الصحافة

الدولة الدرزية في السويداء هل تمتد إلى لبنان؟

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

كأن الدولة الدرزية في السويداء، امتدادًا إلى الجولان، باتت أمرًا واقعًا على الأرض. ما ينقصها الإعلان الرسمي والاعتراف الدولي لكي تصير دولة شرعية. لا يتعلّق الأمر بالسويداء وحدها بل بمكونات سوريا الأخرى بين الأكراد في الشمال الشرقي وبين العلويين على الساحل في طرطوس واللاذقية. السؤال المتعلّق بالدولة الدرزية الافتراضية هو ما إذا كان يمكن أن تمتدّ إلى لبنان من خلال الإيحاءات التي تتحدّث عن أن مشروع تقسيم المنطقة إذا بدأ في سوريا فسيشمل لبنان.

يبدو أن لا عودة إلى الوراء في مسألة رغبة الدروز في سوريا في أن تكون لهم دولتهم المستقلّة. فعلى مدى التاريخ الحديث لسوريا التي كانوا جزءًا لا يتجزأ منها، لم يكن للدروز دور بارز ضمن هذه الدولة أو مشاركة فاعلة كجماعة في الحياة السياسية. على العكس، وعلى رغم أن سلطان باشا الأطرش يُعتبر أحد أبرز رموز الوحدة السورية وقائد الثورة الكبرى على الإنتداب الفرنسي، فإن الدروز في السويداء في شكل خاص قد تعرّضوا لأكثر من مذبحة وعمليات قمع وقصف بالطيران على مدى عهود قبل حكم البعث وبعده.

بين الشيشكلي ونواف

الرئيس أديب الشيشكلي شن مطلع عام 1954 حملة عسكرية قمعية على جبل الدروز ردًّا على احتجاجات شعبية طالبت باستقالته، حيث قصف الجيش الجبل وبلدة القريّا مسقط رأس سلطان الأطرش بالطيران واقتحم السويداء، ممّا أدّى لنزوح جماعي وضحايا. برّر الشيشكلي هجومه باكتشاف سلاح ومؤامرة انقلابية تشارك فيها عائلة الأطرش. اعتبرت الحملة من أعنف الحملات العسكرية التي تعرض لها الدروز.

في 25 شباط 1954 حصل انقلاب ضدّ الشيشكلي وسمح له الإنقلابيون بالمغادرة إلى لبنان حيث انتقل منه إلى السعودية ثم إلى البرازيل. ولكن الثأر الدرزي لم يتركه يرتاح في منفاه الاختياري. في 27 أيلول 1964 اغتاله هناك الشاب الدرزي نوّاف غزالة انتقامًا لمجازر السويداء. في التاسع من تشرين الأول 1964 وصل جثمان الشيشكلي إلى حماه في سوريا بعدما أذنت سلطات حكم البعث بعودته. نقلته طائرة سورية هبطت في مطار المزة بعد محطة أولى في بروكسيل في بلجيكا. وصُلِّي عليه في جامع المسعود قبل أن يوارى في الثرى. لم يمشِ الدروز وراء نعش الشيشكلي ولكنهم انتظروا 40 عامًا ليسيروا وراء نعش نوّاف غزالة.

اعتُقِل غزالة وحوكم ثم خرج من السجن وتوفي في 20 تشرين الثاني 2005 عن عمر ناهز 80 سنة وأعيد جثمانه من البرازيل ليدفن في مسقط رأسه في ملحة في السويداء في الثالث من كانون الأول 2005. اعتبروه بطلا قوميًا وساروا جموعًا وحشودًا في استقباله ودفنه.

البعث الأول والبعث الثاني

هذا الشعور القومي الدرزي لم ينقطع. على عهد الرئيس البعثي أمين الحافظ تكرّرت المأساة في السويداء التي شن عليها حملة عسكرية بعدما اتهم مجموعة من الضباط الدروز بمحاولة انقلاب بقيادة الضابط الدرزي سليم حاطوم. وقد شارك وزير الدفاع وقتها حافظ الأسد في الحملة العسكرية وهدّد بقصف السويداء بالطيران ففرّ حاطوم مع عدد من الضباط إلى الأردن قبل أن يعود بعد بدء حرب حزيران 1967 باندفاع وطني ليقاتِل مع الجيش السوري، فاعتُقِل في المطار وأُعدِم بعد محاكمة سريعة، بينما كان الجيش السوري ينهزم وينسحب من الجولان، ولا يزال الدروز يعتبرونه رمزًا لهم في الشجاعة والتضحية.

في خطاب له في 2006 دعا رئيس الحزب "التقدمي الاشتراكي"، زعيم الطائفة الدرزية في لبنان، وليد جنبلاط إلى قتل الرئيس السوري بشار الأسد بالإشارة إلى نوّاف غزالة عندما قال: "لا بد أن يخرج يومًا ما نوّاف، إذا تعقدت المحكمة (الدولية) ولم تعد تجدي فكلّنا نوّاف، فمها طال الزمن فلا بدّ أن يخرج من ينتقم للشهداء بدءًا من كمال جنبلاط وحتى بيار الجميل". ولكن علاقة جنبلاط بالسويداء تبدّلت كثيرًا. فهو لم يكن يُعتبر زعيمًا لدروز لبنان فقط بل لدروز سوريا أيضًا خصوصًا أن الدروز في البلدين كانوا وما زال من الممكن اعتبارهم شعبًا واحدًا في دولتين تجمعهم ديانة واحدة وقضية واحدة وعائلات واحدة ومصير واحد. ولا يمكن الفصل بينهم وبين دروز إسرائيل إلا من خلال الحال العدائية بين لبنان وسوريا وبين إسرائيل.

بين الهجري وجنبلاط

لم يسبق أن تعرّض جنبلاط لحملات وانتقادات حادة وسلبية من بعض الدروز كما بات يحصل، بسبب مواقفه من الشيخ حكمت الهجري المطالب بحماية السويداء وبالانفصال عن سوريا. وكما كان دروز سوريا وإسرائيل داعمين لدروز لبنان في الحرب، كان دروز لبنان في قلب القضية الدرزية منذ بدأت الحرب في سوريا في آذار 2011. بحيث بدا في بدء هذه الثورة أن دروز سوريا يتأثرون بالعدائية التي كانت قامت بين وليد جنبلاط ونظام الأسد منذ انضمامه مع رفيق الحريري إلى صفوف المعارضين للنظام السوري في لبنان والعاملين على استعادة السيادة اللبنانية. ولكن بعد سقوط نظام الأسد بدا وكأن هناك افتراقًا كبيرًا بين جنبلاط والتوجه العام للدروز في السويداء بقيادة شيخ العقل حكمت الهجري.

تراكمات الاضطهادات التي تعرّض لها الدروز في سوريا على مدى العهود كلّها منذ العام 1920 انفجرت مرّة واحدة عندما انكسر الإطار الذي كان يجمع المكوّنات السورية في دولة واحدة. استشعر وليد جنبلاط هذا الاتجاه. فهو ليس بعيدًا عن استشراف وجدان الجماعة الدرزية التي وجدت أن الوقت ربّما حان حتى يكون لها دولتها الخاصة. صحيح أن جنبلاط زار الرئيس السوري الجديد أحمد الشرع بهدف تطويق احتمال حصول صدام بين المكوِّن الدرزي والحكم الجديد، ولكن يبدو أن الأحداث تخطّت جنبلاط والشرع وحتى دروز السويداء بحيث بدا وكأنه لم يعد من الممكن العودة إلى الوراء. عانى الدروز في السويداء من اعتداءات الجماعات السنية المتطرّفة ومن محاولات فرض إعادتهم إلى الدين الصحيح بالقوة والترهيب. وعلى رغم أنهم كانوا من أول الذين وقفوا ضدّ حكم بشار الأسد وامتنعوا عن الخدمة في الجيش وعن القتال ضد المعارضين، إلّا أنهم بعد فرار الأسد وجدوا أنفسهم معرّضين لانتهاكات مستمرّة، بحيث لم يتمّ التعامل معهم على أساس أنهم مكوّن مؤسّس في الدولة السورية. هذا الاحتقان الذي بدأ مواجهات في محيط دمشق، في الأشرفية وجرمانا، تطور إلى مواجهات في تموز الماضي في السويداء انتهت بطلب الدروز الحماية الإسرائيلية وبتلبية إسرائيل هذا الطلب.

وهّاب كان الأجرأ

هذا الشعور الدرزي امتدّ تلقائيًا إلى لبنان إذ وجدت دعوات الشيخ حكمت الهجري مَنْ يتلقفها في لبنان على رغم تحذيرات جنبلاط من التماهي مع الموقف الإسرائيلي ودعوته لبقاء الدروز جزءًا من الدولية السورية. أبرز دليل على ذلك كان في عاليه في 29 تموز 2025 عندما اشتبه البعض بأن الشيخ ليث البلعوس المعارض للشيخ الهجري والمقرّب من نظام الشرع موجود في أحد فنادق عاليه فتمّ تطويق الفندق قبل أن يتدخل الجيش اللبناني ويتأكّد أن الشخص الموجود في الفندق ليس البلعوس.

هذا الانعطاف الدرزي اللبناني تجاه قضية دروز سوريا وجد تجاوبًا كبيرًا لدى رئيس حزب "التوحيد العربي" وئام وهّاب الذي كان الأجرأ من البداية في تأييد قضية مطالبة الدروز بالسيادة على مناطقهم وبحقهم طلب الحماية من إسرائيل. وقد كتب يوم حادثة البلعوس: "سمعنا أن عناصر حزبية أدخلت شويخ مطرود من السويداء وملاحَق من أهلها إلى لبنان بدون أن تُختم أوراقه على الحدود. سنتابع الأمر لأنه خطير وغير مسموح به ونتمنى أن لا يكون أحد يريد فتنة بين الناس لأن من تطرده السويداء لن نستقبله هنا. دم أهلنا خطّ أحمر ومن لعب به سينال القصاص".

من السويداء إلى الدامور؟

في 13 كانون الثاني الحالي فجّر الشيخ حكمت الهجري كل الكوامن في النفوس الدرزية عندما دعا في حديث لصحيفة "يديعوت أحرونوت" العبرية، لإقامة كيان درزي مستقل في محافظة السويداء قائلًا: "نحن نرى أنفسنا جزءًا لا يتجزأ من منظومة وجود دولة إسرائيل، بوصفنا ذراعًا نسجت تحالفًا مع إسرائيل. العلاقة دولية وذات أهمية. إسرائيل هي الجهة الضامنة والوحيدة المخوّلة للتوصّل إلى ترتيبات مستقبلية". وأوضح أن المطلب المركزي، هو الاستقلال الكامل، لكن من الممكن وجود مرحلة انتقالية من الحكم الذاتي تحت إشراف جهة ضامنة خارجية. وأضاف الهجري: "برأيي، دولة إسرائيل هي الجهة المناسبة لذلك". وتابع أن "سورية تتجه نحو التقسيم وبناء مناطق حكم ذاتي تتمتع بالاستقلال. هذا هو المستقبل. هكذا نبني مستقبلًا أفضل للأقليات واستقرارًا إقليميًا لكل الشرق الأوسط".

هذا الخطاب الدرزي الجديد لا يزال يعارضه وليد جنبلاط الملتزم بقضية سوريا الموحّدة والعروبة وفلسطين والعداء لإسرائيل. ولكنه على الأرض يلاقي تأييدًا درزيًا وتجاوبًا بحيث يحكي البعض عن دولة درزية تمتدّ من السويداء إلى الجولان ولبنان بحيث تضم راشيا وحاصبيا وعاليه والشوف وصولًا إلى بحر الدامور. لا شكّ في أنه حلم صعب المنال ومستحيل التحقيق. ولكنه ليس بعيدًا عن مواقف معارضي هذا التوجّه والمشكّكين بالتطلعات الدرزية إلى الحدّ الذي جعلهم يعتبرون أن إسرائيل خطفت النقيب المتقاعد أحمد شكر من زحله ونقلته إليها عبر الممرات المفتوحة بين جرود راشيا وجبال حرمون التي باتت تسيطر عليها بعد سقوط النظام السوري، وعلى خلفية أن هذه الحدود باتت مفتوحة بين جبل لبنان وجبل "باشان"، وهو التسمية اليهودية للسويداء التي أحياها الشيخ الهجري ورفضها جنبلاط مؤكّدا على هوية السويداء السورية وتسمية جبل العرب.

نجم الهاشم -نداء الوطن

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا