بميزانية دفاع تبلغ 1.5 تريليون دولار.. واشنطن تعلن بداية عصر "الردع المتعدد"
أظهرت رسائل الولايات المتحدة حول زيادة ميزانية الدفاع بشكل غير مسبوق عدة أبعاد استراتيجية وسياسية وعسكرية، موجَّهة بالدرجة الأولى إلى بكين وموسكو، وتؤكد لهما أن واشنطن لا تدخل مرحلة انكفاء، بل تسعى لتسريع سباق القوة.
وتتوجه رسائل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بهذه الميزانية أيضًا إلى حلفاء واشنطن في الناتو وآسيا، مفادها أن الولايات المتحدة ستبقى العمود الفقري للأمن الغربي، مع مطالبتهم بالمساهمة بشكل أكبر، كما تحمل الرسائل اعترافًا ضمنيًا بأن نموذج "حرب كبرى واحدة" لم يعد كافيًا، وأن الردع يجب أن يكون متعدد الاتجاهات ومتزامنًا.
واعتبر مراقبون، أن الحديث عن ميزانية تبلغ 1.5 تريليون دولار ليس مجرد قرار مالي، بل إعلان عن إعادة تموضع استراتيجي شامل، وعند ربط ترامب الزيادة الضخمة في الإنفاق العسكري بعائدات الرسوم الجمركية، فهو لا يخاطب الداخل الأمريكي فقط، بل يرسل إشارة للخارج.
وبحسب مراقبين، فإن هذه الرسالة مفادها أن الولايات المتحدة قادرة على تمويل تفوقها العسكري دون الارتهان لقيود العجز التقليدية، وأن واشنطن تستعيد استقلالها المالي لتأمين قرارها الاستراتيجي.
وأشاروا في تصريحات لـ"إرم نيوز"، أن هذه الميزانية "غير المسبوقة" تعني أن الولايات المتحدة تستعد لبيئة دولية متعددة المسارح والتحديات، لاسيما مع الصين في المحيطين الهندي والهادئ، وروسيا في أوروبا، إيران ووكلائها في الشرق الأوسط، إضافة إلى التهديدات السيبرانية والفضائية.
ويقول أستاذ العلوم السياسية بجامعة جورج واشنطن، الدكتور نبيل ميخائيل، إن ترامب طالب الكونغرس باعتماد حوالي تريليون دولار، كميزانية لوزارة الحرب السنة القادمة، في وقت بلغت المخصصات الأصلية 900 مليار دولار، وموضع النقاش يتعلق بـ 150 مليار دولار.
وأضاف ميخائيل في تصريحات لـ"إرم نيوز"، أن هذا المبلغ الإضافي أثار تساؤلات عدة، جاء بعضها على لسان بعض الأعضاء الديمقراطيين في الكونغرس، منهم آدم سميث الذي اعتبر أن هذه المخصصات مكافأة غير متوقعة للبنتاغون.
ويؤكد أن الزيادة قد تتمخض في تحديث الأسلحة النووية وترسانتها في الولايات المتحدة، ومنظومات الدفاع الجوي والصواريخ المضادة للطائرات، ودعم بعض البرامج الخاصة بالبحرية الأمريكية، مثل نشر "كروز مسلز" على عدة قوارب بحرية أمريكية، وبرامج اختزلها الرئيس السابق جو بايدن، ويعيد ترامب الآن إدراجها ضمن ميزانية وزارة الحرب.
وتساءل ميخائيل "عما إذا كان جميع أعضاء الكونغرس سيوافقون على هذه الميزانية الضخمة، أم ستكون هناك اعتراضات واستقطاعات؟!"، مؤكداً أن معارضة عدد من الجمهوريين للرئيس ترامب، سيحمل انعكاسات حول إدارته الحزب الجمهوري خلال ما تبقى من ولايته.
وبحسب ميخائيل، فأن لترامب بعداً سياسياً في هذا التوجه، يتمثل في شعار "أمريكا عظيمة مرة أخرى"، وتأتي زيادة ميزانية الدفاع في هذا الإطار حتى تكون الولايات المتحدة قوية دفاعياً ويرغب في هذا الصدد، أن تكون هناك مكافأة مجزية للعاملين في وزارة الحرب، سواء عسكريين أو مدنيين.
وذكر ميخائيل أن القوات المسلحة تمثل مجالاً وظيفياً لملايين الأمريكيين، وفي حال ارتفاع الرواتب نتيجة كبر حجم الميزانية، فإن الرئيس ترامب سيستطيع القول إن لديه جيشاً يمتلك عتاداً قوياً وقوة بشرية هائلة.
أوضح الباحث الاستراتيجي هشام معتضد في تصريحات لـ"إرم نيوز"، أن الإنفاق بهذا المستوى يهدف إلى تسريع التحول نحو حروب الجيل القادم، ما يتعلق بالذكاء الاصطناعي العسكري، وأنظمة الأسلحة فرط الصوتية، الدفاع الصاروخي متعدد الطبقات، والهيمنة في الفضاء.
وبين معتضد أن الرسالة هنا ليست عدد الفرق العسكرية، بل نوعية التفوق، في وقت تريد فيه واشنطن، أن تجعل كلفة التحدي التكنولوجي باهظة إلى حد يمنع الخصوم من اللحاق بها خلال عقدين على الأقل.
وأشار إلى أن الميزانية الضخمة تعني أيضاً إعادة تنشيط القاعدة الصناعية العسكرية، وهو عنصر حاسم بعد دروس الحرب في أوكرانيا التي كشفت محدودية مخزونات الذخائر الغربية مقارنة بوتيرة الاستهلاك الميداني.
واعتبر أن ميزانية دفاع غير مسبوقة ليست تعبيراً عن نزعة عسكرية بقدر ما هي إعلان عن عصر تنافسي طويل الأمد ومحاولة لإعادة تثبيت الهيمنة الأمريكية في لحظة انتقال دولي مضطربة، حيث لم يعد التفوق يُقاس فقط بحجم الاقتصاد، بل بقدرة الدولة على تحويل قوتها الاقتصادية إلى قدرة ردع مستدامة وسريعة التكيف.
ولفت معتضد إلى أن ربط التمويل بالرسوم الجمركية، يحمل بُعداً استراتيجياً آخر، وهو تحويل السياسة التجارية إلى أداة أمن قومي، حيث إن الرسوم ليست فقط وسيلة حماية اقتصادية، بل آلية لتمويل التفوق العسكري وخلق توازن جديد في العلاقات مع الحلفاء والخصوم على حد سواء.
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|