الصحافة

حين تُستباح حرية التعبير ويُستهدف رئيس الجمهورية

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

تشهد بعض وسائل التواصل الاجتماعي وبعض المواقع الإخبارية منذ فترة حملة ممنهجة ومشبوهة من التحريض والتخوين الرخيص، تستهدف بشكل سافر شخص رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون وعائلته، تقودها زمرة تدّعي صفة «مؤثّرين»، ويواكبها عدد من أصحاب الرؤوس الحامية والأبواق المعروفة، عبر خطاب غوغائي متفلّت، يفتقر إلى الحدّ الأدنى من الأخلاق والمسؤولية الوطنية، ويشكّل تعدّيًا فاضحًا على القيم والقوانين المرعية الإجراء.

هناك فرق واضح لا لبس فيه بين النقد السياسي المشروع، ومساءلة السياسات العامة، وبين الإهانة والتشهير والتحريض، والزجّ المتعمّد بعائلة رئيس الجمهورية في بازار السجالات السياسية.

‏إن هذه الحملات مرفوضة ومدانة بشكل قاطع، لما تشكّله من اعتداء مباشر على هيبة الدولة ومؤسساتها الدستورية.
وقد بلغ هذا الانفلات مستوى غير مسبوق من الإساءة الشخصية، والتشهير الرخيص، بعبارات مبتذلة وغير اخلاقية.

وأمام هذا المشهد، لا بد من وضع الأمور في نصابها:
حرية التعبير ليست، ولن تكون، رخصة للتطاول على الكرامات، ولا غطاءً للشتائم، ولا وسيلة للنيل من موقع الرئاسة.
ومن يخلط عمدًا بين حرية التعبير والفوضى، إمّا يجهل معنى الدولة، أو يتعمّد ضربها.

فرئيس الجمهورية ليس مواطنًا عاديًا في الحياة العامة، بل هو رأس الدولة، ورمز وحدتها، وحامي الدستور.
وأي استهداف له بهذه الطريقة المشينة لا يُصيب شخصه فحسب، بل يطال موقع الرئاسة، ويهين الدولة، ويُسقِط ما تبقّى من هيبة المؤسسات أمام الداخل والخارج.

فالمقام الرئاسي ليس ملكًا خاصًا لشاغله، بل هو ملك للدولة اللبنانية. والنيل منه هو نيل مباشر من أسس النظام العام، ومحاولة مكشوفة لتكريس ثقافة الانحلال السياسي، وتطبيع الانفلات، وإضعاف الثقة بين المواطن والدولة.

من هنا، فإن الدعوات القانونية والدستورية إلى تحرّك القضاء تلقائيًا ليست ترفًا ولا كيدية، بل واجبًا وطنيًا لا يحتمل التأجيل. فحتى لو اختار رئيس الجمهورية، انطلاقًا من موقعه أو قناعاته، عدم الادّعاء على أحد، فإن ذلك لا يُسقط مسؤولية القضاء، لأن ما يحصل لا يتعلّق بحق شخصي يمكن التنازل عنه، بل باعتداء صريح على حق عام، وعلى هيبة الدولة، وعلى سيادة الدستور.

إن القضاء، بوصفه سلطة حامية للنظام العام، لا يملك لا الحق ولا الترف في الصمت أو غضّ النظر عندما يُستهدف رأس الدولة بهذا الشكل السافر والتحريضي.
وأي تردّد في هذا السياق يُقرأ على أنه تقاعس، وربما تواطؤ غير مباشر مع منطق الفوضى.
أما المزايدات باسم حرية التعبير، فقد آن الأوان لوضع حدّ لها.

نعم، لبنان قام تاريخيًا على حرية الرأي والتعدّدية، وهذا مكسب وطني لا نقاش فيه.
لكن الحرية، في أي دولة ديمقراطية محترمة، تقف عند حدود كرامة الآخرين، فكيف إذا كان “الآخر” هو رئيس الجمهورية ورمز الدولة؟

هذا السلوك مرفوض أخلاقيًا، ومدان وطنيًا، ومجرّم قانونيًا.
إن ترك هذا الانفلات من دون محاسبة يفتح الباب واسعًا أمام شريعة الغاب في الفضاء الرقمي، ويحوّل وسائل التواصل الاجتماعي إلى أدوات هدم ممنهج، وساحات مفتوحة لضرب الرموز الدستورية، وتقويض الاستقرار، وتفريغ مفهوم الدولة من أي معنى.

من هنا، فإن تدخّل القضاء لا يُشكّل قمعًا للحريات، بل هو خطوة إنقاذية ضرورية لضبط الفوضى، وحماية النظام العام، وصون المصلحة الوطنية العليا.
وفي هذه اللحظة الوطنية الدقيقة، حيث يقف لبنان على مفترق مصيري بين إعادة بناء الدولة أو الانزلاق النهائي نحو التفكك، يصبح الدفاع عن هيبة المؤسسات أولوية وطنية لا تقبل المساومة ولا المزايدة.
فالدولة التي تُستباح رموزها، ويُترك مقام رئاستها رهينة الشتائم والتحريض على المنصّات الرقمية، هي دولة تعلن عجزها عن حماية نفسها، وتوجّه رسالة خطيرة إلى مواطنيها والعالم بأنها فقدت الحدّ الأدنى من مقومات السيادة.
وعليه، فإن حماية رئاسة الجمهورية اليوم ليست دفاعًا عن شخص، ولا اصطفافًا سياسيًا، بل دفاع صريح عن فكرة الدولة، وعن ما تبقّى من الانتظام العام، وعن إمكان إطلاق أي مسار إنقاذي حقيقي.
فاستعادة الدولة تبدأ من هنا:
من احترام مؤسساتها، ومن تحرّك قضائي جريء وحازم، بلا تردّد وبلا انتظار شكوى، لوضع حدّ نهائي لكل من يخلط بين الحرية والتطاول، وبين النقد المسؤول والهدم الممنهج.

دافيد عيسى - أخبار اليوم

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا