الصحافة

لبنان الذي لا يدار من لبنان

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

مثلما الشرق الأوسط لا يدار من الشرق الأوسط، لبنان لا يدار من لبنان. هذه اشكالية وجودية تجعلنا دوماً بين المجهول والمجهول، والا لما فتحنا أبوابنا، وصدورنا، لياسر عرفات ثم لآرييل شارون، وبعده لحافظ الأسد. الآن، وأبوابنا مشرعة على كل الرياح، لا نستطيع الخروج من تلك الآفات الأبدية، سواء كانت الطوائفية أم الزبائنية أم التبعية أم اللامبالاة.

الفوضى تستشري في العالم. السيناريوات الشكسبيرية تتقاطع على أرض المنطقة. الكبير يأكل الصغير، القناصل على أكتافنا. هل من دولة في لبنان تستطيع، ولو بالحد الأدنى، حماية حدوده ان من العدوة اسرائيل، بالتاويل الدموي للتوراة، أو من الشقيقة سوريا بالتأويل الدموي للقرآن، لكأن الديانات الكبرى لم تنزل من السماء (كما يقال) بل خرجت من الكهوف، أو من الأقبية، وحتى من القبور...

اليد الأميركية، لكأنها اليد الآلهية، فوق كل يد في المنطقة، وحيثما توجد اليد الأميركية توجد اليد الاسرائيلية. أكثر من مرة قلنا أن "حرب الاسناد" أكثر من أن تكون خطأ تكتيكياً أو خطأ استراتيجياً، هي خطأ وجودي، لكنها جعلتنا نجزم بكونها آخر الحروب الا للدفاع عن الأرض، أرض لبنان. ليس فقط بسبب الاختلال الهائل في موازين القوى، وانما لأن القضية قضت بأيدي أبنائها. وكنا قد كتبنا أن عرفات الذي كاد يعلن يهوديته أمام اسحق رابين في حديقة البيت الأبيض، دفن القضية تحت الثلوج، وتحت الورود، الاسكندنافية.

هذا قبل أن يدفنها بنيامين نتنياهو تحت الأنقاض في غزة التي تتحول من مقبرة للفلسطينيين الى ريفييرا للأميركيين. لا بيت ولا للفلسطيني. الشرق الأوسط المسرح الذهبي لألف ليلة وليلة، وقد ابدلنا شهريار بدونالد ترامب، وشهرزاد بالليدي غاغا. مثلما لا دولة للفلسطينيين، لا دولة للبنانيين الا وفق المواصفات الأميركية والاسرائيلية بطبيعة الحال. القس جون هاغي واثق من أن دونالد ترامب سيقوم ببناء الهيكل الثالث، بعدما قال، في الذكرى الأولى لبدء ولايته "ان الرب فخور جداً بما أفعله". هذا اله الأميركيين والاسرائيليين، ماذا عن اله العرب؟

مع يقيننا بأن ضباطنا وجنودنا من أكثر ضباط وجنود العالم كفاءة وبسالة، هل أن تلك الاسلحة التي بين يديه تمكنه من أن يواجه، ولو لساعة واحدة، ولو لدقيقة واحدة، قبائل ياجوج وماجوج سواء جاءت من الشمال أم جاءت من الجنوب؟ قناة "الحدث" نقلت عن مصادر أميركية قولها "واشنطن تسعى للوصول الى اتفاق أمني لا الى اتفاق هدنة"، ما يعني "كسر" الموقف الرسمي اللبناني الذي يريد العودة بالوضع الى اتفاقية الهدنة في رودس (1949). وكنا قد لاحظنا ما يعنيه اسرائيليًاً، ومن خلال التجربة السورية، "الاتفاق الأمن" !

قطعاً لا نقول ان البديل عن الدولة حزب معين أو طائفة بعينها. هو كل اللبنانيين، لا كل الطوائف اللبنانية. الاسرائيليون لا يريدون فقط ازالة "حزب الله" لتقوم "الدولة العرجاء"، العارية حتى من عظامها. ودائماً من خلال التجربة السورية، حيث الرئيس أحمد الشرع خاطب الاسرائيليين بالحديث عن "عدونا المشترك"، أي أنه طرح الاتفاق الاستراتيجي لازالة أي أثر لايران في المنطقة، فكانت الغارات الجوية والبرية هي الرد على مد اليد وحتى محاولة قطع اليد...

الى متى نبقى ندور داخل تلك الحلقة المقفلة أي "الميكانزم"؟ اتفاقية الهدنة لم تعد واردة في الأجندة الاسرائيلية ولا اتفاق وقف الأعمال العدائية الذي مات يوم ولادته. علينا التفكير بطريقة أخرى للحد من الخسائر أو للحد من المصائب، الآن وحدة المسار ووحدة المصير بين لبنان وسوريا بعدما كان قد أفرغ من محتواه، وتحول الى شعار بائس على باب غازي كنعان أو على باب رستم غزالي، لنؤكد أن الدولة السورية تبقى الدولة الشقيقة وأن الشعب السوري يبقى الشعب الشقيق، كوننا كلنا الحجارة على رقعة الشطرنج. الغرابة هنا أن الحجارة هي التي تقاتل، وتقتل، بعضها البعض. الملك أكان برتبة أمبراطور أم برتبة شيخ قبيلة، يتابع من أعلى كيف تتبعثر الحجارة وكيف تتقاتل...

على عادتنا. الآن الزمن الأميركي ويفترض أن نكون أميركيين أكثر من الأميركيين. في هذه الحال نرى في الرئيس جوزف عون المايسترو الذي ننتظر منه أن يضبط الايقاع في تلك الأوركسترا، وحيث كل يغني على ليلاه، لنقول لمن يتولون الدفاع عن الرئيس، ان من الزاوية الطائفية أو من الزاوية الزبائنية، لكأنهم العناكب التي تتسلق الجدران المهجورة، ان رئيس الجمهورية فوق القوى الطائفية، وفوق القوى السياسية، في ذلك المكان الذي يفترض فيه أن يدافع عن اللبنانيين، لا أن يدافع عنه اللبنانيون، وعلى طريقة العناكب.

هذا ما خبرناه في رئيس الجمهورية حين كان على رأس المؤسسة العسكرية. لا شك أنه يواجه ضغوطاً هائلة من الداخل ومن الخارج لتنفيذ ذلك السيناريو، أي حصر السلاح بيد الدولة (ومتى كان هناك سلاح في يد الدولة؟) اذا ما لاحظنا أن تل أبيب تريد أن يدمر السلاح لا أن يجمع..

انه الجنرال الذي ان سقط يسقط في الميدان لا في الفراش، لنذكّر بقول تيودورا، زوجة الأمبراطور البيزنطي يوسنيانو، لزوجها "الرداء الأرجواني أحلى الأكفان". والسلام...

نبيه البرجي -الديار

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا