تقديرات استخبارية أميركية: الصين تطوّر جيلاً جديداً من الأسلحة النووية
لبنان عقدة الشرق الأوسط: من ساحة صراع إلى ركيزة توازن
في زمن إعادة رسم خرائط النفوذ في الشرق الأوسط، لم يعد لبنان مجرّد ساحة جانبية في صراع الآخرين، بل تحوّل إلى نقطة ارتكاز في معادلات الأمن والطاقة والسياسة الدولية. بلدٌ صغير بمساحته 10,452 كلم²، لكنه يتموضع عند تقاطع جغرافيّ بالغ الحساسية بين إسرائيل وسوريا وشرق المتوسط، حيث تمرّ خطوط الغاز وتتشابك حسابات الردع الإقليميّ. لهذا السبب، كلّما اهتز الإقليم، عاد لبنان إلى واجهة الاهتمام الدولي، لا بوصفه هامشًا، بل كعنصر مؤثر في ميزان الاستقرار.
منذ اندلاع حرب غزة في أكتوبر 2023، وضعت واشنطن الجبهة اللبنانية ضمن أولويّاتها لمنع توسّع النزاع. بيانات وزارة الخارجية الأميركية شدّدت مرارًا على ضرورة الالتزام بالقرار 1701 الصادر عن مجلس الأمن الدولي عام 2006، والذي ينصّ على وقف الأعمال العدائيّة وبسط سلطة الدولة جنوب الليطاني. بالنسبة إلى الإدارة الأميركية، أي هندسة أمنية لما بعد غزة لن تكون قابلة للحياة إذا بقي الجنوب اللبناني قابلًا للاشتعال. لبنان هنا ليس تفصيلًا، بل ضلعًا أساسيًا في معادلة الردع ومنع الانفجار الشامل.
هذا الحضور الأميركي تواكب مع حراك تقوده "اللجنة الخماسية" (الولايات المتحدة، فرنسا، السعودية، مصر وقطر)، التي كثفت اجتماعاتها لمواكبة المسار اللبناني، تمهيدًا لاجتماعات في القاهرة ومؤتمر دعم الجيش في باريس. أهميّة هذا المسار تتجاوز البعد المالي. فالدعم الموعود للمؤسسة العسكرية لا يهدف فقط إلى سدّ فجوات لوجستية، بل إلى تثبيت مفهوم حصرية السلاح وتعزيز احتكار الدولة المشروع للقوّة. ووفق تقارير الأمم المتحدة، يبقى الجيش اللبناني المؤسسة الأكثر ثقة لدى المواطنين، ما يجعله الركيزة الواقعية لأيّ إعادة بناء للدولة.
أوروبيًا، يتقدّم الجنوب إلى واجهة الاهتمام مع استمرار مهمة قوات الأمم المتحدة الموقتة في لبنان (اليونيفيل)، التي تضمّ أكثر من 10,000 عنصر من نحو 40 دولة. النقاش الدائر حول مستقبل التفويض يعكس قلقًا أوروبيًا من أي فراغ أمني قد ينعكس مباشرة على أمن المتوسط. زيارة الرئيس الألماني فرانك-فالتر شتاينماير إلى بيروت جاءت في هذا السياق، حيث طُرحت سبل تعزيز قدرات الدولة اللبنانية وضمان استمرارية الاستقرار، سواء عبر المظلّة الأمميّة أو من خلال صيغ دعم ثنائية مكمّلة.
البعد الطاقوي يضيف طبقة استراتيجية جديدة إلى المعادلة. اتفاق ترسيم الحدود البحرية عام 2022 فتح الباب أمام التنقيب في البلوك 9 بقيادة توتال إنرجيز. ووفق تقديرات الوكالة الدولية للطاقة، يشكّل شرق المتوسط أحد البدائل المحتملة لتعزيز أمن الطاقة الأوروبي بعد الحرب الأوكرانية. هذا يعني أن الاستقرار اللبناني لم يعد شأنًا محليًا، بل عنصرًا في معادلة العرض والطلب العالمية.
غير أن أهمّية لبنان الجيوسياسية لا تُترجم تلقائيًا مكاسب وطنية. هنا يكمن التحدّي الحقيقي. فالمجتمع الدولي، سواء عبر المؤتمرات أو المبادرات، يربط دعمه بإصلاحات ملموسة: إعادة هيكلة القطاع المصرفي، انتظام المالية العامة، استقلال القضاء، وتعزيز الشفافية. أي دعم للجيش أو للاستقرار الأمني سيبقى ناقصًا ما لم يترافق مع إصلاح اقتصادي يعيد الثقة ويُطلق عجلة الاستثمار. الاستقرار ليس غاية بحدّ ذاته، بل شرطًا لإعادة بناء الاقتصاد واستعادة النموّ.
لبنان اليوم أمام لحظة مفصليّة. العالم منشغل به لأنه يدرك أن سقوطه في الفوضى سيُربك الإقليم، وأن استقراره سيعزز توازناته. لكن العالم نفسه ينتظر إشارة داخلية واضحة: قرار سياسي جامع بإعادة تثبيت الدولة كمرجعية وحيدة للسلاح والقرار السيادي. الفرصة قائمة، والدعم متاح، والاهتمام الدولي في ذروته. ما ينقص هو تحويل هذه اللحظة إلى مسار مستدام.
في المحصّلة، لبنان ليس مجرّد ساحة تتقاطع فوقها المصالح الدولية، بل عقدة توازن في شرق المتوسط. غير أن قيمة هذه العقدة لا تُقاس بحجم الانشغال العالمي بها، بل بقدرتها على استثمار هذا الانشغال في مشروع دولة فعلية. اللحظة الدولية الحالية قد لا تتكرّر قريبًا. وإمّا أن يتحوّل لبنان إلى ركيزة استقرار فاعلة في المعادلات الجديدة، أو يبقى رهينة معادلات تُرسم باسمه ولا تُصاغ بقراره.
جو رحال -نداء الوطن
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|