"لا تُحمّلوا الدولة".. سلام يحذّر: الانقسام الداخلي أخطر ما يخدم إسرائيل
القمار الإلكتروني مصدر تمويل بديل لـ "حزب الله"
شكلت الحرب الإسرائيلية الأخيرة بين 2023 و2024 على "حزب الله" ضربة مركبة أصابت جوهر قدرته على الاستمرار، سياسياً ومالياً وتنظيمياً، وبعدها أتت الحرب الحالية لتفاقم الوضع سوءاً وتدهوراً، وبخاصة على الصعيد المالي.
فالاستهداف الإسرائيلي المستمر منذ ثلاث سنوات تقريباً لم يقتصر على البنية العسكرية أو القيادات، بل طاول المنظومة التي مكنت الحزب لعقود من الصمود والتمدد، وهي منظومة التمويل، والارتباطات الإقليمية، ومسارات التهريب، واقتصاد الظل الذي كان ولا يزال بصورة كبيرة شرياناً موازياً للدولة اللبنانية.
وما بين الحربين، وجد الحزب نفسه أمام واقع جديد لم يختبره من قبل، وفيه تتزامن الضربات العسكرية مع انهيار بيئة إقليمية كانت تشكل عمقه الحيوي.
فالسقوط المفاجئ للنظام في سوريا مثل ضربة قاسية للبنية اللوجستية والاقتصادية للحزب، فدمشق التي شكلت لعقود حلقة الوصل بين طهران وبيروت، وممراً أساسياً للمال والسلاح، خرجت عملياً من المعادلة في الثامن من ديسمبر (كانون الأول) عام 2024 حين سقط النظام الحليف لطهران وللحزب.
ومع هذا التطور الجذري، تفكك الجسر البري الذي ربط إيران بالعراق فسوريا فلبنان، ومسارات التهريب التي كانت تعمل تحت مظلة أمنية وسياسية واسعة أقفلت أو خضعت لرقابة مشددة، مما أصاب الحزب في عمق قدرته على التعويض وإعادة التموضع والأهم تخطي الخسائر المتتالية.
وتفاقم هذا الواقع مع تصاعد الحرب الدولية والمحلية على تجارة المخدرات، ولا سيما الكبتاغون، التي شكلت في السنوات الأخيرة أحد أهم مصادر التمويل غير الشرعي للحزب وحلفائه، فالتضييق على شبكات التصدير، وتشديد الرقابة على الحدود اللبنانية – السورية، وتكثيف المراقبة على المنافذ البحرية والجوية، من مرفأ بيروت إلى مطار رفيق الحريري الدولي ومرفأ طرابلس، أدت إلى تجفيف تدريجي لمورد مالي كان يعوض جزءاً كبيراً من الخسائر، ناهيك بضبط الجيش اللبناني معامل عدة في لبنان لتصنيع هذه المادة الممنوعة، أحدها اعتبر الأكبر في منطقة الشرق الأوسط، وقد ضبطه الجيش اللبناني في منطقة اليمونة البقاعية، شرق لبنان، قبل أشهر.
الانفجار الصامت
في السياق، يقول الكاتب السياسي مروان الأمين إن الحزب يدرك جيداً أن التحدي الأخطر لم يعد عسكرياً. فالمواجهة مع إسرائيل، مهما كانت كلفتها، تبقى قابلة للتسويق سياسياً. أما المواجهة مع البيئة، فهي الأصعب، لأنها تتعلق بالعيش اليومي، وبالسكن، وبالأمان الاجتماعي، بخاصة في ظل اندلاع حرب جديدة، يبدو أنها لن تنتهي خلال وقت قريب.
ويضيف الأمين أن الحزب ومع اندلاع الحرب مرة أخرى يجد نفسه عاجزاً عن تأمين حاجات بيئته المشردة، مما جعله أكثر ميلاً إلى إبقاء الجنوب تحت عنوان "الاستهداف" و"المواجهة". فاستمرار التوتر يؤجل لحظة الحساب، فيما خروج إسرائيل الكامل وبدء مرحلة "ما بعد الحرب" سيضع الحزب أمام أسئلة داخلية لا يمكن الهرب منها.
وفي شهادات عديدة لمواطنين من جنوب لبنان، يقولون بوضوح إن "ما أصاب القرى لا يشبه أية حرب سابقة"، وإن الإفراغ السكاني الواسع لم يحدث حتى في أشد المواجهات السابقة. الأخطر، وفق هذه الشهادات، أن غياب أي بصيص أمل بالإعمار يجعل الغضب يتراكم بصمت، في بيئة اعتادت الصبر، لكنها تواجه اليوم واقعاً غير مسبوق.
انهيار المسارات التقليدية
لم تأت الأزمة المالية للحزب من عامل واحد، بل من تراكب عوامل إقليمية ودولية. فسنوات طويلة من الاعتماد على مسارات تمويل غير خاضعة للدولة جعلت الحزب عرضة لأي تغيير في موازين القوى، ومع "حرب الإسناد" عام 2023 سقطت عملياً المحظورات التي كانت تحيط بهذه المسارات.
داخل العاصمة بيروت، لم يعد مطار رفيق الحريري الدولي متاحاً، كما في مراحل سابقة، لنقل الأموال بطريقة غير شرعية، إذا تم ضبطه أمنياً بصورة كبيرة، وإن ليس بصورة تامة تماماً، لكن الوضع اختلف عما كان عليه سابقاً، والحزب لم يعد يتعامل مع هذا المرفق الحيوي التابع للدولة، على أنه مقر خاص به ويسيطر عليه.
ثم جاءت الضربة الأكبر مع سقوط النظام السوري السابق، وتدمير الجسر البري الذي كان يربط طهران ببغداد فدمشق فبيروت. هذا الجسر، وفق تقديرات أميركية سابقة، كان يتيح إدخال عشرات ملايين الدولارات شهرياً إلى خزائن الحزب.
ويجمع خبراء عسكريون على أن "حزب الله" خسر طريق الإمداد عبر سوريا، لكن هذه الخسارة ليست تفصيلاً عسكرياً فقط، بل مالية أيضاً، ومعها خسرت إيران نفسها مشروعها الإقليمي بسقوط دمشق.
في المقابل، بقي نقل الأموال من إيران إلى العراق أقل تعقيداً، لكن العقدة بدأت من العراق إلى سوريا. فالمعابر الرسمية تخضع لرقابة أميركية مشددة، والمعابر غير الشرعية تحلق فوقها مسيرات مستعدة لتنفيذ ضربات فورية، وفق ما تؤكده تقارير صحافية، غربية ومحلية عدة.
أرقام تقصم الظهر
تقديرات البنك الدولي صدرت بعد حرب الإسناد الأولى عام 2023، أشارت إلى أن الخسائر الإجمالية للحرب الأخيرة بلغت نحو 10 مليارات دولار، منها ما بين 4.5 و5 مليارات أضرار مباشرة بالممتلكات، ونحو 5.5 مليار أضرار غير مباشرة بالاقتصاد الوطني، فيما تشير تقديرات أخرى إلى أن كلفة إعادة إعمار الجنوب وحده، حيث ثقل "حزب الله" الشعبي، قد تصل إلى 6 مليارات دولار.
هذه الأرقام لا تقرأ بمعزل عن الواقع اليومي وعن حقيقة أن حرباً جديدة قد اندلعت قبل أسبوعين في لبنان، فهي تعني مئات آلاف النازحين الذين يحتاجون إلى بدلات سكن شهرية وتعويضات، وإعادة بناء بيوت مدمرة، وبنى تحتية، وشبكات كهرباء ومياه، وطرق، إضافة إلى أكثر من 300 آلية تضررت خلال الحرب، وهي آليات كانت تستخدم في أعمال الإعمار، مما يزيد الكلفة ويعقد العملية.
وسط هذا الواقع، يبرز سؤال السيولة كعامل حاسم، فالحزب يحتاج اليوم إلى مئات ملايين الدولارات فقط لتأمين بدلات السكن وتعويضات أولية، في وقت تبدو فيه مصادر التمويل التقليدية شبه مقفلة.
اختناق مزدوج
هكذا، وجد "حزب الله" نفسه أمام اختناق مزدوج، حرب عسكرية استنزفت قدراته، وسلسلة ضربات سياسية وأمنية واقتصادية أطاحت بشبكة تمويله الإقليمية. وفي ظل عجزه عن إعادة إعمار ما تهدم، وتأمين الحد الأدنى من حاجات بيئته الاجتماعية مع تفجر الحرب الجديدة في الثاني من مارس (آذار) الجاري، بات البحث عن مصادر بديلة للمال ضرورة وجودية لا خياراً وترفاً.
من هنا، بدأ يتكشف تدريجاً تطوير الحزب لمسارات رديفة كانت قائمة لسنوات طويلة إلى جانب المسارات الأخرى، لكنها باتت اليوم أكثر خطورة وتعقيداً ضمن اقتصاد الظل، وفي مقدمها ألعاب الميسر الإلكترونية غير الشرعية، كأحد أشكال التمويل البديل في مرحلة ما بعد الانهيار، وهو ما تحدثت عنه تقارير محلية لبنانية عدة قبل فترة، وقمنا بدورها بالتحري أكثر عنها.
اقتصاد الكاش
أمام انسداد المسارات التقليدية، عاد "اقتصاد الكاش" ليشكل العمود الفقري للتمويل. وهو اقتصاد خارج النظام المصرفي، لا يخضع للرقابة، ولا يترك أثراً ضريبياً، ويشكل بيئة مثالية لغسل الأموال وتمويل التنظيمات المسلحة، فيما تشكل ألعاب الميسر الاكترونية خياراً مناسباً لهذا الاقتصاد غير الشرعي.
يؤكد خبراء اقتصاديون أن "اقتصاد الكاش هو عنوان تبييض الأموال"، إذ إن أية عملية تجارية لا تمر عبر القطاع المصرفي تعتبر عملياً خارج الإطار الشرعي للدولة، لأن السلطات لا تستطيع معرفة مصدر الأموال، ولا وجهة استخدامها، ولا حجم التداول الحقيقي.
لكن أخطر ما في اقتصاد الكاش في لبنان لا يقتصر على كونه نتيجة لانهيار المصارف، قبل نحو سبع سنوات، بل في تحوله إلى بنية مالية موازية متكاملة، تتغذى من شبكات تهرب ضريبي، وتبييض أموال، وتحتمي بغطاء سياسي وأمني وقضائي. وفي هذا السياق، يشكل القمار الإلكتروني غير الشرعي أحد أكثر أدوات هذا الاقتصاد تطوراً وخطورة.
فالقمار غير الشرعي لا يدر أرباحاً فقط، بل يستخدم كآلية متقدمة لتبييض الأموال، عبر إدخال أموال نقدية أو رقمية مجهولة المصدر، ثم إخراجها لاحقاً على أنها "أرباح قمار". بهذه الطريقة، تتحول أموال غير مشروعة إلى أموال تبدو، شكلياً، ناتجة من نشاط ترفيهي، في غياب أية سلطة رقابية قادرة على التدقيق.
وتشير مصادر مطلعة إلى أن استمرار هذه الشبكات لا يمكن أن يتم من دون دعم أو تغطية من نافذين داخل الدولة، فشبكات ألعاب الميسر غير الشرعي تحتاج إلى حماية متعددة المستويات، وهي تقنية وأمنية وقضائية وسياسية.
وفي حالات موثقة، جرى توقيف أصحاب مواقع غير شرعية، آخرها في الضاحية الجنوبية لبيروت في ديسمبر الماضي، وقد وصفته قوى الأمن الداخلي في بيانها بأنه أحد أخطر مديري شبكات ألعاب الميسر والمراهنات غير الشرعية في لبنان.
لكن مصادر أمنية تكشف عن أن جزءاً كبيراً ممن يتم توقيفهم في هذه الملفات يخلى سبيلهم سريعاً بعد توقيع تعهدات، ليعودوا للعمل بضغط من جهات نافذة.
القمار الإلكتروني
تؤكد الباحثة الأولى في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى حنين غدار، في حديث لـ"اندبندنت عربية"، أن ملف القمار الإلكتروني غير الشرعي لم يعد تفصيلاً تقنياً، بل بات جزءاً من الاستراتيجية المالية البديلة التي يحاول "حزب الله" تطويرها بعد تضييق الخناق على قنواته التقليدية.
وتشرح غدار أن واشنطن لاحظت خلال السنوات الأخيرة انتقال الحزب من الاعتماد على المسارات الكلاسيكية لنقل الأموال إلى استخدام أدوات رقمية ومنصات إلكترونية غير خاضعة للرقابة، مضيفة "القمار غير الشرعي يوفر بيئة مثالية لهذا الغرض، لأنه يجمع بين حجم تداول مرتفع، وصعوبة التتبع، وغياب أية متطلبات جدية للتحقق من هوية المستخدمين أو مصادر أموالهم".
وبحسب غدار، فإن ما يقلق الجهات الأميركية ليس فقط وجود هذه المواقع، بل "الأسلوب العنكبوتي" الذي تدار من خلاله العمليات. فالأموال تمر عبر أطراف عدة، تشمل لاعبين في الخارج، وعملاء محليين، ومنصات إلكترونية، وسطاء تحويل، وأحياناً عملات رقمية، وهذه البنية تجعل التتبع معقداً، لكنها لا تجعله مستحيلاً.
وتشير إلى أن التحقيقات الأميركية كشفت عن روابط بين بعض هذه المنصات وشبكات معروفة سابقاً بتمويل الحزب، سواء عبر تبييض الأموال أو عبر السوق السوداء. ولا تعني هذه الروابط دائماً ملكية مباشرة، بل قد تكون شراكات غير معلنة، أو حماية سياسية وأمنية في مقابل حصص مالية، وفق تعبيرها.
وتلفت غدار إلى أن واشنطن مصرة على تجفيف منابع تمويل الحزب الذي يستغل السوق السوداء في كل المجالات، ومن بينها القمار غير الشرعي، سواء لتمويل نفسه أم لإيصال أموال عبر الفضاء الإلكتروني إلى داخل لبنان من إيران. وتؤكد أن الحزب يعيش ورطة مالية كشفت عنها تصريحات أمين عامه نعيم قاسم، قبل أشهر حين تحدث عن تخصيص بدل الإيواء لثلاثة أشهر فقط، فيما كانت البيئة تتوقع دعماً أكبر على مدار سنتين من النزوح والدمار.
وفي السياق نسأل الباحث في "الدولية للمعلومات" عن عدد مواقع القمار غير الشرعي على الشبكة العنكبوتية، فيؤكد أنه من الصعب إحصاء الرقم بالتحديد، على اعتبار أنه بصورة مستمرة يتم إقفال بعضها وفتح أخرى، لكن الرقم التقريبي في مراحل مختلفة كان نحو 450 موقعاً للقمار غير الشرعي الإلكتروني في لبنان.
خطر بنيوي
من زاوية اقتصادية، تحذر الباحثة محاسن مرسل من مقاربة ملف القمار الإلكتروني غير الشرعي بوصفه قضية أمنية فقط، فبرأيها الخطر الحقيقي يكمن في تداعياته البنيوية على الاقتصاد اللبناني ككل، وتشرح أن هذه السوق تضعف الاقتصاد الشرعي عبر حرمان الدولة من الضرائب والرسوم، وتشويه المنافسة، وإدخال أموال مجهولة المصدر إلى الدورة الاقتصادية. وتضيف أن اعتماد القمار غير الشرعي على اقتصاد الكاش يجعل حجم التداول الحقيقي غير معروف، ويقوض أية محاولة لإعادة تنظيم الاقتصاد.
وتحذر مرسل من أن انتقال لبنان من "اللائحة الرمادية" إلى "اللائحة السوداء" بسبب هذه الممارسات سيكون كارثياً، إذ سيشل التحويلات الخارجية ويصعب تعامل المصارف المراسلة مع لبنان. وتلفت إلى أن انعكاسات ذلك ستصيب المواطنين مباشرة، من تحويلات المغتربين إلى استيراد الأدوية والمواد الصناعية وتعليم الطلاب في الخارج.
وتنتقد مرسل ما تعتبره خللاً في أولويات الدولة، التي فتحت ملفات المنصات الشرعية بدل إقفال السوق السوداء، على رغم امتلاكها أدوات تقنية وقانونية مثل أنظمة DPI، وتعني "الفحص العميق لأنظمة البيانات" والتعاون مع مزودي خدمات الإنترنت، لكنها تفتقر إلى القرار السياسي الحاسم.
السوق السوداء
تكشف مصادر خاصة لـ"اندبندنت عربية" عن أن "حزب الله" دخل في أساس سوق السوداء للقمار الإلكتروني غير الشرعي، إما بصورة مباشرة أو عبر نظام "الخوات" (فرض رسوم غير شرعية)، وتشرح هذه المصادر آلية العمل، وفق التالي:
يوظف الحزب مواقع قمار غير شرعية تعمل عبر شبكة "عملاء" موزعين داخل لبنان وخارجه، في العراق وسوريا وتركيا وأفريقيا، إذ يمتلك نفوذاً واسعاً، ومهمة هؤلاء العملاء استقطاب لاعبين يضعون أموالهم "افتراضياً" من خلال العملات الرقمية، أو عبر شركات تحويل أموال، من دون أية رقابة، وفق مبدأ "اعرف عميلك"، مما يجعل مصدر الأموال مجهولاً. يلعب هؤلاء ويخسرون، إذ إن الخسارة في القمار أكبر من الربح، بخاصة في السوق السوداء. وعندما يخسر اللاعبون أموالهم، يحصل الحزب بصورة مباشرة على المبلغ كاملاً إذا كان مالكاً للموقع، أو على حصة منه في مقابل تأمين حماية سياسية وأمنية وقضائية لهذا الموقع غير الشرعي ومالكيه.
وتضيف المصادر أن هناك طريقة أخرى شائعة، عبر رجالات "واجهة" يمتلكون مواقع قمار غير شرعية في أفريقيا ولبنان، تدر مئات ملايين الدولارات خارج أية رقابة مالية، وتذهب عائداتها مباشرة إلى الحزب.
المجهر الأميركي
في هذا السياق، نقلت مصادر سياسية أن السيناتور الأميركي الجمهوري ليندسي غراهام أبلغ نواباً لبنانيين خلال زيارته في صيف 2025 أن واشنطن تمتلك معلومات عن وصول شحنات أموال بملايين الدولارات إلى "حزب الله"، وأنها حريصة على معرفة كيفية تهريبها.
وقبل ذلك، نقلت صحيفة "الشرق الأوسط" رواية مفادها بأن مسؤولاً عراقياً بارزاً تلقى رسالة من إيران أواخر أغسطس (آب) 2025 تطلب تسهيلات "غير عادية" في معبر رسمي غرب البلاد لنقل شحنات أموال إلى الحزب عبر سوريا. غير أن مصادر متقاطعة تؤكد أن تعقيدات أمنية وسياسية تحول اليوم دون قدرة إيران على التأثير في المعابر الرسمية بين العراق وسوريا، على رغم رصد محاولات تهريب متفرقة نفذ بعضها عبر شبكات مهربين.
في المقابل، يرى كثيرون أن تراجع قدرات الحزب سياسياً وعسكرياً في السنوات الماضية غير الواقع إلى حد كبير، وباتت السلطات الأمنية قادرة أكثر من أي وقت مضى، عند اتخاد القرار سياسياً، على مكافحة السوق السوداء.
وينظر إلى إجراءات مكافحة القمار غير الشرعي على أنها مؤشر إلى جدية أمنية في مواكبة مسار يهدد بتقويض السيادة المالية للدولة، وفي واشنطن، كما تؤكد مصادر متعددة، ينظر إلى أي تهاون رسمي في هذا الملف بوصفه شراكة في تمويل "حزب الله"، وهي شراكة قد تفتح الباب أمام عقوبات يسهل فرضها، ويصعب رفعها.
منصة الدولة
في لبنان، هناك منصة رسمية تابعة لكازينو لبنان لتأمين القمار الإلكتروني شرعياً، وهي منصة "بيت أرابيا"، وهي تعد المنصة الإلكترونية الشرعية الوحيدة المرخصة من الدولة اللبنانية في مجال المراهنات والألعاب، وتعمل ضمن إطار قانوني واضح يفرض عليها الامتثال لمعايير محلية ودولية صارمة في مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب. في المقابل تعمل السوق السوداء للقمار الإلكتروني خارج أي التزام مماثل، مستفيدة من غياب الرقابة الفعلية، فيما تواجه المنصة الشرعية صعوبة مزدوجة، أولاً لأنها مقيدة بالمعايير، فتخسر تلقائياً جزءاً من "الزبائن" الذين يفضلون منصات بلا ضوابط ولا أسئلة عن مصدر الأموال، ثانياً لأن المنافس غير الشرعي لا يكتفي بتقديم "خدمات" خارج القانون، بل يمتلك قدرة على تعطيل مسار التنظيم عبر الضغط السياسي أو عبر تضليل النقاش العام، وإغراقه في معارك جانبية بدلاً من مواجهة جوهر المشكلة، أي إقفال السوق السوداء.
والمنصة الشرعية تمثل قناة إيرادات للدولة اللبنانية، إذ ينعكس نشاطها على الخزانة عبر رسوم وضرائب ومداخيل قانونية مباشرة وغير مباشرة، فضلاً عن أنها تتيح للدولة، للمرة النادرة في هذا القطاع، قابلية تتبع الأموال وتوثيق العمليات، بدلاً من ترك مئات ملايين الدولارات تتحرك في الظل من دون أي أثر مالي أو ضريبي.
"حزب الله" وحق الرد
يقول أبناء بيئة "حزب الله" إن ربط الحزب بمسألة القمار غير الشرعي الكترونيا ً ما هو إلا حملة إعلامية تستهدفه بخاصة في هذه المرحلة الصعبة. وتؤكد مصادر مقربة منه أن ما يُطرح يندرج ضمن "حملة سياسية وإعلامية ممنهجة" تهدف إلى ربط الحزب بأي نشاط غير شرعي في لبنان، من دون تقديم أدلة موثقة أو معطيات قابلة للتحقق.
وتشير هذه المصادر إلى أن الحديث عن اعتماد الحزب على "القمار الإلكتروني" كمصدر تمويل هو استنتاج مبني على تحليلات سياسية لا على وقائع مالية مثبتة، معتبرة أن هذا النوع من الاتهامات يتكرر منذ سنوات في سياق الضغوط الدولية، ولا سيما الأميركية، لتجفيف مصادر تمويل الحزب عبر تضخيم أي نشاط اقتصادي خارج المنظومة الرسمية وربطه به بشكل مباشر.
"اندبندنت عربية" حاولت التواصل مع أكثر من شخصية من داخل "حزب الله" للحصول على رد على الاتهامات الواردة في هذا التحقيق، من دون أن تلقى رداً.
المصدر: اندبندنت عربية
الكاتب: طوني بولس
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|