تعيين غراسيا قزي... نهاية ملف تفجير المرفأ؟
تفاجأ اللبنانيون الأسبوع الفائت بقرار لمجلس الوزراء لم ينزل عليهم خفيف الوقع، وقليلة هي القرارات التي تنزل كذلك، رغم أن التعيينات في الإدارات العامة عموماً في هذا البلد لا تفاجئ اللبنانيين، لأنها في معظمها تكون موضع تداول مسبق في الإعلام بعد تسريبها عمداً للتخفيف من وقعها عندما تصبح رسمية.
تعيين الموظفة غراسيا قزي مديرة عامة للجمارك لم يمر مروراً عرضياً وأثار الكثير من اللغط والاحتجاج وبعض التبرير. قزي مدعى عليها في قضية تفجير مرفأ بيروت في آب/ أغسطس عام 2020 بتهمة التقصير والإخلال بالواجبات الوظيفية عندما كانت عضواً في المجلس الأعلى للجمارك، وهو الملف القضائي الأكثر تعقيداً حالياً في لبنان، تتداخل فيه السياسة بالقضاء بالحسابات الخاصة والشخصية والتدخلات الطائفية. كما واجهت عام 2019 شبهة فساد وإثراء غير مشروع وتبييض أموال وأحالتها النائبة العامة الاستئنافية في جبل لبنان القاضية غادة عون على قاضي التحقيق الأول في جبل لبنان نقولا منصور، ووجّهت كتاباً إلى وزير المال طلبت فيه كفّ يدها عن العمل ومنعها من السفر.
ضجت وسائل التواصل الاجتماعي بالأصوات المعترضة بشدة، وبحدة واستنفر أهالي ضحايا الانفجار وحاولوا طرد الموظفة المرقّاة من مكتبها لو لم تمنعهم القوى الأمنية المولجة حراسة المقر الرئيسي للجمارك، فيما اكتفت الحكومة بتبرير هزيل وانتظار هدوء العاصفة.
كأن وزير الإعلام بول مرقص كان خجلاً وهو يذيع مقررات مجلس الوزراء ثم يبرر قرار التعيين بأن لا مانع قانونياً يحول دون تعيينها لأن لا حكم مسجلاً على سجلها العدلي. وربما لأن الرأي العام لم يقتنع بقرينة البراءة من مرقص، تلقى رئيس الحكومة نواف سلام الهجوم على مجلس الوزراء بصدره وأصدر بياناً تبريرياً مزج فيه بين الأخلاقي والسياسي والقانوني باعتبار صفته الجامعة لكل هذا، لكنه "بدل ما يكحلها عماها" على قول المثل اللبناني الشائع. أثار تبرير سلام ردوداً غاضبة من ناشطين ومثقفين وقانونيين اعتبروا كلامه سقطة لا مبرر لها وغير مقنع ولا يرقى إلى حجم الخطأ المرتكب. وللحق يتوجب القول إن هناك عشرات التعيينات مدى العقود الماضية شابتها شبهات قانونية وأخلاقية ومررتها الطبقة السياسية من دون أن يرفّ لها جفن.
لم تستطع المقاربة القانونية للتعيين إزاحة المقاربة الأخلاقية الأهم، فسقطت في فخ اسغباء الجمهور، صحيح أن لا حكم قانونياً صدر بحق قزي، وبحق كثيرين غيرها من المدعى عنهم في الملف وفي ملفات أخرى بدءاً من مصرف لبنان وليس انتهاء بقضايا المخدرات والإرهاب، لكن الوضع هنا مختلف. المنصب هو أحد أهم المناصب وأخطرها في الدولة اللبنانية لأن الجمارك هي المصدر الأكبر لمصادر دخل الدولة، وهي المشرفة على كل ما ومن يدخل إلى البلاد براً وبحراً وجواً، ومن يتبوأ هذا المنصب يجب أن يخضع لقواعد قانونية وأخلاقية صارمة جداً، لا يكفي أن يكون "شاطراً" في الإدارة وصاحب شخصية قيادية ومدعوماً سياسياً. وإذا كان صحيحاً أن قزي محسوبة على حزب "القوات اللبنانية" فهذا التعيين يشكل نقطة سوداء كبيرة على الصورة التي حاول تصديرها عن نفسه خلال السنوات الأخيرة وعلى حملته على الفساد والفاسدين.
عندما عين مجلس الوزراء قزي كان الوزراء جميعاً يعلمون بوجود ملف قضائي ضدها- اذا كان بعضهم لا يعلم فتلك مصيبة – ومع ذلك لم يعترضوا، اللهم باستثناء تحفظ وزير العدل عادل نصار، وهذا يدفع الى الاعتقاد أن وراء التعيين صفقة سياسية ما طبخت قبل الجلسة، فيما كانت المعينة تنتظر لحظة إعلان القرار لتحتفل مع قريبين منها وتشرب نخب التعيين شاكرة رئيس الجمهورية.
ماذا يعني التعيين والإصرار على قانونيته؟ يعني أولاً أن هناك "ضمانات" بإخراجها بريئة من ملف تفجير المرفأ، فهل يعقل أن يعين مجلس الوزراء موظفة إذا لم يكن متأكداً من "براءتها"، وإذا برّئت فسيبرأ غيرها وسيفرغ الملف من مضمونه، وربما هذا ما أدركه أهالي الضحايا الذين تأخروا في تحركهم ريثما فهموا القصة. وماذا سيكون موقف السلطة إذا لم تبرّأ؟
تعيين القزي قرار سياسي كبير وفي لبنان لا يتخذ قرار بهذا الحجم من دون أن يكون وراء الأكمة ما وراءها.
لن يطول الوقت حتى تنكشف الصفقة والمقايضات التي شاركت فيها قوى متحالفة ومتخاصمة على حساب صدقية الإدارة والبلد.
الله يرحم الشيخ زنكي.
راغب جابر -النهار
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|