مرسوم رئاسي لاسترضاء الكرد: "قسد" تنكفئ عن شرق حلب
بعد أيام من التصعيد الميداني والعسكري في محيط دير حافر، والذي ترافق مع إعلان الحكومة الانتقالية، دير حافر ومسكنة، منطقةً عسكرية، ودعوتها سكانهما إلى مغادرتهما تمهيداً لعملية تهدف إلى السيطرة على المنطقتين الخاضعتين لسيطرة «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) في جيب شرق حلب، بدأت تُسجّل تحرّكات دبلوماسية جادّة في اتجاه خفض التصعيد، يبدو أنها أثمرت سريعاً مع إعلان قائد «قسد»، مظلوم عبدي، الانسحاب من «مناطق التماس الحالية شرقي حلب».
وأكد عبدي «إعادة التموضع في مناطق شرق الفرات»، وذلك بناءً «على دعوات من الدول الصديقة والوسطاء»، وإبداءً «لحسن النية في إتمام عملية الدمج والالتزام بتنفيذ بنود اتفاقية العاشر من آذار». وجاء هذا وسط تسريبات عن لقاء مُزمع عقده في مدينة أربيل بين المبعوث الأميركي إلى سوريا، توماس برّاك، وعبدي، بالتنسيق مع رئيس «الحزب الديمقراطي الكردستاني» مسعود برزاني.
وسبقت ذلك الحراكَ تصريحاتٌ للسيناتور جين شاهين، العضو في لجنة العلاقات الخارجية في الكونغرس الأميركي، أعربت فيها عن «قلق بالغ» إزاء أعمال العنف الأخيرة في مدينة حلب، محذّرة من خطر اتّساع رقعة التصعيد. ودعت شاهين الحكومة الانتقالية إلى «خفض التصعيد، وفتح تحقيق في الانتهاكات، واستئناف المحادثات السياسية»، كما حثّت «قسد» على «إعادة الالتزام بالمفاوضات، والعمل على إنهاء عملية الاندماج حسبما نصّ عليه اتفاق العاشر من آذار».
من جهته، أعلن برّاك أن واشنطن «تعمل على إعادة إطلاق محادثات الاندماج بين الحكومة السورية و»قسد»»، مؤكّداً، في منشور على منصة «إكس»، أن بلاده «على تواصل وثيق مع جميع الأطراف في سوريا، وتعمل على مدار الساعة لتهدئة الأوضاع ومنع التصعيد، مع السعي للعودة إلى مسار التفاوض بين الحكومة و»قسد»».
وكان وفد من القوات الخاصة الأميركية أجرى جولةً في بلدتَي دير حافر ومسكنة، برفقة قياديَّيْن في «قسد» هما روهلات عفرين وجيا كوباني، وعقد اجتماعاً استمرّ نحو ساعتين، خُصّص لبحث سبل إنهاء التوتر والعودة إلى الحوار. ويفيد مصدر مطّلع على تفاصيل الزيارة، في حديثه إلى «الأخبار»، بأن الجولة «هدفت إلى الاطّلاع على الواقع الميداني في مسكنة ودير حافر، ونقل صورة دقيقة إلى الجانب الأميركي عن المواقع التي استهدفها التصعيد الحكومي الأخير»، مضيفاً أن هذه الخطوة «تأتي تمهيداً للاجتماع المُرتقب بين برّاك وعبدي»، علماً أن «هيئة العمليات» التابعة لوزارة الدفاع في الحكومة الانتقالية نفت، في تصريحات إعلامية، «حضور أيّ وفد حكومي» لهذا الاجتماع. وأشارت إلى أن «الخطر ما زال قائماً على مدينة حلب وريفها الشرقي، رغم محاولة وسطاء التدخّل لإبعاد التهديدات»، وذلك في إشارة إلى الوساطة الأميركية واللقاء المُرتقب في أربيل.
من جهته، يكشف المصدر المطّلع أن «أنقرة ودمشق طلبتا من واشنطن إقناع «قسد» بالانسحاب من دير حافر ومسكنة والبلدات التابعة لهما في اتجاه الطبقة شرق الفرات، ومن سبع قرى شمال دير الزور»، مستدركاً بأن ««قسد» ترفض الانسحاب، وتفضّل العودة إلى مسار المفاوضات تفادياً لمواجهة شاملة» (وهو ما عادت وتراجعت عنه مساءً). وإذ يرجّح أن تكون نتائج لقاء برّاك - عبدي في أربيل «حاسمة»، فهو يتوقّع أن «تؤجّل الحكومة عمليتها العسكرية التي كان مُقرّراً أن تنطلق بعد انتهاء مهلة خروج المدنيين من البلدتين». لكن «هيئة العمليات» في الجيش الجديد أعلنت، مساءً أيضاً، أن قواتها بدأت استهداف مواقع وصفتها بأنها تابعة لـ«ميليشيات حزب العمال الكردستاني وفلول النظام السابق الحليفة لتنظيم قسد» في دير حافر. وادّتت الهيئة أن هذه المواقع تُستخدم كقواعد عسكرية «انطلقت منها الطائرات الانتحارية الإيرانية باتجاه أهلنا في مدينة حلب، ولها دور كبير بقصف ريف حلب الشرقي ومنع الأهالي من مغادرة المنطقة».
وكانت اتهمت «قسد» القوات التركية بالمشاركة في معارك دير حافر باستخدام طائرات مُسيّرة، في تطوّر وصفته بأنه الأول من نوعه منذ توقيع اتفاق العاشر من آذار. وقالت، في بيان، إن «طائرات آكنجي التركية المُسيّرة شاركت في مراقبة وتنفيذ هجمات جوية استهدفت المنطقة»، مشيرة إلى «رصد» إحدى هذه الطائرات في أجواء دير حافر، حيث نفّذت «أكثر من ست غارات جوية استهدفت مناطق متفرّقة في دير حافر ومسكنة».
وفي تعليقه على ذلك، يشير مصدر كردي إلى أن ما جرى في الشيخ مقصود والأشرفية، وما يجري حالياً في دير حافر، «يأتي في سياق تصعيد عسكري حكومي تقوده أساساً الاستخبارات التركية»، لافتاً إلى أن «وسائل إعلام تركية تحدّثت عن إرسال قوات من الشرطة الخاصة التركية إلى سوريا». ويتهم المصدر أنقرة بأنها «تقود التحرّكات العسكرية والإعلامية في حلب وريفها، وتعرقل أي محاولة لإحياء مسار المفاوضات»، معتبراً أنها تسعى إلى «دفع «قسد» إلى الاستسلام ونسف مشروع «الإدارة الذاتية»، وهو ما يبدو أمراً مستحيلاً».
في المقابل، نقلت وكالة «رويترز»، عن مسؤول عسكري سوري رفيع، أن «ما يصل إلى خمس فرق من الجيش السوري» قد تشارك في هجوم محتمل يستهدف بلدات واقعة تحت سيطرة الأكراد في حلب ودير الزور. وأشار المسؤول إلى أن الخطة «تهدف إلى إعادة الطرفين إلى طاولة التفاوض»، محذّراً من أنه في حال فشل ذلك، «قد يشنّ الجيش حملة واسعة النطاق لاستعادة السيطرة على المنطقة».
أمّا في خصوص موقف الولايات المتحدة من ذلك، فأشار ثلاثة دبلوماسيين إلى أن واشنطن «لم تعارض» صراحة قيام الجيش بـ«عملية محدودة»، فيما قال مسؤول في «قسد» إن الأميركيين «لا يفعلون ما يكفي لمنع اندلاع صدام». أيضاً، حذّر مسؤولون عسكريون ومصادر محلية من أن أي «توسّع» في القتال في دير الزور قد يدفع العشائر العربية إلى «الانخراط في المواجهة، وذلك في ظل شكاوى من «التهميش والتجنيد القسري في صفوف «قسد»». وقال شايش الملحم، أحد زعماء عشيرة الجبور، إن العشيرة «تنتظر أوامر الشرع» لمواجهة «قسد»، معتبراً أن الأخيرة «محكوم عليها بالزوال».
وفي خضمّ هذا الشدّ والجذب، بدا لافتاً إصدار الرئيس الانتقالي، أحمد الشرع، مرسوماً يتعلق بالمواطنين السوريين الكرد، نصّ على اعتبارهم «جزءاً أساسياً وأصيلاً من الشعب السوري»، مؤكداً أن هويتهم الثقافية واللغوية «تُعد جزءاً لا يتجزأ من الهوية الوطنية السورية المتعددة والموحدة». كما شدد المرسوم على «التزام الدولة بحماية التنوع الثقافي واللغوي، وضمان حق المواطنين الكرد في إحياء تراثهم وفنونهم وتطوير لغتهم الأم في إطار السيادة الوطنية». وتضمّن أيضاُ اعتبار اللغة الكردية لغة وطنية، والسماح بتدريسها في المدارس الحكومية والخاصة في المناطق التي يشكل فيها الكرد نسبة ملحوظة من السكان، وذلك ضمن المناهج الاختيارية أو الأنشطة الثقافية والتعليمية. وإلى جانب ما تقدّم، نصّ المرسوم على إلغاء جميع القوانين والتدابير الاستثنائية المترتبة على إحصاء عام 1962 في محافظة الحسكة، ومنح الجنسية السورية لجميع المقيمين من أصول كردية، بمن فيهم مكتومو القيد، مع مساواتهم الكاملة في الحقوق والواجبات. كذلك، اعتبار «عيد النوروز»، الذي يصادف 21 آذار، عطلة رسمية مدفوعة الأجر في عموم البلاد.
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|