلها تقنياً لشهرين، يفرض على القوى السياسية خيارات أوضح وأقل رمادية. وفي هذا الإطار، قد تجد القوات اللبنانية أن الاستقالة من الحكومة، إذا حصلت، تشكّل خطوة سياسية محسوبة تعيد تثبيت موقعها كقوة معارضة صافية، في مواجهة سلطة تنفيذية تتحمّل عبء الفشل والعجز بحجة الوفاق الوطني.
لكن في المقابل، لا يمكن الجزم بأن قرار الاستقالة بات وشيكاً أو محسوماً. فالقوات تدرك أيضاً كلفة الخروج من الحكومة، خاصة أن استقالة وزرائها لا يسقطها، كما سيفقدها التأثير المباشر في القرار التنفيذي، وستؤثر أيضاً على مستوى علاقتها مع أطراف خارجية ترى في استمرار التوازن داخل الحكومة عاملاً ضرورياً للاستقرار. لذلك، يبدو أن جعجع يفضّل في المرحلة الراهنة إدارة التناقض، عبر خطاب مرتفع السقف من دون ترجمة فورية بخطوة نهائية.
وفي هذا السياق يقول يزبك: "نحن في الحكومة ونتحمل مسؤولياتنا، ولكن احتمال الاستقالة من هذه الحكومة او من غيرها هو احتمال وارد، وهو جزء من اللعبة الديمقراطية عندما نشعر أن وجودنا لم يعد فعالاً، أو أن نصبح شهود زور، فهدفنا لم يكن يوماً مقاعد من هنا أو هناك. كل الاحتمالات مفتوحة بالتأكيد".
إبراهيم الرز - المدن
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|