قراءة في تاريخ العلاقات اللبنانية - السورية
تتميز العلاقات اللبنانية_السورية بتاريخ طويل ومعقّد، قائم على مزيج من القرب الجغرافي، الروابط الثقافية، والتشابك السياسي. فالعلاقة بين بيروت ودمشق لم تكن يوماً علاقة جوار هادئ، بل أقرب الى شبكة متداخلة من الاعتماد والتوجس، من التحالف والتنافس، من الصداقة والعداء، وهذا ما يجعل قراءة هذه العلاقة ضرورة لفهم توازنات المشرق برمتّها.
لماذا مع سوريا تحديدا وليس مع الدول العربية عموماً؟ لأن لبنان يملك معها حدودا برية تشمل الشمال كله والشرق وجزءا من الجنوب، وتعتبر سوريا، بعد اغلاق الحدود الجنوبية، باب لبنان نحو الداخل العربي، هذه الجغرافيا المشتركة تتجلى فيها الكثير من الريبة، والكثير من المصالح.
في العودة الى العام 1920، وهو العام الذي اصدرفيه المفوض السامي الفرنسي، بصفته ممثلا لفرنسا المنتدبة على سوريا ولبنان، قرارا بانشاء "دولة لبنان الكبير" وعدة دول في الداخل السوري، وهي دولة الشام ودولة حلب ودولة اللاذقية ودولة جبل الدروز وسنجق اسكندرون (التي ستندمج لاحقا في الدولة السورية باستثناء لواء اسكندرون)، وقتها لم تعترف الحركة الوطنية السورية وممثلوها في لبنان بالكيان اللبناني، الاّ عندما بدأت المفاوضات بين الحكومة الفرنسية وبينها في مطلع الثلاثينيات، عندما اشترطت فرنسا ان تعترف الحركة الوطنية السورية بالكيان اللبناني، لقاء توقيع معاهدة تعترف فيها فرنسا باستقلال لبنان وسوريا، وقد قبل ممثلو الحركة الوطنية بالامر مما أحدث اصطفافا جديداً في صفوف السياسيين اللبنانيين الذين طالبوا بالوحدة مع سوريا، ومن العام 1930 الى العام 1943، راحت صيغة رياض الصلح، التي وفقت بين اعترافه بالكيان اللبناني وولائه القومي العربي، تتبلور الى ان تحولت بالشراكة مع الرئيس بشارة الخوري الى ما سمي بالميثاق الوطني.
توافقت هذه الصيغة الوطنية_الاستقلالية، مع الحركة الوطنية في دمشق، عشية استقلال البلدين، فكان الاستقلال عام 1943، وخرج البلدين من الانتداب بتركة مزدوجة:
_ بنية اقتصادية مشتركة تمثلت في عملة موحدة هي الليرة اللبنانية السورية ويصدرها بنك سوريا ولبنان المؤسس عام 1919 وظلت متداولة حتى منتصف الخمسينيات.
_ مجتمعات متداخلة طائفيا وعائليا.
في السنوات الست الاولى من استقلال البلدين، كانت العلاقات بين بيروت ودمشق جيدة وممتازة، ولكن الامور بدأت تتوتر مع أول انقلاب عسكري سوري عام 1949 بقيادة حسني الزعيم، سياسيا توترت العلاقة بعد دعم الزعيم للحزب السوري القومي في محاولة الانقلاب على الدولة اللبنانية (وتخليه عنه لاحقا)، اقتصادياً سلك لبنان ، منذ البداية، طريق النظام الليبرالي المفتوح الذي جعل من بيروت مركزاً مالياً وتجارياً واقليمياً، بينما اتجهت سوريا بعد الانقلاب نحو التوجه القومي الراديكالي الذي بلغ ذروته مع صعود البعث الى الحكم وتبني سياسات التأميم والتخطيط المركزي.
مع منتصف الخمسينيات، بدأت ملامح الطلاق الاقتصادي بين البلدين تتضح، ففي العام 1950 أُنشئ مصرف سوريا المركزي، بينما واصل لبنان الاعتماد على بنك سوريا ولبنان حتى انشاء مصرف لبنان عام 1964، وكانت هذه الخطوة ايذانا بانهاء تجربة العملة المشتركة التي بدأت العام 1920، وبحلول العام 1957 أصبح للبنان ليرته الخاصة فيما باتت سورية تعتمد على الليرة السورية المنفصلة. هذه الانفصال، كرّس خيارات سياسية كبرى، فلبنان اختار ان يتحول الى هونغ كونغ الشرق الاوسط حيث شكّل، بحلول العام 1960، قطاع الخدمات أكثر من 60% من الناتج المحلي، واجتذبت مصارف بيروت مليارات الدولارات من الودائع العربية الهاربة من التأميمات، بينما اتجهت سوريا الى اغلاق الاسواق وتطبيق سياسات التأميم وفرض رقابة على التجارة الخارجية.
هذا التباين جعل من الحدود السورية_اللبنانية خط تماس بين اقتصادين معاكسين، ومنذ تلك اللحظة، صار التهريب بين البلدين جزءا من العلاقة بينهما.
بالتوازي مع الانفصال الاقتصادي، تحولت بيروت منذ الخمسينيات الى ساحة خلفية للمعارضين السوريين، فبعد انقلاب أديب الشيشكلي عام 1951، لجأ عشرات السوريين السياسيين الى لبنان، ومع صعود البعث في العام 1963، ازداد النزيف البشري نحو لبنان، فبيروت لم تكن فقط ملجأً، بل منصة اعلامية للمعارضيين السوريين وهذا ما جعل دمشق ترى في لبنان تهديدا مباشرا لأمنها القومي.
طبق الرئيس فؤاد شهاب قوانين الجغرافيا السياسية، فبعد وصوله الى الحكم بعد أزمة 1958، كان اول عمل له في السياسة الخارجية هو لقاء الرئيس عبد الناصر في خيمة على الحدود اللبنانية_السورية، وكانت سوريا انذاك في وحدة مع مصر ضمن الدولة العربية الموحدة، ونتيجة هذا التفاهم ان نعِم لبنان بهدوء داخلي مقابل انسجام خارجي مع السياسة الناصرية،واستمر ذلك طوال ولايتين رئاسيتين، وهو أمر نادر في لبنان، الى أن جاءت سنة 1967، حين قلبت القضية الفلسطينية واسرائيل كل المعادلات.
بعد حرب الايام الستة في حزيران 1967 والهزيمة العربية المدويّة، أو ما عرف بالنكسة، تغيرت المعادلات الاقليمية، تراجع نفوذ عبد الناصر في العالم العربي مقابل صعود حركات المقاومة الفلسطينية، في لبنان بدأت الأزمة بين السلطة والمسلحيين الفلسطينيين تكبر، ولم يتمكن اتفاق القاهرة في 1969 من لجمها بل ازدادت الامور تعقيداً، في الاردن وقع الصدام بين الملك حسين والفلسطينيين حيث تمكن الملك من حسم الامور فانتقل المسلحون الى لبنان، في سوريا وصل حافظ الاسد الى الحكم بعد انقلاب داخل البعث على صلاح جديد ونور الدين الاتاسي.
دخلت العلاقات اللبنانية_السورية مرحلة جديدة، فمن دعم النظام السوري للمقاومة الفلسطينية في بداية السبعينيات واقفال الحدود مع لبنان على أثر المعارك بين الجيش اللبناني والفلسطينيين، حتى اندلاع الحرب اللبنانية في نيسان 1975 التي كانت لحظة مفصلية، فدمشق الداعمة للفلسطينيين في لبنان وجدت نفسها أمام خطر مزدوج: فوضى قابلة للتمدد نحو الداخل السوري، وتنامي نفوذ منظمة التحرير بما يتجاوز السيطرة. أما في لبنان، انقسام طائفي، وحرب أهلية، وسلطة عاجزة، وتمدد فلسطيني مسلح خارج اطار الشرعية.
هذه الاسباب مجتمعة وغيرها، أدت الى دخول الجيش السوري الى لبنان في حزيران 1976، تحت غطاء قوات الردع العربية بقرار من الجامعة العربية. منذ ذلك الحين أصبح لبنان واقعاً تحت الوصاية السورية وورقة بيد النظام البعثي يستخدمها في سياسته العربية والدولية.
غيرت سوريا تحالفاتها السياسية في لبنان بعد دخول قواتها اليه حسب ما تقتضيه مصالحها وتحالفاتها المحلية والاقليمية .
بعد نهاية الحرب اللبنانية، استند النظام السوري الى القانون لتكريس سيطرته، من خلال توقيع سلسلة معاهدات رسمية بين الدولتين. ففي 22 ايار 1991 تم توقيع معاهدة الأخوة والتعاون والتنسيق التي شرّعت الوجود العسكري السوري في لبنان وأفضت الى تأسيس المجلس الأعلى السوري اللبناني، وفي أيلول من العام نفسه، تم توقيع ميثاق أمن ودفاع بين البلدين وبعدها تم توقيع أكثر من أربعين أتفاقية في مجالات الأمن والدفاع وتقسام المياه والعبور الأقتصاد...
نجحت دمشق خلال هذه المرحلة، في تعليق تنفيذ وثيقة الوفاق الوطني اللبناني، أو ما يعرف بأتفاق الطائف، كما عملت على تقويض المعارضة في لبنان, وفرضت رقابة محكمة على حياة اللبنانيين من خلال القضاء والأجهزة الأمنية، وهذا ما عرف بالنظام الأمني المشترك.
مرحلة جديدة بدأت ملامحها بالظهور في العام 2000، فبعد الأنسحاب الأسرائيلي من جنوب لبنان في أيار 2000، وتسلم بشار الأسد الحكم بعد وفاة والده، تعرضت سوريا لضغوط داخلية وخارجية تهدف الى اخراجها من لبنان، وشكل الأجتياح الاميركي للعراق عام 2003 نقطة التحول الثانية بعد الانسحاب الاسرائيلي، فقد استهدفت ادارة الرئيس الاميركي بوش نظام بشار الاسد كجزء من استراتيجية أوسع لاعادة ترتيب المشهد في الشرق الاوسط، بناء عليه صدر في نيسان 2003 قانون محاسبة سوريا واستعادة سيادة لبنان، تلاه قرار مجلس الامن الدولي رقم 1559 الصادر في ايلول 2004 الذي طالب بانسحاب جميع القوات الاجنبية من لبنان وفرض نزع سلاح جميع الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية.
تجاهل النظام السوري القرار 1559، وفرض في ايلول 2004 التمديد لأميل لحود في رئاسة الجمهورية، أدى هذا القرار الى توسيع المعارضة ضد السوريين، من لقاء قرنة شهوان الى لقاء البريستول الذي ضمّ وليد جنبلاط وبعدها انضمام الرئيس الحريري الى هذه المعارضة.
أحدث أغتيال الرئيس رفيق الحريري في 14 شباط 2005 ، زلزالاً سياسياً محلياً واقليمياً ودولياً، اسفر عن أنسحاب الجيش السوري من لبنان ونهاية زمن الاحتلال المباشر. في العام 2008 وبعد ضغط شديد من اللبنانيين اعلن النظام السوري اقامة علاقات على مستوى سفارة مع لبنان بعدما تمّ اقامة سفارة سورية في لبنان.
مع اندلاع الثورة في سوريا والتهديد بسقوط النظام، اتخذت العلاقات بين البلدين منحاً جديداً، فقد استقبل لبنان اللاجئين السوريين حتى بما يفوق طاقته، وتدخل فريق منهم (حزب الله) في الأحداث السورية بشكل مباشر عبر دعم النظام والمحاربة الى جانبهم في سابقة تاريخية حيث كانت العادة ان تتدخل سوريا عسكرياً في لبنان وليس العكس، وقد أدى هذا التدخل لتوترات حدودية دائمة، وتفجيرات في الداخل اللبناني، ومعارك الجرود، فوجد لبنان نفسه أسيراً لزلزال سوري لا يملك القدرة على أحتوائه.
شكّل سقوط نظام البعث في سوريا في كانون الأول 2024، نقطة تحول مفصلية في العلاقات اللبنانية_السورية، فلبنان الذي كان يتعامل مع دمشق بوصفها مركز القرار، يواجه اليوم سوريا جديدة غير مكتملة الملامح، وأتت هذه المتغيرات الأقليمية مع متغيرات داخلية، بعد حرب أسرائيل على لبنان وأنتخاب العماد جوزف عون رئيساً للجمهورية، وتشكيل حكومة جديدة واتخاذها قراراً حاسماً بحصر السلاح بيد الدولة وتقليص دور حزب الله، كل هذا شكّل مشهداً جديداً في بيروت يتوافق مع تطلعات دمشق.
في المقابل، عاد البعد الجيوسياسي ليطل برأسه: أزمة النازحين، النزاعات الحدودية، محاولات ترسيم الحدود البحرية والبرية، موقع كل من سوريا ولبنان من الصراع من اسرائيل ومن تحالفات المنطقة، كل هذه الملفات تشكل معضلة أمام لبنان، فهو يخشى اعادة انتاج هيمنة سورية عليه، كما انه لا يستطيع فك ارتباطه بها.
لطالما تعاملت دمشق مع لبنان كمساحة نفوذ، ولطالما كان هناك فريق لبناني يرى في دمشق سنداً للتغلب على الفريق المقابل، فهل تكون هذه المرحلة الجديدة تأسيسية لعلاقات نديّة ومؤساستية تحفظ حقوق ومصالح البلدين؟ أم ستعود الأطماع القديمة للظهور، ولعنة التاريخ والجغرافيا؟
بطرس الخوري -Kataeb.org
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|