حكومة "أرض الصومال" ترفض قرار مقديشو إلغاء اتفاقياتها مع الإمارات
من رفيق الحريري إلى خراب السُّنّة
أزمة الطائفة السنية في لبنان هي ليست نتاج لحظة واحدة أو حادثة طارئة، بل خلاصة مسارٍ طويل بدأ مع الحرب الفلسطينية على الأرض اللبنانية، وتراكم عبر مراحل من الوصاية، والصفقات الإقليمية، وغياب القرار الوطني المستقل.
فمنذ خروج الدولة اللبنانية الفعلية من المعادلة، لم تُترك الطوائف على مسافة واحدة من الخسارة، وكان السُّنّة هم الأكثر تضرّرًا، لأن رهانهم التاريخي كان على الدولة لا على القوة.
بعد الحرب الفلسطينية، برزت قوى لبنانية ملأت الفراغ الذي خلّفه ضعف الدولة، وفي مقدّمها الحزب التقدمي الاشتراكي، وحركة أمل، ثم لاحقًا حزب الله. هذه القوى لم تتقدّم فقط بوصفها أطرافًا سياسية، بل كحاملات نفوذ ميداني وأمني، ما أعاد رسم ميزان القوى الداخلي على حساب المؤسسات. وفي مقابل صعود هذه المعادلة، بقي الموقع السُّنّي مفتوحًا على تسويات ظرفية، بلا بنية ذاتية تحميه حين تختل التوازنات.
في هذا المناخ، شكّل صعود الرئيس الشهيد رفيق الحريري محطة مفصلية. بدعم عربي واضح، ولا سيّما من المملكة العربية السعودية، أُعيد وصل السُّنّة بمشروع الدولة، وبمنطق إعادة الإعمار، وبالاقتصاد كرافعة للاستقرار. غير أنّ هذه التجربة، رغم قوتها، بقيت محكومة بتوازنات إقليمية ودولية لم تسمح بتحرير القرار اللبناني كاملًا.
بعد حرب الخليج، دخل لبنان رسميًا في مرحلة تسليم الملف السوري مكافأةً لدمشق، فبات القرار الوطني مرتهنًا، وتحوّل الحريري إلى شريكٍ اقتصادي داخل نظام سياسي غير متوازن. ومع اغتياله، لم يُغتل رجل الدولة فحسب، بل اهتزّ المشروع الذي كان يحاول إعادة الاعتبار لمفهوم الدولة الجامعة.
عقب الاغتيال، حضرت السعودية سياسيًا، لكنّها وجدت دولة مثقلة بالاختلال، وسلطة فعلية تتشكّل خارج المؤسسات، مع تصاعد نفوذ حزب الله بوصفه صاحب القرار الأمني والإقليمي. ومع مرور الوقت، تبيّن أنّ الدعم العربي لا يمكن أن يُترجم نفوذًا فعليًا في ظل دولة مرتهنة، فبات الحضور السعودي سياسيًا وأخلاقيًا أكثر منه تدخّليًا.
عام 2016 شكّل منعطفًا إضافيًا. انتخاب الرئيس ميشال عون، وترسيخ موازين قوى تميل بوضوح لصالح حزب الله، جعلا المملكة تتّخذ خيار الابتعاد، لا عقابًا لطائفة، بل رفضًا للمشاركة في نظام فاقد لسيادته. غير أنّ هذا الابتعاد، وإن كان مفهومًا سياسيًا، ترك السُّنّة في حالة ضياع غير مسبوقة، إذ غاب الغطاء وتفرّق القرار وتقدّم الصمت على المبادرة. ومنذ ذلك الحين، لم تنجح القيادات السُّنّية في ملء الفراغ. فلا بنت مشروع جامع، ولا أنتجت مرجعية موحّدة.
هكذا، دخل السُّنّة مرحلة هشاشة عميقة، لا بسبب الاستهداف، بل بسبب انكشافهم في دولة لم تعد تحمي أحدًا إلا من يملك أدوات خارجها. وفي هذا السياق، جاءت قضية "أبو عمر" لتكشف حجم التردّد، وعمق الخوف وغياب القرار. لم تكن الأزمة في الاسم، بل في ردّ الفعل، حيث بدا أنّ البيئة السُّنّية عاجزة عن الدفاع عن نفسها سياسيًا، أو حتى عن إدارة النقاش بحدّه الأدنى من الثقة والصلابة.
الخلاصة أنّ ما يمرّ به السُّنّة اليوم هو نتيجة منطقية لمسار طويل من الارتهان، ثم الانكشاف. ولا يمكن الخروج من هذه الدائرة عبر انتظار عودة الوصايات أو المظلّات، بل فقط عبر إعادة بناء دورهم الطبيعي كحملة مشروع دولة، لا كطائفة تبحث عمّن يحميها. فحين تعود الدولة، يعود الدور. أمّا في غيابها، فكل الطوائف إلى خسارة، وإنْ تفاوتت الأحجام.
محمد المدني- ليبانون ديبايت
| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|