بري يستقبل الخليفي ويشيد بدعم الدوحة ويبحث الأوضاع مع شخصيات نقابية وبلدية
افتراق فصائلي فلسطيني وتوتر في المخيمات.. هل يتدخّل بري؟
سنة 2006 أُجريت الانتخابات الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة، وتصاعد التوتر بين فتح وحماس، ووصل حدّ الانقسام الجغرافي بين الفصيلين الأكبرين. لكن اتفاقاً بين الفصائل الفلسطينية في لبنان، استطاع تحييد المخيمات والتجمعات الفلسطينية عما يجري من توترات بينية في الضفة وغزة، ومحاصرة أي ارتدادات للانقسام. ولعب رئيس مجلس النواب نبيه بري دوراً أساسياً في رعاية هذا التفاهم، الذي يواكبه في بعض الأحيان النائب وليد جنبلاط.
أمّا اليوم فلا لقاءات على مستوى الصف الأول، فيما جرى دفن هيئة العمل الفلسطيني المشترك، من دون إعلان أومراسم تكريم، في غياب مبادرات جدية أو وساطة يقودها بري كما جرت العادة. وتبدو الخشية واقعية من انفجار الأوضاع في المخيمات، في ظل توترات أمنية متنقلة.
السلاح
استطاعت الساحة الفلسطينية أن تنأى بنفسها طيلة سنوات عن التوترات السياسية والأمنية في لبنان بفضل توافقات الحدّ الأدنى بين الفصائل الفلسطينية، وأن تتخطى الامتحان في محطات عدّة، كان من أهمها في العام 2007 بعد اجتياح جماعة فتح الإسلام مخيم نهر البارد، حيث كان الموقف الفلسطيني موحداً وظهيراً للموقف اللبناني الرسمي. والمحطة الثانية كانت في العام 2013 أثناء معارك جماعة الأسير مع الجيش اللبناني، ثم التوصل إلى وثيقة فلسطينية داخلية تكرّس الحياد الفلسطيني، الذي بقي بعيداً عن ارتدادات الأزمة السورية.
وتعزز كل ذلك بتشكيل هيئة العمل الفلسطيني المشترك عام 2018، والتي اقتربت من أن تكون صوتاً موحداً للمطالب الفلسطينية أثناء اللقاءات مع لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني، أو خلال الاحتجاجات ضد بعض قرارات الأونروا.
ولكن، جملة من العوامل أدّت خلال الأشهر الماضية إلى شبه قطيعة بين فصائل تحالف القوى الفلسطيني، وافتراق حول عدد من القضايا، تقف على رأسها حصرية السلاح الفلسطيني، والأونروا، ولجنة الحوار اللبناني الفلسطيني، وهيئة العمل الفلسطيني المشترك. وانعكس ذلك على إدارة المخيمات الفلسطينية وأمنها.
زيارة رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس لبيروت في شهر أيار من العام الماضي، اعتُبرت محطة في الافتراق الفصائلي، إذ انطلق خلال الزيارة النقاش حول السلاح الفلسطيني وتسليمه، والذي بدأت أولى خطواته بعد ذلك بثلاثة أشهر. ورغم أن الفصائل المناوئة لحركة فتح لم تنتقد الخطوة علناً، إلا أن حديث عناصرها وكوادرها على الأرض كان ناقماً على الخطوة، واعتبرها "خطوة متفرّدة، ولا تخدم سعي الفلسطينيين لتحصيل حقوقهم الإنسانية".
أما حركة فتح فترى، وفق مصدر فيها، أن خطوة تسليم السلاح التي شدّد عباس على المضي فيها خلال زياراته الأربع لبيروت (2005، 2013، 2017، 2025)، "لا ترتبط بضعف أصاب القضية الفلسطينية، أو بتغيرات دولية، وهذه الخطوة إن تمت، فهي تخدم معيشة الفلسطينيين في لبنان، وترسخ المصالحة مع كافة الأفرقاء اللبنانيين".
فرنسا على الخط؟
الملف الآخر هو ملف الأونروا. فبينما كانت قوى اللقاء التشاوري (التحالف، الشعبية، القوى الإسلامية، التيار الإصلاحي) تقود احتجاجات ضد قرارات التقليص شملت اعتصامات وإضرابات، كان ياسر عباس الممثل الخاص للرئيس محمود عباس يشدد على "ضرورة وقف الحملات الشعبوية المغرضة التي يدبرها أصحاب الأهداف المشبوهة ضد وكالة الأونروا في لبنان من دون اكتراث بمصالح شعبنا".
ولا يخفى أن للصراع حول الأنروا أبعاداً غير معلنة، حول النفوذ والمرجعية داخل أهم مؤسسة تدير الشؤون الاجتماعية والتعليمية والصحية للشعب الفلسطيني. فبينما كانت الأونروا، وبضغط معلن من إسرائيل والولايات المتحدة، تعمد إلى طرد الموظفين الذين تعتبر أنّهم خرقوا "قانون الحيادية"، خصوصاً بتأييد المقاومة، كانت حركة فتح تتقدم لتملأ الفراغ، ما زاد حدة الصراع. ورغم تنفيذ حركة فتح جملة احتجاجات في الأيام الأخيرة بعد تخفيض رواتب الموظفين، إلا أنه لوحظ أن ذلك لم ينعكس تقارباً بين الفصائل المتخاصمة. ولم تؤدّ محاولات جدية تُبذل على هذا الصعيد للدفع نحو فعاليات مشتركة.
لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني هي الأخرى أصبحت محل خلاف بين الفصائل الفلسطينية لأول مرة منذ تأسيسها عام 2005. وبحكم تقارب الرؤى بين رئيسها السفير رامز دمشقية وحركة فتح، حول السلاح والأونروا والحقوق، أصبح دمشقية يُشاهَد في الاحتفالات المركزية التي تقيمها الحركة وسفارة دولة فلسطين، بينما تنعدم اللقاءات بينه وبين الفصائل المناوئة لها، باستثناء لقاء واحد جمعه بقيادة حركة حماس في لبنان، وكان من المنتظر أن يُستكمل بلقاء مع قوى التحالف، لكن ذلك لم يحدث. وعلمت المدن أنه بعد تشكيل اللقاء التشاوري في شهر تشرين الثاني 2025، طلب اللقاء اجتماعاً مع لجنة الحوار، لكنه لم يتلقّ رداً.
وكشف مصدر في اللقاء التشاوري لـ"المدن" أن دعوات وُجهت من مؤسسة بروميدييشن (Promediation) الفرنسية لفصائل اللقاء، من أجل حوار يحضره السفير دمشقية بتاريخ 26 كانون الثاني، تحت عنوان "الرؤية الوطنية الفلسطينية المشتركة". ونفى مصدر في حركة فتح للمدن أن تكون وُجهت للحركة أي دعوة في هذا الإطار. وتطرح المؤسسة الداعية للحوار نفسها كوسيط للسلام، لكن هناك من يرى أنها ليست بعيدة عن النفوذ والسياسة الرسمية الفرنسية.
هيئة العمل
كان من المتوقع أن تؤدي هذه الأزمات إلى توقف نشاط هيئة العمل الفلسطيني المشترك. لكن بدا الأمر معكوساً. فإن توقف هيئة العمل عن الحركة كان البداية التي سمحت بانفلاش الخلاف، وشلّ آليات ضبطه. وحصل ذلك من دون إعلان، لسببين: السبب الأول أنه لا أحد يريد أن يتحمّل مسؤولية الإعلان عن موت هيئة ساهمت في ضبط المخيمات إلى حد ما. والسبب الآخر أن رئيس مجلس النواب نبيه بري كان الراعي لنشأتها، وليس هناك من فصيل يرغب في توتير العلاقة معه.
حصل تواصل من خلال قنوات فلسطينية لإعادة إحياء دور هيئة العمل، لكن فشلت هذه المبادرات، ومنها مبادرة الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، التي جرى وأدها في مهدها. ولم تحدث لقاءات إلا ضمن مناسبات اجتماعية. وفي إحدى المناسبات، جرى الحديث عن ضرورة استعادة هيئة العمل الفلسطيني المشترك لأعمالها، فكان الردّ بأن الظروف الحالية لا تسمح إلا بالتعاون "على القطعة".
لوحظ أنه لأول مرة لم تتلقَّ فصائل فلسطينية الدعوة إلى حضور مهرجان لمناسبة ذكرى انطلاقة حركة فتح، ولا احتفال الاستقبال الذي دعت إليه السفارة الفلسطينية لمناسبة اليوم الوطني الفلسطيني. ورغم ذلك، نأت المخيمات الفلسطينية بنفسها نسبياً وسياسياً عن القطيعة بين الصف الأول من الفصائل. ولوحظ أن التواصل ما زال قائماً بين مسؤولي الفصائل المحلية، وكانت هناك مشاركة متبادلة في المناسبات الفصائلية. ولعب العامل الاجتماعي، والتشابك العائلي، والمشترك الجغرافي دوره في تجاوز الصراعات السياسية. ومع ذلك، تركت الصراعات الفصائلية الفلسطينية المركزية أثراً على الواقع الأمني والاجتماعي، فلوحظ تصاعد التوترات الأمنية، والإشكالات المسلحة أخيراً، في معظم المخيمات الفلسطينية.
صحيح أن هذه التوترات بعيدة عن الطابع السياسي، لكن العلاقة الفصائلية الصحية كانت في الماضي تستطيع تطويق الخلافات مباشرة، خصوصاً أن القنوات المفتوحة بين الصف الأول كانت تتابع الحلول بتفصيل. كما أن الواقع الأمني لم يختبر في ظل هذه الظروف إشكالات أمنية سياسية، على ما كان يحدث في مخيم عين الحلوة، وآخرها عام 2023، واستطاعت السفارة الفلسطينية حينذاك، وبحضور كل الفصائل الفلسطينية، وبرعاية بري، التوصل إلى اتفاق أنهى معركة عنيفة.
اللقاء التشاوري
لا يعتبر أبو هاني رميّض، نائب الأمين العام لحركة فتح الانتفاضة، وأمين سرّها في إقليم لبنان، ولادة اللقاء التشاوري إعلاناً لموت هيئة العمل الفلسطيني المشترك. "فهذا اللقاء يهدف إلى بحث عدد من القضايا الملحة، التي لا تحتمل التأجيل، مثل الحقوق والسلاح والأونروا. نحن لغاية اللحظة، لا نعتبر اللقاء التشاوري إطاراً، وليس بديلاً عن هيئة العمل الفلسطيني المشترك وهو لقاء مفتوح لأيّ قوة تود أن تنضم إليه، وليس مغلقاً بوجه أي أحد، وهو وُجد بسبب غياب الهيئة التي نتمنى أن تُفعّل".
أضاف: "نحن متمسكون بأن تبقى هذه الهيئة موجودة، لأنها شُكلت وأُعطيت غطاء رسمياً من دولة الرئيس نبيه بري والجهات الرسمية اللبنانية. وأيضاً متمسكون بها، لأن الملفات المتعلقة بهموم الناس عديدة. وكنا نلتقي بلجنة الحوار اللبناني الفلسطيني كهيئة عمل فلسطيني مشترك".
وحول أداء لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني، قال رميّض: "لدينا ملاحظات على أداء لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني، منها أن رئيس اللجنة السفير رامز دمشقية يبدأ من الصفر، ولا يبني على ما انتهى عليه غيره. وهو أطلق تصريحات بشأن السلاح والفصائل من دون أخذ وجهة نظر كل الفصائل الفلسطينية".
هل يتدخل بري؟
رعى رئيس مجلس النواب نبيه العديد من الاتفاقيات الفلسطينية، منها المبادرة الفلسطينية عام 2013، وكذلك إنشاء هيئة العمل الفلسطيني المشترك عام 2018، واتفاقات وقف إطلاق النار في مخيم عين الحلوة، وأهمها عام 2023. وكان مسؤول الملف الفلسطيني في حركة أمل محمد الجباوي يبادر بالعادة، حتّى دون انتظار اتصال من أي فصيل، كما تقول الفصائل الفلسطينية. لكن لوحظ في الآونة الأخيرة استنكافه عن الانخراط في تفاصيل الخلافات الفلسطينية، فما السبب؟
تتعدّد الروايات الفصائلية، وأكثرها يدخل في باب التحليل، لا المعلومات، لكنها جديرة بالقراءة. تقول إحداها إن بري يميّز جيداً بين ما هو ما محلي، وبين ما هو دولي، ويُدرك قدرة الفعل في هذه الظروف. ومن المحتمل أن يكون قد وصل إلى قناعة بأن الصراع الفلسطيني الحالي في لبنان، غير مفصول عما يجري في غزة والضفة ونتائجه، التي أبرزها إنشاء مجلس السلام، الذي قد تصل بعض تداعياته إلى مخيمات لبنان.
كما أن مواكبته للأحداث في لبنان قد تكون لعبت دوراً في انكفائه عن الملف الفلسطيني، وفق القراءة الفصائلية. تختم هذه القراءة بالقول إن بري ربما ينتظر استكمال قراءة المشهد الفلسطيني المستجد في لبنان، حتى يتدخل، خصوصاً أن الكتلة الفلسطينية الأكبر في لبنان تقع في مناطق نفوذه.
"لتجاوز الخلاف السياسي"
الكاتب والباحث الفلسطيني حمزة بشتاوي يرى أن هناك إجماعاً فلسطينياً على أن "الضرورة القصوى للعمل الفلسطيني المشترك نتيجة ما تتعرض له قضية اللاجئين الفلسطينيين في كافة أماكن اللجوء. في لبنان نتحدث عن البدء بإجراءات تعسفية تمس بالأوضاع المعيشية لللاجئين الفلسطينين. كذلك، فإن التصدي لقرارات الأونروا يحتاج إلى عمل مشترك بين كافة الفصائل الفلسطينية، لأن الأونروا تتذرع بنقص التمويل، وتذهب إلى خفض ساعات الدوام والرواتب، وهي تمسّ بالجانب السياسي، من خلال المس بالهوية الوطنية الفلسطينية، خلال ما شاهدناه من حذف كلمة فلسطين".
ويعتبر أن "الانقسام هو انقسام سياسي، لكن بالقضايا المطلبية، يجب أن تكون هناك وحدة، وتعاون مشترك. الخلاف السياسي يجب أن لا يبقى عائقاً أمام وحدة باتجاه المطالب الحياتية والاجتماعية للاجئين الفلسطينيين في لبنان، وهناك تراجع في الخدمات، لا يمكن أن تقف من خلال إطلاق طرف فلسطيني "مجاملات سياسية"، لا تعبّر عن طبيعة العلاقة المرجوّة بين اللاجئين الفلسطينيين والدولة المضيفة، أي لبنان. نحن نريد تحسين أوضاع اللاجئين الفلسطينيين، ومنها قضية العمل، ومنها موضوع الممرضين. نحتاج إلى قيادة جماعية، وأن تتوافق كل الأطراف الفلسطينية لمواجهة هذه التحديات بعيداً عن الاختلاف السياسي الذي هو واقع".
من أسوأ نتائج الانقسام الفلسطيني في لبنان، الوصول إلى ما يشبه التموضع الفصائلي ضمن القوى اللبنانية، أو على الأقل ما بدا من خلال صور مناسبتي ذكرى انطلاقة حركة فتح، والذكرى السنوية لاغتيال قاسم سليماني، وهذا ما يعزز القلق من تفسير ذلك على أن الصراع الفلسطيني في لبنان ينتمي إلى روح الصراع بين المحاور في المنطقة. الأطراف الفلسطينية تنفي ذلك، لكن صورة الأيام القادمة قد تكون أكثر وضوحاً، ومعها إمكانية إطلاق مبادرات لتقريب وجهات النظر.
أحمد الحاج علي - المدن
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|