إقتصاد

الانتظام المالي ومنع تكرار الكارثة

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

كتب العميد الدكتور غازي محمود:

بعد مُضي ست سنوات على الانهيار المالي والاقتصادي غير المسبوق الذي شهده لبنان، والذي حرم اللبنانيين من ودائعهم، أقرت الحكومة اللبنانية "مشروع قانون الانتظام المالي" واستعادة الودائع، والذي يُعرف أيضاً بمشروع قانون الفجوة المالية وتوزيع الخسائر. وهو يأتي في سياق محاولات إعادة إطلاق مسار التعافي المالي والاقتصادي، وإعادة هيكلة وتنظيم القطاع المصرفي. كما يأتي استجابةً لشروط المجتمع الدولي والمؤسسات المالية وفي مقدمها صندوق النقد الدولي، المطالبة بالإصلاح المالي.

ويُقصد بالانتظام المالي إعادة صياغة العلاقات المالية بين الأطراف الاقتصاديين، وفق الأسس القانونية ومبدأ الشفافية، بدأً من الدولة وخاصةً وزارة المالية، ومصرف لبنان، مروراً بالقطاع المصرفي وصولاً الى المودعين. وذلك بما يضمن توزيع الخسائر بشكلٍ عادل، ويؤسس لإعادة الثقة بالقطاع المصرفي، تمهيداً لاستعادة دوره المحوري في تمويل الاقتصاد الوطني.

إلا أن إقرار مشروع قانون الانتظام المالي في ظل غياب رؤية اقتصادية شاملة ومعلنة، يسمح بتعاظم الشكوك حول إطلاق مسار تعافٍ قابل للحياة، في وقتٍ لا يزال فيه القطاع المصرفي يترنح وغير قادر على استعادة ثقة اللبنانيين وتأمين تمويل الاقتصاد لا بالقروض الشخصية ولا الاستثمارية، ذلك أن حل أزمة الودائع يُفترض أن يتزامن مع تنشيط الدورة الاقتصادية وتحفيز الاستثمارات.

وتجدر الإشارة الى أن خبراء يُقدرون تكلفة الحل المعلن بانها تتراوح بين 7 و9 مليار دولار، مقابل احتياطي لدى مصرف لبنان بقيمة 11 مليار دولار، وموجودات لدى المصارف التجارية تتراوح بين 3 و4 مليارات دولار. إلا أن الأولوية من هذه الموجودات، ومهما بلغت التكلفة الفعلية لإعادة الودائع، يجب أن تكون لتمويل الاقتصاد الوطني الذي يُشكل نهوضه يُساهم في تسديد الودائع.

ويأتي مشروع القانون الذي يهدف الى السماح للمودعين بالاسترداد التدريجي لودائعهم المحتجزة في المصارف، كأحد أكثر المشاريع إثارةً للجدل، لما له من تداعيات مباشرة على حقوق المودعين، ودور الدولة في معالجة الخسائر المتراكمة، وإعادة هيكلية النظام المصرفي. وقد وجاء إقرار الحكومة لمشروع القانون إثر ثلاث جلسات مطولة من المناقشة، على الرغم من اعتراض تسعة وزراء على بنوده، والتباين والجدل الكبيرين حيال بنوده بين مختلف القوى السياسية.

في المقابل، يرى المدافعون عن مشروع القانون أن غياب قانون يُنظم توزيع الخسائر وفق أسس عامة وعادلة، يؤدي الى استمرار تحميلها بشكل غير مباشر للمودعين، ما يجعل التشريع ضرورة لحماية ما تبقى من الحقوق. كما يؤكد مؤيدو المشروع أن أي توزيع عادل يجب أن يبدأ بمساهمة الدولة من خلال أصولها وإصلاح ماليتها العامة، ومساهمة المصارف من رساميلها وحقوق مساهميها، قبل المساس بالودائع.

من جهته حاكم مصرف لبنان كريم سعيد تحفظ على مشروع القانون، معتبراً أن مهلة الأربع سنوات المقترحة لسداد مبلغ المئة ألف دولار من الودائع "تُعد طموحةً إلى حد ما"، و"تحتاج إلى ‍مزيد من التوضيح والتعزيز فيما يتعلق بالتزامات الدولة". أما جمعية مصارف لبنان فقد رفضت المشروع لعدم دقة ووضوح الأرقام التي يتضمنها، ولعدم مراعاته قدرات المصارف الفعلية على الإيفاء بالتزاماتها تجاه المودعين، واتاحته تهرب الدولة من تسديد ديونها المستحقة لمصرف لبنان.

فمسألة توزيع الخسائر تُشكل النقطة الخلافية الأساسية في مشروع القانون، حيث يرفض المودعون تحميلهم أي جزء من الخسائر، على اعتبار أن المسؤولية تقع على المصارف التي لهثت خلف أرباحٍ استثنائية ومن دون إدارة رشيدة للمخاطر، والمصرف المركزي الذي انتهج سياسات عالية المخاطر وهندسات مالية متهورة، بالإضافة الى الدولة التي راكمت العجز على مدى سنوات في الموازنات العامة. أما صندوق النقد الدولي فيصر على أن يتحمل مصرف لبنان والمصارف التجارية، ومن ثم المودعون، العبء الأكبر من الفجوة المالية المقدرة بنحو 71 مليار دولار.

وفي المقابل، إن مشروع القانون الذي أقرته الحكومة يقوم على مقاربة لا تحمل الدولة أعباء مباشرة، بل تحمل الحصة الأكبر من الخسائر إلى مصرف لبنان والمصارف التجارية والمودعين. حيث يقضي المشروع أن يتولى مصرف لبنان تمويل ما نسبته 60% من مستحقات إعادة الودائع، في مقابل تسديد المصارف التجارية النسبة المتبقية من المستحقات، ما يتطلب من هذه المصارف إعادة الرسملة للتمكن من تسديدها.

الامر الذي رفضته جمعيّة المصارف مطالبةً بتصفية "ما لا يقل عن 10 مليارات دولار" من موجودات مصرف لبنان، مما يُساعد على تخفيض الكلفة التي ستتحمّلها المصارف بموجب هذا المشروع. في حين أكد المشروع على مضمون القانون 1986/42 (المتعلق بمنع بيع الذهب)، للحؤول دون المساس باحتياطات الذهب، أو التصرف فيها، كما حدد الحد الأدنى لتسديد المستحقات الشهريّة بـ 1500 دولار أميركي، منعًا للمماطلة في التسديد من قبل المصارف.

في ضوء ما تقدم، يتضح أن معالجة أزمة الودائع وسدّ الفجوة المالية لا يمكن أن تقتصر على إقرار نصّ تشريعي تقني يهدف إلى تحقيق الانتظام المالي واستعادة الودائع فحسب، بل تستلزم اعتماد خيار سياسي واقتصادي متكامل يقوم على تنفيذ إصلاحات بنيوية حقيقية في الإدارات العامة ولا سيما مكننتها، وتعزيز آليات المساءلة والمحاسبة. كما يقتضي هذا الخيار بلورة رؤية مستقبلية لدور لبنان الاقتصادي على مستوى المنطقة، تحدد الفرص المتاحة في ضوء إمكاناته الفعلية.

وبين إعادة أموال المودعين، وضمان استقرار النظام المالي، وإعادة بناء الثقة، يبقى التحدي الأساسي في صياغة قانون عادل وشفاف، يحول دون الإفلات من المحاسبة، ويمنع تحميل الفئات الأضعف كلفة الانهيار. فنجاح هذا المشروع لا يُقاس فقط بمدى عدالته في توزيع الخسائر، بل بمقدار مساهمته في وضع الأسس المناسبة لبناء دولة قانون ومؤسسات قادرة على منع تكرار الكارثة.

 

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا