التيار الوطني الحر والمزايدة على أولياء الدم.. سقوط الخيارات قبل سقوط الخطاب
ليس ما يمرّ به التيار الوطني الحر اليوم أزمة عابرة في الشعبية، ولا مجرّد سوء تفاهم مع حليف الأمس. ما نراه هو سقوط كامل لخيارات استراتيجية بُني عليها مشروع سياسي ادّعى أنه "تصحيحي"، فإذا به يتحوّل إلى نموذج في التناقض والانقلاب على الذات.
منذ توقيع التفاهم مع حزب الله عام 2006، اختار التيار التموضع في قلب محور الممانعة. لم يكن الأمر تفصيلاً تكتيكياً، بل خياراً وجودياً أعاد رسم هويته السياسية. يومها، قدّم التيار الغطاء المسيحي الأوسع لسلاح الحزب، وذهب بعيداً في الدفاع عنه في الداخل والخارج، مقابل شراكة في السلطة وحصص وازنة في الحكومات والإدارات.
على مدى سنوات، لم يكن التيار مهمّشاً ولا محاصَراً. حكم بأغلبية سياسية لم تتح لغيره منذ الطائف. كان له رئيس جمهورية، وكتلة نيابية كبيرة، ووزارات سيادية وخدماتية، وتحالف متين مع قوة مسلّحة وازنة. ما توافر له من نفوذ لم يكن متاحاً لأي فريق آخر. وبالتالي، فإن حجة "ما خلونا" تسقط أمام الوقائع: لقد حكموا، وقرّروا، وسمّوا، وغطّوا.
اليوم، بعد الانهيار المالي والسياسي، وبعد تبدّل موازين القوى، يخرج التيار بخطاب جديد ينتقد سلاح الحزب ويدعو إلى إعادة النظر في الخيارات السابقة. لكن السؤال البديهي: أين كان هذا الوعي حين كان التيار رأس الحربة في تبرير بقاء السلاح خارج إطار الدولة؟ كيف يمكن لتيار كان الغطاء المسيحي الوحيد لهذا السلاح أن يتحوّل فجأة إلى ناقد له، من دون مراجعة صريحة ومسؤولة تعترف بالدور الذي لعبه؟
المشكلة ليست في تغيير الموقف بحد ذاته. السياسة ليست فن التحوّل حين تقتضي المصلحة الشخصية، بل الوطنية. لكن التحوّل من دون اعتراف، ومن دون محاسبة ذاتية، ومن دون تحمّل كلفة الخيارات السابقة، يتحوّل إلى محاولة هروب إلى الأمام. لا يمكن شطب عقدٍ ونصف من التحالف بكلمة، ولا غسل اليدين من نتائج خيار استراتيجي كان التيار شريكاً كاملاً فيه.
الأخطر أن التيار لا يملك اليوم رفاهية التبرير. فهو لم يكن “شريكاً صغيراً” في محور الممانعة، بل أحد أعمدته السياسية في الداخل. استفاد انتخابياً من هذا التموضع، وحصد مقاعد نيابية عزّزتها أصوات الحليف وتنظيمه. هذا الرصيد الذي أمّن له كتلة وازنة هو نفسه الذي سيتآكل اليوم مع تبدّل التموضع. فمن بنى حضوره على تحالف محدّد لا يمكنه أن ينسحب منه من دون أن يدفع الثمن سياسياً وشعبياً.
إن سقوط الخطاب الحالي ليس سوى نتيجة طبيعية لسقوط الخيار الاستراتيجي السابق. حين تُبنى السياسة على رهانات خاطئة، لا يكفي تبديل العناوين لإنقاذ الصورة. المطلوب مراجعة عميقة تعترف بأن التحالف مع محور الممانعة لم يحمِ الدولة، ولم يُصلح النظام، ولم يمنع الانهيار. بل على العكس، أسهم في تكريس منطق الغلبة وتهميش المؤسسات.
التيار الوطني الحر أمام لحظة حقيقة: إما اعتراف واضح بمسؤولية المشاركة في المنظومة التي أوصلت البلاد إلى الانهيار، وإما استمرار في لعبة تبديل الأقنعة. أما محاولة الظهور اليوم بمظهر المعارض لسلاح كان هو غطاءه الأول، فهي ليست إلا دليلاً إضافياً على أن الأزمة أعمق من خطاب، إنها أزمة خيارات سقطت، ومعها سقطت صدقيتها.
خلاصة القول، المراجعة شجاعة، أما القفز فوق الماضي فسقوط جديد. وعشية الذكرى الحادية والعشرين لاغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، لا يستطيع التيار أن يزايد في ملف السلاح على أحزاب وأولياء شهداء ثورة الأرز، الذين اغتالهم هذا السلاح فيما كان هو يومها المدافع الشرس عنه والغطاء السياسي له.
زخيا زغيب - Kataeb.org
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|