لبنان خارج أجندة الاهتمام الأميركي.. وأي مبادرة لا تحظى بقبول واشنطن تسقط
في الوقت الذي يتجه فيه الوضع في المنطقة الى مزيد من التعقيد بفعل الحرب بين الولايات الاميركية واسرائيل من جهة وايران من جهة ثانية، يتراجع الملف اللبناني إلى مرتبة متدنية في سلم أولويات واشنطن، بفعل تسارع التحولات الكبرى المرتبطة بالصراع مع إيران وممرات الطاقة الحيوية في المنطقة. هذا التراجع لا يقتصر على غياب المبادرات الأميركية المباشرة، بل يتعداه إلى ما هو أبعد، إعادة تعريف موقع لبنان ضمن خريطة الاشتباك الإقليمي، بما ينعكس مباشرة على مسار الحرب الدائرة بين لبنان وإسرائيل، وعلى فرص احتوائها أو إنهائها في المدى المنظور.
من المعلوم ان المقاربة الأميركية الجديدة، في ظل إدارة الرئيس دونالد ترامب، تنطلق من أولوية واضحة: تركيز الجهد السياسي والعسكري على مواجهة إيران، سواء عبر أدوات الردع المباشر أو عبر إدارة الاشتباكات في نقاط النفوذ الممتدة من الخليج إلى شرق المتوسط. ضمن هذا السياق، لا يبدو لبنان سوى ساحة فرعية في صراع أكبر، ما يعني عملياً أن أي تحرك دبلوماسي لا يحظى بغطاء أميركي فعلي سيبقى محدود التأثير، مهما بلغت ديناميكيته أو زخمه.
هذا الواقع يضع المبادرة الفرنسية في رأي مصادر سياسية لبنانية أمام تحديات جدية، فباريس، التي تسعى إلى لعب دور الوسيط بين لبنان وإسرائيل لوقف الحرب، تدرك أن قدرتها على إحداث خرق فعلي تبقى رهناً بموقف واشنطن. فالتاريخ القريب يثبت أن أي تسوية في هذا النوع من النزاعات لا يمكن أن تبصر النور من دون موافقة أميركية ضمنية على الأقل، إن لم تكن رعاية مباشرة، وبالتالي، فإن غياب الحماسة الأميركية، أو حتى الاكتفاء بموقف المراقب، يفرغ الجهد الفرنسي من عناصر القوة اللازمة لفرض إيقاع تفاوضي فعّال.
في المقابل، لا تبدو إسرائيل في عجلة من أمرها للذهاب إلى تسوية سريعة، فطالما أن الضغوط الدولية محدودة، والغطاء الأميركي قائم ولو بشكل غير مباشر، فإن خيار مواصلة العمليات العسكرية يبقى مطروحاً، خصوصاً إذا كانت القيادة الإسرائيلية ترى في استمرار الضغط الميداني وسيلة لتحسين شروط التفاوض لاحقاً، وهنا تتقاطع الحسابات الإسرائيلية مع الأولويات الأميركية، حيث يُترك هامش واسع لإدارة التصعيد ضمن سقوف محسوبة، من دون الانزلاق إلى حرب شاملة قد تفرض تدخلاً دولياً واسعاً.
أما على المستوى اللبناني، فتقول المصادر:إن تعقيدات المشهد الداخلي تزيد من صعوبة التعاطي مع هذا الواقع، فلبنان، المثقل بأزماته الاقتصادية والسياسية، يجد نفسه في موقع المتلقي لتداعيات صراع لا يملك أدوات التأثير المباشر في مساره، وفي ظل غياب دعم دولي حاسم، تتراجع فرص الضغط لفرض وقف إطلاق النار، فيما تتزايد المخاوف من تحوّل المواجهة إلى استنزاف طويل الأمد، يفاقم من هشاشة الوضع الداخلي.
والأهم من ذلك تضيف المصادر، أن فصل الملف اللبناني عن مسار العلاقة الأميركية–الإيرانية يحمل دلالات استراتيجية عميقة، ففي مراحل سابقة، كان لبنان غالباً جزءاً من سلة التفاهمات أو التوترات بين واشنطن وطهران. أما اليوم، فيبدو أن هذا الربط لم يعد قائماً بالشكل ذاته، ما يعني أن أي تهدئة أو تصعيد في لبنان لن يكون بالضرورة انعكاساً مباشراً لمسار المفاوضات أو المواجهة بين الطرفين، وهذا الفصل يضع لبنان في موقع أكثر خطورة، إذ يُفقده إحدى القنوات غير المباشرة التي كانت تتيح احتواء التصعيد ضمن توازنات أوسع.
من هنا تبرز فرضية التصعيد كخيار مرجّح في المرحلة المقبلة، فغياب الضغوط الدولية الفاعلة، وتضارب الأولويات الإقليمية، واعتبارات الميدان، كلها عوامل تدفع نحو استمرار الحرب وإن ضمن حدود معينة، من دون الوصول إلى تسوية شاملة أو انفجار كبير. إلا أن هذه المعادلة تبقى هشة بطبيعتها، إذ يكفي خطأ في الحسابات أو تطور ميداني غير متوقع لتغيير قواعد اللعبة بشكل جذري.
وحيال ما تقدم يبدو لبنان اليوم عالقاً بين تصاعد التوتر الإقليمي الذي يرفع منسوب المخاطر، ومن جهة أخرى، تراجع الاهتمام الدولي الذي يقلّص فرص الاحتواء. وبين هذين العاملين، تتضاءل قدرة المبادرات الدبلوماسية على تحقيق اختراقات حقيقية، ما لم يحدث تحول في الموقف الأميركي يعيد إدراج لبنان ضمن أولويات السياسة الخارجية.
وحتى ذلك الحين، سيبقى المشهد مفتوحاً على احتمالات متعددة، تتراوح بين استمرار الاستنزاف، وبين انفلات غير محسوب قد يدفع الى بعثرة اوراق المنطقة برمتها. وفي كلا الحالين، يدفع لبنان كلفة موقعه الجغرافي والسياسي، في انتظار لحظة إقليمية مختلفة تعيد خلط الأوراق وتفتح نافذة للحلول.
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|