سوريا والجولان: السّيادة قبل أيّ تفاوض
حين يؤكّد مندوب سوريا لدى الأمم المتّحدة إبراهيم علبي أنّ “خطّ وقف إطلاق النار ومنطقة الفصل التي أوجدتها اتّفاقيّة 1974 هما حيّز جغرافيّ يفصل بين سوريا الأمّ والجولان السوريّ المحتلّ، وليسا حدودنا مع إسرائيل”، يضع الأمم المتّحدة ومعها العالم مباشرة أمام قلب المأزق الاستراتيجيّ الإسرائيليّ: الخطوط العسكريّة ليست سيادة، والفصل المؤقّت لا يساوي حلّ النزاع. يقطع هذا التوضيح مع أيّ محاولة لتحويل الاحتلال إلى واقع سياسيّ مقبول، ويعيد النقاش إلى جوهر السيادة.
ليست المفاوضات الجارية بين سوريا، في ظلّ نظامها الانتقاليّ برئاسة الرئيس أحمد الشرع، وإسرائيل على ما يُسمّى “الحدود النهائيّة”، مسألة تقنيّة أو إجرائيّة يمكن اختزالها في خرائط أو خطوط، بل هي صراع على تعريف السياسة نفسها، وصراع على معنى السيادة على الأرض، وعلى الزمن. أي أنّ السؤال الجوهريّ ليس “أين الخطوط؟”، بل “من يملك الحقّ؟” و”هل القوّة وحدها تستطيع إنتاج سيادة؟”.
من هنا تأتي أهميّة مداخلة مندوب سوريا في الأمم المتّحدة، التي لا تُقدَّم بوصفها ردّاً على خطاب إسرائيليّ فحسب، بل بوصفها إعادة ضبط لمفاهيم الدولة بعد عقود من محاولات إسرائيل تحويل الوقائع العسكريّة المؤقّتة إلى حدود دائمة.
عمليّاً، لا تفاوض سوريا على حقيقة الأرض، بل على كيفيّة إدارة هذا الصراع بما يحفظ حقّها ويمنع تحويل الوقائع الإسرائيليّة إلى حقائق مفروضة. في لحظة إقليميّة مضطربة، يكتسب هذا الموقف وزناً إضافيّاً، لأنّه يُظهر الدولة السوريّة طرفاً قادراً على التفاوض بموقف سياسيّ مستقلّ وثابت على الرغم من الإنهاك الداخليّ والسياسيّ والاقتصاديّ.
إدراك سوريا لهذه المعادلة يعطيها قوّة إضافيّة، ويمنح نصّها السياسيّ قيمة مزدوجة: هو ردّ على المزاعم الإسرائيليّة، وهو في الوقت نفسه بيان سياسيّ يوضح أنّ السيادة لا تُباع، ولا تُقايَض، ولا تُستنزَف بفعل الوقت. وبالتالي ما يُساق من خطابات أو خرائط إسرائيليّة، مهما كان وقعها، لن يغيّر الحقيقة الجيوسياسيّة الأساسيّة: الجولان أرض سوريّة، والسيطرة العسكريّة مؤقّتة.
الجولان… الأرض التي لا تُقايَض
في لحظة فاصلة من تاريخ سوريا، حيث تتشابك السياسة مع الجغرافيا، ينبثق صوت الدولة ذاته عبر مندوبها في الأمم المتّحدة مُقاطعاً نظيره الإسرائيليّ ليعلن موقفاً واضحاً: السيادة قبل أيّ تفاوض، والأرض قبل أيّ تسوية مؤقّتة. ليست هذه المُفردات كلمات دبلوماسيّة تقليديّة، بل إعلان قوّة هادئة وشهادة على أنّ الدولة، على الرغم من انتقالها السياسيّ وتعقيدات محيطها الإقليميّ، تعرف حدودها وحقوقها بدقّة.
ليس ما يجري اليوم بين سوريا وإسرائيل في ما يتّصل بما يُسمّى “الحدود النهائيّة” إعادة رسم خطوط أو تحديث خرائط، بل صراع على معنى السياسة نفسها: من يملك الحقّ؟ ومن يفرض الوقائع؟ ومن يقرّر معنى السيادة في المنطقة؟
لم يكن ما قاله المندوب السوريّ في الأمم المُتّحدة يكتفي بالدفاع عن موقف الدولة، بل يُصحّح مغالطة إسرائيليّة طويلة الأمد: تحويل الوقائع العسكريّة المؤقّتة إلى حدود سياسيّة دائمة. لكنّ الدولة السوريّة الآن تقول شيئاً واحداً وبوضوح: لا تفاوض على الحقيقة، بل تفاوض على إدارة النزاع بما يحفظ الحقّ ويمنع تزوير الوقائع.
في هذا الصدد، تبرز قوّة النصّ السوريّ: القدرة على استخدام لغة ضبط النفس والدبلوماسيّة لإظهار السيادة، وفي الوقت نفسه تثبيت موقف ثابت تجاه الاحتلال الإسرائيليّ. لا يعطي هذا الموقف الدولة السوريّة نفوذاً دبلوماسيّاً فحسب، بل يحفظ لها مكانة قويّة في أيّ مفاوضات مستقبليّة، ويضع إسرائيل أمام حقيقة واحدة: الأرض لا تُقايَض، والسيادة لا تُلغى بالوقت أو بالتهديد العسكريّ.
الجولان… أرض سوريّة والسّيادة فوق السّيطرة العسكريّة
يُعدّ تفكيك الخطاب السوريّ لمحاولة إسرائيل تحويل الاحتلال إلى نزاع مُقنّع أبرز عناصر قوّته. شدّد المندوب السوريّ على أنّ “قضيّة الجولان ليست نزاعاً على السيادة، لأنّ الجولان أرض سوريّة، والسيطرة العسكريّة لا تعني السيادة”. تلخّص هذه العبارة الفرق الجوهريّ بين القوّة والسيادة: تسمح القوّة بالإدارة، وتحدِّد السيادةُ الشرعيّةَ والحقوق. إذا سمحت القوّة بالإدارة لكنّها لا تصنع شرعيّة، ولا تبني قبولاً شعبيّاً أو دوليّاً، بينما السيادة ترتكز على الحقّ والتاريخ والاعتراف والقانون الدوليّ.
حاولت إسرائيل، عبر عقود من الاحتلال، تقديم السيطرة العسكريّة كواقع قانونيّ أو سياسيّ مقبول، لكنّها اصطدمت بحقيقة ثابتة: لا تُحتلّ الأرض بالزمن وحده، والشعوب لا تُقنَع بسيادة مؤقّتة أو محتلّة. ليس الجولان مرتفعات استراتيجيّة وحسب، بل رمز للصراع على الحقّ والشرعيّة الوطنيّة. أيّ حديث عن “حدود نهائيّة” قبل استعادة الأرض هو حديث خارج الواقع السياسيّ، وتكرار لمغالطة طويلة الأمد.
يوضح الخطاب السوريّ أنّ النقاش يجب أن يبقى في إطار السيادة الوطنيّة، وأنّ أيّ محاولات إسرائيليّة لتحويل السيطرة العسكريّة إلى واقع دائم مرفوضة. تفاوض الدولة السوريّة لـ”إدارة النزاع”، وليس للتنازل عن الحقّ أو قبول أيّ احتلال مُقنّع، وهو ما يجعل هذا النصّ أقوى من بيان سياسيّ تقليديّ. إنّه إعادة بناء للمعادلة السياديّة على الأرض.
خطّ الفصل ليس حدوداً… بل اعتراف مؤجَّل بالاحتلال
الموقف السوريّ واضح: فتح الحوار وضبط النفس ليسا تنازلاً، بل إدارة واعية للصراع من موقع القوّة والسيادة، وهو ما يمنح الدولة السوريّة ثقلها السياسيّ في أيّ تفاوض محتمل، ويكشف هشاشة الاستراتيجية الإسرائيليّة القائمة على الفصل والتجزئة.
تقوم المقاربة الإسرائيليّة تاريخيّاً على خلط متعمَّد بين السيطرة والسيادة. تتصرّف إسرائيل وكأنّ الزمن كفيل بتحويل الاحتلال إلى ملكيّة، وكأنّ التفوّق العسكريّ يمكنه، وحده، إنتاج شرعيّة سياسيّة. غير أنّ مداخلة المندوب السوريّ تقطع مع هذا الوهم، لأنّ الجولان، ببساطة، “أرض سوريّة، والسيطرة العسكريّة لا تعني السيادة”.
بهذه الجملة، تعيد سوريا تعريف إطار النقاش من جذوره. يفترض النزاع التباساً في الملكيّة، أو تنازعاً بين حقوق متقابلة. أمّا في حالة الجولان، فالأمر لا يتعلّق بنزاع، بل باحتلال واضح المعالم، مثبت قانونيّاً، ومرفوض دوليّاً. ليس بريئاً إصرارُ إسرائيل على توصيف القضيّة بوصفها “نزاعاً حدوديّاً”، بل هو محاولة لنقلها من خانة الاحتلال إلى خانة التفاوض المفتوح، حيث يمكن استنزاف الحقّ تحت ضغط الوقائع.
ليس الجولان، بهذا المعنى، مساحة جغرافيّة ذات أهميّة استراتيجيّة وحسب، بل عقدة سياديّة تكشف حدود القوّة الإسرائيليّة نفسها. بعد أكثر من نصف قرن على احتلاله، لا تزال إسرائيل عاجزة عن تحويل السيطرة العسكريّة إلى قبول سياسيّ سوريّ أو عربيّ أو دوليّ. يجعل هذا الفشل البنيويّ أيّ حديث عن “حدود نهائيّة” حديثاً سابقاً لأوانه، إن لم يكن منفصلاً عن الواقع.
الدبلوماسيّة السّوريّة: إدارة النّزاع لا تنازل
تصوغ لحظةً مفصليّةً عبارةُ المندوب السوريّ “لا يمكن أن يُفسَّر فتح باب الدبلوماسيّة والحوار وضبط النفس الذي نظهره على أنّه تنازل أو ضعف”. تعكس قدرة سوريا على الفصل بين السياسة والاحتلال، بين التفاوض على إدارة النزاع وحماية الحقوق وبين التنازل عن الأرض.
“الأرض مقابل السّلام”… ولا حدود مع الاحتلال
تحاول إسرائيل تجاوز معادلة “الأرض مقابل السلام” عبر صيغ رماديّة مثل “الأمن مقابل الأمن” أو “الهدوء مقابل الهدوء”، لكنّها مؤقّتة وهشّة. لا يُقاس السلام الحقيقيّ بالهدوء أو الخطوط المؤقّتة، بل بعدالة الحلّ واستدامته.
يعيد الموقف السوريّ المعادلة إلى مركز النقاش: لا سلام بلا أرض، ولا اعتراف بلا سيادة، ولا استقرار طويل الأمد فوق احتلال مؤقّت. يضع تأكيد سوريا لعدم المساومة في استعادة الأرض حدوداً واضحة لأيّ مفاوضة. ليست أيّ خرائط أمنيّة أو خطوط فصل ممدّدة حلّاً حقيقياً بل إدارة مؤجّلة للصراع. يثبت التاريخ والجغرافيا أنّ الحقّ لا يُلغى بممارسات القوّة، وأنّ الشعوب، مهما أُنهكت، لن تقبل بسيادة مؤقّتة أو محتلّة.
الحال هذه، تكشف المفاوضات السوريّة ـ الإسرائيليّة عن صراع بين تصوّرين للسلام: نموذج إسرائيليّ يعتمد الجدران والمناطق العازلة، ونموذج سوريّ يربط السلام باستعادة الأرض والسيادة. التاريخ والجغرافيا يؤكّدان أنّ النموذج الثاني فقط قابل للحياة.
أيمن حزيني -اساس
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|