الضياع الأميركي و"الإسرائيلي" في الشرق الأوسط
إلى أين يمكن أن تصل استراتيجية الغباء بدونالد ترامب، وحتى بأميركا. لم يدرك أن ايران ليست فنزويلا، وأن الشرق الأوسط بأثقال التاريخ، ليس غرينادا، حيث لا علاقة لطيور البطريق بالتاريخ، لتكون كوميديا القرن، بل وتراجيديا القرن. الرجل الذي دخل الى البيت الأبيض، بارساء مفهوم فلسفي للسلام على امتداد الكرة الأرضية، بدا ومن السنة الأولى لولايته، الرئيس الذي يخوض أكبر عدد من الحروب على امتداد الكرة الأرضية!
ماذا حدث لكي تقف المملكة العربية السعودية، وللمرة الأولى منذ عام 1945 (لقاء الملك عبد العزيز مع الرئيس فرنكلين روزفلت)، في وجه الولايات المتحدة. هذا ما لم يكن ترامب يتوقعه على الاطلاق.
وراء المساعي التي قامت بها السعودية وقطر وعمان تحذيرات بالصوت العالي، ومخاوف من انفجار المنطقة، بعدما تبين أن ايران قد قررت خوض حرب البقاء واللابقاء، مع ما لذلك من تداعيات بنيوية في سائر أنحاء المنطقة. هي حرب تمتد لسنوات، لتكون نهاية الوجود الأميركي ـ ان أمكن ذلك ـ على شاكلة نهايته في فيتنام وفي أفغانستان...
ترامب لم يقرأ مدى القلق السعودي والقلق التركي، من تبنيه للسياسات الاسرائيلية المجنونة، أن بابادة الفلسطينيين، أو بالعمل لاقامة "اسرائيل الكبرى"، وبالتالي السيطرة على الشرق الأوسط، ليقول لنا ديبلوماسي خليجي، كما لو أن ترامب يعمل لنتنياهو وليس العكس، ودون أي اعتبار حتى للمصالح الوجودية للبلدان الحليفة، وبالمحاولة العبثية بل والمستحيلة لالغاء الشعب الفلسطيني، ما يعني ابقاء أزمة المنطقة مشرعة على مصراعيها، ودائماً بين النيران وبين الدماء.
رعاية ترامب لنتنياهو تجاوزت المعقول وحتى اللامعقول، بفرض عقوبات على قضاة في المحكمة الجنائية الدولية، لاصداره مذكرة توقيف بحق زعيم "الليكود"، وبالضغط على رئيس الدولة اسحق هرتسوغ لاصدار عفو عنه، بسبب ملاحقته قضائياً بما دعته صحيفة "هاآرتس" "أفعالاً شائنة".
واذ كان الرئيس الأميركي يظن أن أجواء الخليج وكذلك أراضيه، ستكون مفتوحة أمامه لتنفيذ ضربة ضد ايران لا مبرر لها قطعاً، فوجئ بالقرار السعودي ـ وهو قرار خليجي ـ بمنع عبور الطائرات الأميركية فوق أراضيها، لتتحدث وكالة "بلومبرغ" عن "الضربة السعودية على الرأس"، ربما ليستفيق من تلك الغيبوبة التوراتية، بالتماهي بين جنون الأمبراطور وجنون "الحاخام".
آفي شلايم، المؤرخ الاسرائيلي، واستاذ العلاقات الدولية في جامعة أكسفورد البريطانية، رأى أن الشعارات الأمبراطورية التي اطلقها نتنياهو جعلت دولة مثل السعودية، وهي دولة مركزية في العالم العربي كما في العالم الاسلامي، تتحول الى دولة معادية، والى الحد الذي يجعلها تتطلع الى القنبلة النووية. وهذا ما بدا واضحاً من الاتجاه الى اقامة حلف ثلاثي من السعودية وتركيا وباكستان، وهو القوس الذي قد تلتحق به قوى أخرى، والذي يحدث تغييراً محورياً في موازين القوى، بامتلاك باكستان السلاح النووي، في حين يتحدث المعلقون البريطانيون، الذين أول من استعملوا مصطلح "الهلال الشيعي" عن الهلال السني، الذي يمتد من الشرق الأدنى الى الشرق الأقصى بمساحة ديموغرافية تتعدى الـ 375مليون نسمة.
لم يكن شلايم وحده من أثار هذه المسألة. على مدى السنتين المنصرمتين حفلت الصحف الاسرائيلية البعيدة عن الائتلاف، بالتعليقات "حول الرجل الذي يقودنا الى المجهول"، حتى أن الرئيس السابق جو بايدن حذر ابان ولايته من أن "مستقبل اليهود في كل أنحاء العالم بات على المحك"، اذا كيف للعالم أن يتحمل المجازر المروعة في غزة، وهذا ما بدا واضحاً في التحول الذي حدث حتى في الرأي العام الغربي، والى حد التحذير من مواجهة الدولة العبرية أزمة وجودية، اذا لم تحدث تبدلاً عضوياً في نظرتها الى دول الجوار.
ولنستعد دعوة ناحوم غولدمان، وهو أحد كبار آباء الدولة، الى تخلي "اسرائيل" عن النزعة الاسبارطية في صياغة سياساتها، والتحول الى "فاتيكان يهودي" بعيد عن جاذبية النار كما عن جاذبية الدم.
اي تغيير للشرق الأوسط الآن؟ نتنياهو ما زال يدور داخل الدوامة الدموية. ترامب هو من وضع يده على غزة، وعاد عن وعده بالاعتراف بالضفة جزءاً من "اسرائيل"، بسبب الضغوط التي مورست عليه، والتحذير من انعكاس ذلك على المصالح الأميركية في المنطقة. وها أنه يعتبر أن تقويض النظام في ايران عبر الضربات العسكرية، هو المدخل لتغيير المسار التاريخي للشرق الأوسط، قبل أن يتبن له أن الخطر لم يعد في طهران فحسب ، ربما في الرياض وأنقرة واسلام آباد ايضاً.
صحيفة "دايلي باكستان" تحدثت عن "ذلك المجنون الذي يرقص على خيوط العنكبوت"، فيما موقع "اكسيوس" يرى أن تريث ترامب في اللجوء الى الخيار العسكري "يعكس حالة من عدم اليقين العميق داخل الادارة وبين حلفائها (قلنا... استراتيجية الغباء)، بشأن تداعيات هذا الخيار، وما قد يترتب عليه من ردود فعل انتقامية واسعة النطاق"، وهذا ما يعني الخوف الأميركي من هذه الردود، دون أن يعرف ترامب كيف يتراجع، وهو الذي احترف خوض المغامرات المجنونة.
ما يثير التساؤل أن "تل أبيب" التي قالت انها في منتهى الجاهزية للمشاركة في العملية العسكرية، تعود وتطلب من الرئيس الأميركي التمهل. ما السبب؟ المفكر الاقتصادي الأميركي الشهير جيفري ساكس، تحدث عن ضياع أميركا واسرائيل "في تلك الحفرة التي تدعى الشرق الأوسط"...
نبيه البرجي -الديار
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|