بالفيديو والخرائط - أضرار بالقواعد الاميركية نتيجة ضربات إيران
الاقتصاد العالمي في مهب الحرب على إيران
كتب العميد الدكتور غازي محمود :
الهجمات التي تشنها الولايات المتحدة الأميركية على الجمهورية الإسلامية في إيران، بالتكافل والتضامن مع إسرائيل، تهدد الاقتصاد العالمي وتدفع الأسواق إلى مواجهة أزمة جديدة مع تنامي المخاوف من توسع المواجهات وطول أمدها. خاصةً وأن هذه الهجمات تأتي بعد نحو ثمانية أشهر على المواجهات التي اندلعت بين إسرائيل وإيران، واختتمتها الولايات المتحدة بضرب منشآت نووية إيرانية في حينه.
وما يعزز هذه المخاوف هو أن تتطور هذه المواجهات إلى حرب مفتوحة لا تنتهي ضمن الإطار الزمني الذي أراده لها من أشعلها، وتضع معها الوضع الاقتصادي العالمي في مواجهة جميع الاحتمالات. ومن شأن ذلك أن يسرع من وتيرة تباطؤ الاقتصاد العالمي، نظرًا لما قد تسببه من انتكاسات في عدة قطاعات حيوية، وفي مقدمتها الطاقة والسياحة والطيران، فضلاً عن الارتفاع المتوقع في تكاليف التأمين والشحن.
نمو اقتصادي تحت التهديد
وخلال العام الماضي، تمكّن الاقتصاد العالمي من الحفاظ على قدر ملحوظ من النمو على الرغم من الحرب التجارية العالمية التي تسبب فيها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، من خلال الزيادات التي أقرها على التعرفات الجمركية، إضافةً إلى تهديده لاستقلالية مجلس الاحتياطي الفيدرالي وغيرها من الممارسات. وعلى الرغم من هذه الصدمات، واصل التضخم تراجعه، وسجلت أسواق الأسهم في أوروبا ومناطق أخرى من العالم مستويات قياسية جديدة، وفقًا لتقارير صحفية متخصصة.
غير أن هذا النمو في الاقتصاد العالمي قد لا يصمد طويلاً في مواجهة التطورات التي تسببها الهجمات الأميركية والإسرائيلية، والتي سرعان ما تحولت إلى صراع إقليمي مع استهداف إيران لبلدان الخليج العربي ومنشآتها الحيوية. وتوحي المؤشرات الميدانية بأن المواجهات العسكرية لا تزال في مراحلها الأولى، مما يجعل من المبكر جدًا تحديد مآلاتها على المدى المتوسط والبعيد.
مضيق هرمز وأسعار النفط والغاز
وتأتي محاولة إيران لإغلاق مضيق هرمز لتتسبب بتداعيات سلبية مباشرة على إمدادات الطاقة، وتعطيل حركة الملاحة البحرية، وإرباك سلاسل التوريد العالمية، مما يهدد بتباطؤ الاقتصاد العالمي جراء نقص مدخلات الإنتاج. ويترتب على ذلك انخفاض في معدلات إنتاج السلع، يقابله ارتفاع في أسعارها، الأمر الذي يدفع بمعدلات التضخم إلى مستويات أعلى.
وسيكون لإغلاق مضيق هرمز أمام حركة الملاحة البحرية تداعيات مباشرة على الدول المنتجة للنفط والغاز والمطلة على الخليج العربي، ولا سيما تلك التي لا تملك منافذ بديلة لتصدير إنتاجها سوى عبر هذا الممر البحري الحيوي. وتُعدُّ العراق وقطر والكويت من أكثر الدول المنتجة عرضةً للضرر الاقتصادي، لاعتمادها شبه الكامل على المضيق في تصدير نفطها وغازها، واللذان يُشكلان مصدرًا رئيسيًا لإيراداتها العامة.
والمفارقة أن إيران، التي تعمل على إغلاق المضيق كورقة ضغط جيوسياسية، ستكون بدورها من أبرز المتضررين اقتصاديًا من هذا الإجراء، إلى جانب شركائها التجاريين الرئيسيين، وفي مقدمتهم الصين، المستورد الأكبر لنفط المنطقة عامة والإيراني خاصةً.
وقد بدأت بوادر ارتفاع أسعار النفط والغاز منذ اليوم التالي لبدء المواجهات، حيث سجل برميل النفط نحو 80 دولارًا، وهو أمر متوقع نظرًا لمرور نحو خُمس إمدادات النفط العالمية عبر مضيق هرمز. وكان خام برنت قد ارتفع نحو 12 بالمئة ليبلغ نحو 73 دولارًا للبرميل خلال الشهر الماضي، نتيجة تزايد احتمالات اندلاع صراع بين الولايات المتحدة وإيران. ويُنذر استمرار إغلاق مضيق هرمز بإحداث صدمة كبيرة في أسعار النفط العالمية، وقد يدفع بها إلى ما يفوق الـ 100 دولار للبرميل، وفقًا لما يتوقعه خبراء.
كما أن أسواق الغاز الطبيعي ليست بمنأى عن تداعيات إغلاق مضيق هرمز أمام حركة الملاحة، والتصعيد العسكري الذي يستهدف المرافق الحيوية. وهنا لا بد من الإشارة إلى أن إعلان قطر عن وقف إنتاج الغاز المُسال أدى إلى ارتفاع أسعار الغاز في أوروبا بنسبة %45. وهذا من شأنه أن يفاقم الضغوط التضخمية على الاقتصادات العالمية، وخاصة الأوروبية التي تعتمد على واردات الغاز المُسال. كما قد يضعف نشاطها الصناعي ويرفع احتمالات تباطؤ النمو أو حتى الدخول في ركود.
في المقابل، فإن أسعار النفط مرشحة للارتفاع في الأسواق العالمية بمجرد توقف تصدير النفط الإيراني، وإن استمرت الملاحة عبر مضيق هرمز متاحة أمام السفن. خاصةً وأن إيران تحتل المركز السابع بين الدول المصدرة للنفط مع 1.66 مليون برميل يوميًا خلال عام 2025 بعد السعودية وروسيا والولايات المتحدة والعراق والامارات والبرازيل، ما لم تعمد الدول المنتجة الأخرى إلى تعويض التوقف بزيادة إنتاجها.
النمو العالمي ومخاطر التضخم
وتُعدّ الدول الآسيوية الأكثر عرضة للتضرر في حال تعطل حركة الملاحة في مضيق هرمز، وفي مقدمتها الصين، نظرًا لاعتمادها الكبير على واردات الطاقة من منطقة الخليج، خاصة النفط الإيراني. ووفقًا لبيانات (EIA) لعام 2024، فإن نحو %84 من صادرات النفط الخام والمُكثفات، وحوالي %83 من شحنات الغاز الطبيعي المُسال التي عبرت المضيق، كانت متجهة إلى الأسواق الآسيوية، وفي طليعتها الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية.
وتجدر الإشارة إلى أن عدم استقرار أسعار النفط يُشكّل عائقًا مباشرًا أمام النمو الاقتصادي المستدام، فكل ارتفاع مستجد في أسعار النفط بمقدار 10 دولارات للبرميل خلال سنة معينة، يمكن أن يُخفض معدلات النمو من 10 إلى 20 نقطة أساس خلال السنة التالية. وبالتالي، فإن أي ارتفاع مستدام في أسعار النفط سينعكس سلبًا على الاقتصاد العالمي.
خاتمة
وعليه، فإن استمرار الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران وعرقلة الملاحة الدولية عبر مضيق هرمز، لا تمثل أزمة إقليمية فحسب، بل صدمة اقتصادية عالمية. ذلك أن الاقتصاد العالمي لا يزال يعتمد بشكل كبير على تدفقات الطاقة من الخليج، وأي اضطراب في هذا الشريان الحيوي من شأنه أن ينعكس مباشرة على أمن الطاقة العالمي من ناحية والاقتصاد العالمي من ناحية أخرى.
كما قد يسهم في تصاعد معدلات التضخم على المستوى الدولي، واضطراب أسواق المال، وارتفاع كلفة الشحن والتأمين البحري، الأمر الذي من شأنه أن يحدّ من وتيرة النمو الاقتصادي العالمي، ويُفاقم حالة عدم اليقين في الاقتصاد الدولي. وفي عالم مترابط اقتصاديًا، قد تكون تكلفة الحرب على الصعيد الاقتصادي أعلى بكثير من تكلفة ميدان القتال نفسه.
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|