إقتصاد

من تدني الرواتب وسرقة الودائع الى التلويح بإلغاء المعاش التقاعدي

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

كتب العميد الدكتور غازي محمود:

التسريب حول إلغاء الراتب التقاعدي والتعويضات للقطاع العام أثار الريبة في صفوف متقاعدي القطاع العام مدنيين وعسكريين، على الرغم من نفيه من قبل وزير الإعلام بول مرقص. وقد تسبب هذا التسريب في ردود فعلٍ متفاوتة، إلا أنها اتفقت جميعها على رفض المساس بالرواتب التقاعدية والتعويضات، باعتبارها حقوقًا مكتسبة لأصحابها، ولا تملك الحكومة الحق في إلغائها أو تجاهلها.

وما يدعو إلى الريبة في مسألة إلغاء الراتب التقاعدي والتعويضات للقطاع العام، كونها تتناغم مع توجهات وتوصيات صندوق النقد الدولي من ناحية، وعدم تردد الحكومة في الاستجابة لإملاءات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي من ناحية أخرى. كما أن تجربة الحكومة، سواء في تصحيح الرواتب أو حل الأزمة المالية والاقتصادية وإعادة الودائع، لا تبعث على التفاؤل.

وما يزيد من الشك في هذا التسريب أن الطرح ليس جديدًا، فقد سبق أن اقترح الرئيس فؤاد السنيورة، خلال توليه وزارة المالية، فكرة إلغاء التقاعد في القطاع العام والتحول نحو عقود مؤقتة بدلاً من التوظيف الدائم (الملاك) في إطار إصلاحات هيكلية في المالية العامة، ضمن ما يُعرف بمفهوم "العقود والمناقصات"، بهدف الحد من كلفة "الملاك العام" وتقليص فاتورة التقاعد.

في المقابل، إن رواتب وتعويضات المتقاعدين، بحسب القوانين المرعية الإجراء، هي حقوق مكتسبة محمية قضائيًا، ولا يجوز للسلطة الإدارية وقفها أو تعليقها أو إلغاؤها بقرار إداري، كونها حقوقًا مالية يقرها القانون وليست مجرد “مِنحة” يمكن للإدارة قطعها بإرادتها المنفردة. فالمعاش التقاعدي حق مقدس، وقد سُددت تكاليفه عبر اقتطاعات شهرية من رواتب الموظفين أثناء خدمتهم.

وأي مساس بها من وقف أو حجب أو تخفيض، يجب أن يستند إلى نص تشريعي أو تنظيمي صريح، فمن غير المقبول أن تتحول الإدارة إلى “قاضٍ” يفرض الحرمان المالي خارج إطار النص. كما لا يجوز أن يمسّ النص جوهر الحق، ويتوجب أن يحترم مبدأ المشروعية، وعدم الرجعية.

وفي إطار احترام عدم الرجعية، فقد سبق أن أبطل مجلس شورى الدولة قرار مدير عام المالية، والذي كان يهدف إلى استرداد مبالغ من أحد المتقاعدين، توازي الرواتب والتعويضات المدفوعة له، مع تنظيم تصفية الفارق بين ما قبضه والمعاش التقاعدي المستحق عن الفترة نفسها. وهناك غيرها من الاجتهادات لمجلس شورى الدولة أبطلت قرارات وزراء المالية المتعلقة بتعديل أو تصحيح المعاش التقاعدي وتعويض الصرف.

وتبقى المخاوف والشكوك ماثلة بسبب هذا التسريب، باعتباره استطلاعًا بالنار (وفق التعبير العسكري) لردة فعل المتقاعدين، ومقدمة لتحضير الأجواء المناسبة للسير في إلغاء الراتب التقاعدي وتعويضات القطاع العام. وثمة اعتقاد بأنه لم تكن الحكومة للتريث في إحالة مشروع قانون بذلك إلى المجلس النيابي لولا اقتراب موعد الانتخابات النيابية، ما يُشكل مادة دسمة للنواب لاستخدامها في حملاتهم الانتخابية لاستقطاب الناخبين.

علمًا أن أحدًا من هؤلاء النواب لم يتقدم باقتراحات قوانين سواء لتصحيح الرواتب أو إعادة أموال المودعين، الأمر الذي يجعل مسؤولية المجلس النيابي، مؤسسةً وكتل نيابية ونواب، شركاء في التقاعس عن سن القوانين الإصلاحية التي تعالج أزمات لبنان المالية والاقتصادية، وتمهد الطريق الى قيام دولة الحق والعدالة، دولة القانون والمؤسسات.

ويأتي تسريب خبر إلغاء الرواتب التقاعدية ليزيد من معاناة المتقاعدين الذين لا تكفيهم رواتبهم التقاعدية لتغطية نفقاتهم الأساسية، ولا سيما منها ثمن الادوية والعلاجات غير المتوفرة في المؤسسات الطبية الضامنة، وتكاليف الانتقال الباهظة التي تُرهق المتقاعدين وتُسابقهم على لقمة عيشهم. وذلك في الوقت الذي تحتجز فيه ودائعهم في المصارف، وجل ما يحصل المحظوظون منهم على مصاريف جيب لا تُسمن ولا تُغني عن جوع.

إلى معاناة المتقاعدين ومخاوفهم من إلغاء رواتبهم، وعلى الرغم من أهمية الخدمات الطبية التي لا تزال تُقدمها المؤسسات العسكرية والأمنية، وخاصةً الجيش، ثمة معاناة لدى المتقاعدين كبار السن الذين تزداد حاجتهم للفحوصات والأعمال الطبية. الأمر الذي يتطلب من هؤلاء مراجعات مكتبية لا تنتهي غالبًا من مرة واحدة، بالإضافة إلى مجهود الانتقال وتكاليفه، ما يستدعي تبسيط الإجراءات واختصارها، توفيرًا للوقت وتخفيفًا لجهد المرضى وتخفيضًا لتكاليفهم.

بينما تستفيد السلطة بجميع أطرافها من تأطير مؤيديها على حساب هؤلاء، وعلى حساب مستقبلهم ومستقبل أبنائهم، تكبر معاناة المتقاعدين وتتسع لتطال كل جانب من جوانب حياتهم وتهددهم بلقمة العيش. فالتلويح بإلغاء الرواتب التقاعدية ليس مجرد خطأ في التقدير، بل مقامرة خطيرة بالسلم الاجتماعي وبما تبقى من ثقة المواطنين بالدولة.

والمساس بالرواتب التقاعدية لا يُشكّل مجرد إجراء مالي أو بندٍ إصلاحي عابر، بل يمثّل خرقًا جوهريًا لمفهوم الدولة بوصفها ضامنةً للحقوق لا ناقضةً لها، ويضرب مبدأ الثقة المشروعة بين المواطن والإدارة في الصميم، فلا يجوز تحويل المتقاعدين إلى كبش محرقة لإصلاحات فولكلورية وانتقائية.

وإذا كانت السلطة عاجزة عن مواجهة الفساد، واسترداد الأموال المنهوبة، وإعادة الودائع، فإن ضرب حقوق المتقاعدين على اعتبار أنه أسهل الخيارات، لن يكون أقل كلفة سياسيًا واجتماعيًا. فالتاريخ القريب يُنبئُ أن تجاهل العدالة الاجتماعية لا يطفئ الأزمات، بل يؤجّل انفجارها.

 

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا