بري والحريري: "شعرة معاوية" في زمن الاعتكاف
في دهاليز السياسة اللبنانية المعقدة، نادراً ما تصمد علاقة ثنائية أمام أعاصير التحولات الإقليمية، إلا أن العلاقة بين رئيس مجلس النواب نبيه بري والرئيس سعد الحريري بقيت تشكل "توازناً كيميائياً نادراً". هي علاقة تجاوزت حدود التحالف السياسي التقليدي لتصبح نوعاً من "الأمان السياسي" المتبادل، حيث يجد "الأستاذ" في "الشيخ" الشريك السني المعتدل القادر على تدوير الزوايا، ويجد الحريري في بري "ضابط إيقاع" وصمام أمان يحميه من تغوّل الخصوم وأحياناً من اندفاعات الحلفاء. طيلة العهود السابقة، اتسمت العلاقة بين "عين التينة" و"بيت الوسط" بمفردات وصفها البعض بـ "الكيمياء السيادية" وحرص بري دائماً على "إحاطة" الحريري بعناية خاصة، حتى في ذروة التصعيد السياسي الذي كان يشنّه "الثنائي الشيعي" ضد حكومات الحريري.
تؤكد المعطيات التاريخية أن بري، وفي أصعب المحطات التي كان يُطالب فيها الثنائي بحكومات وحدة وطنية أو يمارس ضغوطاً ميدانية وسياسية، كان يصر على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع الحريري. كان بري يشرح للحريري، ببراعة "العرّاب"، حيثيات موقف حركة أمل، ملمحاً في كثير من الأحيان إلى وجود تباين جوهري في الرؤية عن "حزب الله"، وموضحاً أن الظروف الإقليمية أو التحالفات الضاغطة هي التي تفرض عليه اتخاذ مواقف تصعيدية علنية، بينما يبقى القلب والنية مع بقاء الحريري في صدارة المشهد. لا يمكن الحديث عن هذه العلاقة دون استحضار المشهد الذي أعقب إفطار دار الفتوى، حين غادر الرئيسان معاً، واصطحب بري الحريري بسيارته الخاصة من دار الفتوى إلى عين التينة.
هذا المشهد لم يكن مجرد بروتوكول اجتماعي، بل كان "بياناً سياسياً" بالصورة، يؤكد أن بري هو الحاضن الأول للحريري في "الزمن الصعب".
بالعودة إلى الأرشيف والمواقف المعلنة، يذكر الجميع كيف كان بري يستميت في الدفاع عن الحريري خلال أزمة استقالته من الرياض في 2017، واصفاً إياه بـ "الابن الغالي" والشريك الذي لا بديل عنه. وفي بعض الاحيان وُصف بري بأنه "الخزان الاحتياطي" للحريرية السياسية، خصوصاً عندما حاول البعض شطبها من المعادلة الداخلية.
كان بري يعتبر أن "العهد الذهبي" للبنان يتجسد في "مثلث استقرار" يقوده هو من مجلس النواب، مع وصول سليمان فرنجية إلى سدة رئاسة الجمهورية، وسعد الحريري إلى رئاسة الحكومة. كان بري يطمح لأن يكون "عرّاب الترويكا" الجديدة التي تعيد للبنان توازنه المفقود. لكن، وكما يقال، "تجري الرياح بما لا تشتهي السفن"، إذ عاكست الظروف الإقليمية، وتحديداً التحولات "القاسية" في الموقف السعودي والاشتباك الإقليمي الكبير، هذه التمنيات، مما أدى إلى تعثر وصول فرنجية وانكفاء الحريري "المؤقت" عن الساحة.
اليوم، ومع عودة الحديث عن تسويات كبرى، يبدو بري الأكثر حرصاً على مستقبل الحريري السياسي. يسعى رئيس المجلس، من خلال قنواته، إلى "تليين" الموقف السعودي تجاه الحريري، متمنياً أن يُرفع "الفيتو" عنه ليعود كلاعب أساسي.
نصيحة بري للحريري اليوم تتسم بالواقعية السياسية المفرطة: "إما العودة من البوابة السعودية كحضن طبيعي وانطلاقة وحيدة، وإما البقاء خارج المنافسة السياسية في حالة حياد تام". يخشى بري أن ينخرط الحريري في أي محور آخر قد يحرقه سياسياً للأبد، ويفضل أن يبقى "الشيخ سعد" على
دكة الاحتياط، محافظاً على رمزيته، إلى حين نضوج تسوية كبرى تعيده إلى السرايا الحكومية "ملكاً" متوجاً برضا عربي ودولي.
إنها علاقة "الأب الروحي" بالتلميذ الذي نضجت تجاربه، علاقة يدرك فيها نبيه بري أن غياب الحريري هو غياب لـ "الاعتدال السني" الذي يحتاجه بري نفسه ليوازن به ثقل "الممانعة" في الداخل، وليبقي على شعرة معاوية مع العالم العربي.
ليبانون فايلز - علاء الخوري
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|