سلام في الجنوب: هل بدأت الدولة فعلاً بإعادة الإعمار؟
لم يعتد اللبنانيون أن يُفتح ملف إعادة الإعمار بوصفه حقًّا وطنيًا أو أولوية إنسانية، بل كأداة سياسية تُستخرج من الأدراج، كلما اقترب أي استحقاق انتخابي. فهل تأتي جولة رئيس الحكومة نوّاف سلام في الجنوب، خارج سياق الانتخابات النيابية المقرّرة في 10 أيّار المقبل؟ وهل يمكن فصلها عن تاريخ طويل من الوعود التي قُطعت للجنوب، ثم سقطت عند أول اختبار تنفيذي؟! ويبرز هنا السؤال الأكثر إحراجًا: هل بدأت الحكومة فعلًا مسار إعادة الجنوب، رغم وجود الاحتلال "الإسرائيلي"، والاعتداءات المستمرة على حياة الجنوبيين، وتدمير أي حفّارة تسعى إلى تحسين وضع ما على الأرض؟ أم أنّ الإعمار عاد مجددا ليُستخدم كورقة سياسية لتهدئة الشارع الجنوبي وحصد نقاط انتخابية؟ وهل من ضمانات أنّ الجنوب لن يُترك مرة أخرى وحيدا بعد انقضاء الموسم الانتخابي؟
تقول مصادر سياسية مطلعة إنّ الحكومة تضع مسألة إعادة إعمار الجنوب ضمن أولوياتها، وهي ملتزمة بها منذ اليوم الأول لتشكيلها. وقد بدأت بهذا المسار بموارد قليلة، حتى تمكّنت أخيرا من الحصول على بعض المساعدات والقروض، كشف عنها رئيس الحكومة نوّاف سلام خلال اليوم الأول من الجولة التفقدية التي يقوم بها في أقضية الجنوب، والتي رافقه فيها وزيرا الطاقة والمياه جو صدّي والتربية والتعليم العالي ريما كرامي، فضلًا عن مسؤولين من مجلس الجنوب ومجلس الإنماء والإعمار والهيئة العليا للإغاثة ووحدة إدارة الكوارث.
وشملت الجولة صور وبنت جبيل أمس السبت، على أن تستكمل اليوم الأحد إلى مرجعيون وحاصبيا والنبطية. وأكّد سلام خلالها على أنّ "الدولة حاضرة لدعم الأهالي وإعادة الإعمار.. وأنّ سيادتها لا تكون فقط ببسط الجيش سيطرته إنّما بإعمار ما تهدّم". وعقد سلام السبت سلسلة اجتماعات مع نواب المنطقة ورؤساء الاتحادات والبلديات، وقال: "أهل الجنوب لهم حقّ وطني لا يتجزأ… وجودنا هنا لتأكيد أنّ المتابعة ستكون مستمرة بالمحاسبة والمراقبة والتنفيذ". وأضاف: "التحديات كبيرة، لكن ذلك لن يجعلنا نتراجع… ولن ننتظر انتهاء الاحتلال والاعتداءات.. الدولة موجودة لتبقى، لا لتزور وترحل".
وشدّد على أنّ "همّنا الأول صون كرامة النازحين ودعم العائدين، ووضع تخطيط مدني لتعود القرى أفضل ممّا كانت"، مشيرا الى أنّ الحكومة تعمل على ثلاثة محاور متكاملة: "استمرار الإغاثة، وإعادة الإعمار، وتوفير شروط التعافي والانماء الاقتصادي والاجتماعي".
وأعلن عن حزمة تمويلات جاهزة لمشاريع إعادة إعمار بتمويل من البنك الدولي، على شكل قروض ميسّرة بقيمة 250 مليون دولار، و75 مليون يورو من الوكالة الفرنسية للتنمية، و35 مليون يورو منح من الاتحاد الأوروبي وفرنسا والدنمارك، مع التركيز على الزراعة والتعاونيات الزراعية. وتأتي هذه التمويلات في سياق خطة شاملة تسعى الحكومة من خلالها إلى إعطاء دفع جديد لمسار إعادة الإعمار، على الرغم من التحديات اللوجستية والأمنية في الجنوب، وضرورة التنسيق مع السلطات المحلية لضمان التنفيذ الفعلي للمشاريع.
وإذ اعتذر من القرى والبلدات والناس التي لم يتمكّن من زيارتها، وعد سلام بالعودة قريبا لمتابعة التنفيذ على الأرض. واختتم جولته الجنوبية امس بقوله: "لن ننتظر استكمال الانسحاب الاسرائيلي لنبدأ بتجهيز البنى التحتية".
هذا وتبلغ كلفة المرحلة الأولى من إعادة الإعمار، بحسب المصادر المتابعة، 100 مليون دولار تشمل تأهيل البنى التحتية، وشبكات المياه والصرف الصحي والاتصالات والكهرباء والمدارس.
وتلفت المصادر السياسية إلى أنّه صُرف حتى الآن مبلغ 31 مليون دولار على شبكة الكهرباء، وتحتاج إلى 45 مليون دولار أيضا، لإعادة تأهيلها في الجنوب ككلّ. كما سيجري العمل على إعادة بناء وترميم المدارس التي تهدّمت في سائر أقضية الجنوب، في خطوة تهدف إلى تحسين جودة التعليم وضمان عودة الطلاب إلى بيئة تعليمية آمنة.
وفق تقديرات البنك الدولي، على ما توضح المصادر السياسية، تبلغ احتياجات لبنان لإعادة الإعمار والتعافي نحو 11 مليار دولار، تشمل الأضرار المباشرة في المساكن والبنى التحتية، فضلا عن الخسائر الإقتصادية الناتجة من تراجع الإنتاج والخدمات. وتشير الأرقام إلى أضرار مباشرة تُقدّر بنحو 6.8 مليارات دولار، مقابل خسائر اقتصادية غير مباشرة تصل إلى 7.2 مليارات دولار، ما يعكس حجم الفجوة بين الإمكانات المتاحة وحجم الدمار الفعلي، ولا سيما في الجنوب. هذا الرقم الكبير يوضح الصعوبات الهائلة التي تواجه الحكومة، ويبرز الحاجة الماسّة إلى دعم دولي منسّق لضمان تمويل مستدام، بعيدا عن الوعود الموسمية أو الاعتماد على المساعدات العاجلة فقط.
وعلى مستوى أوسع، تلفت المصادر المتابعة إلى أنّ المساعدات الدولية تُشكّل العمود الفقري لأي خطة تعافٍ لبنانية، فقد تجاوز حجم الدعم الذي قدّمه الاتحاد الأوروبي للبنان منذ العام 2015، 2.3 مليار يورو، شملت قطاعات التعليم والحماية الاجتماعية والبنى التحتية ودعم المجتمعات المضيفة. كما أقرّ البنك الدولي خلال العامين الأخيرين تمويلات إضافية للبنان تجاوزت 600 مليون دولار، شملت برامج للحماية الاجتماعية والتحوّل الرقمي، إلى جانب مشاريع مرتبطة بإعادة الإعمار. ومع ذلك، لا يزال الاتفاق الشامل مع صندوق النقد الدولي معلقا، إذ تصطدم المفاوضات مع الشروط الإصلاحية التي لم تُنفذ بعد، وأبرزها إصلاح القطاع المصرفي وضبط المالية العامة وتعزيز الشفافية، ما يحدّ من قدرة الدولة على استقطاب تمويل مستدام وكبير الحجم.
وسياسيا، ترى المصادر المطلعة أنّه لا يمكن فصل جولة سلام الجنوبية عن سياق الاستحقاق الانتخابي، إذ تبدو الحكومة معنية بإظهار أن الدولة انتقلت من مرحلة إدارة الانهيار إلى مرحلة التخطيط للتعافي، ولو بخطوات أولية. ورغم تصريحات رئيس الحكومة التي أكدت على المتابعة المستمرة وتحسين الخدمات، إلا أنّ الشكوك تبقى قائمة لدى شريحة واسعة من اللبنانيين، الذين اعتادوا أن يتقدّم ملف الإعمار إلى الواجهة كلما اقترب استحقاق انتخابي، قبل أن يتراجع مجددا أمام التعقيدات السياسية والإدارية.
أمّا على مستوى الجنوبيين، فإن أي ترجمة فعلية للتمويلات المعلنة قد تفتح الباب أمام تحسين تدريجي في الخدمات، وتخفيف النزوح الداخلي، وخلق فرص عمل مؤقتة في قطاعات الإعمار والزراعة. غير أنّ هذه الآمال تبقى مشروطة بعوامل عديدة خارج سيطرة الحكومة، أبرزها استمرار الاعتداءات "الإسرائيلية"، وضعف القدرة التنفيذية للدولة، وخطر تسييس مشاريع الإعمار أو ربطها بالزبائنية السياسية، ما قد يؤدي إلى تأجيل بعض المشاريع أو تقليص تأثيرها في الأرض.
في ظلّ هذا المشهد، تبدو زيارة سلام اختبارا حقيقيا لصدقية الدولة في الجنوب، وفق المصادر المتابعة، إذ إنها لا تقتصر على تقديم وعود رمزية، بل تتطلّب آليات تنفيذ واضحة، جدولاً زمنياً محدداً، وخططاً وطنية متكاملة. فالجنوب، كما لبنان بأسره، لم يعد يحتمل إعمارا مؤجلا أو وعودا موسمية، بل يحتاج إلى قرارات تنفيذية حاسمة تعيد بناء القرى المدمّرة، وتعزز الثقة بالدولة بعد سنوات من الإهمال والتأجيل.
دوللي بشعلاني- الديار
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|