في قرى الجنوب: ممثل البابا ينزل عن المنبر… ويصعد إلى وجع الناس
"لا تكن محبتنا بالكلام أو باللسان، بل بالعمل والحق" (1 يوحنا 3: 18)
ليست آية تُقرأ… بل مشهد يُرى.
مشهدٌ افتقدناه طويلًا، حتى كدنا نظنّه لم يعد موجودًا.
في قرى الجنوب اللبناني، حيث الخوف يوميّ، والبقاء قرار شجاع، يطلّ نموذج مختلف، لا ليُمدح فقط، بل ليوقظ سؤالًا في داخل كل من يعنيه الأمر:
فلنتّعظ… أو فليتعظ من يجب أن يقوم بهذا الدور، دون أن ينتظر من يذكّره به.
السفير البابوي، أو القاصد الرسولي، هو أعلى سلطة كنسية تمثّل البابا في بلدٍ ما. لكن ما يقدّمه المونسنيور باولو بورجيا في لبنان يتجاوز المنصب والدور الرسمي، ليصل إلى جوهر الرسالة المسيحية نفسها.
فهو لا ينقل كلمة البابا فقط، بل يحملها إلى الناس… ويمشي بها بينهم.
في القرى الحدودية، القليعة، مرجعيون، كوكبا...، لا يحضر كضيفٍ رسمي، ولا كصورةٍ إعلامية. يحضر كإنسان. يجلس مع الأهالي الذين اختاروا البقاء رغم التهديد، يصغي، يواسي، ويشاركهم ثقل الأيام. وجوده هناك ليس تفصيلًا، بل دعمٌ معنوي عميق، في لحظة يحتاج فيها الإنسان إلى من يثبت له أنه ليس متروكًا.
هو، بهذا المعنى، لا يمثّل البابا فقط… بل يعكس صورة أعمق:
صورة المسيح الذي لم يبقَ بعيدًا، بل نزل إلى الناس، وسار بينهم، وخدمهم.
وهنا، لا تبقى الصورة رمزية.
نراه يحمل صناديق المياه بيديه. يعمل كأي متطوع. بلا حواجز، بلا استعراض، بلا أي شعور بالفوقية. حتى كلماته تختصر نهجًا كاملًا:
"اترك التصوير وتعال ساعدنا، لا تضيع الوقت."
في هذه الجملة وحدها، يسقط الكثير من الزيف.
لكن أهمية هذا المشهد لا تقف عند شخصه فقط، بل في ما يكشفه لنا نحن.
هذا المقال ليس فقط لتوجيه الشكر، بل لتسليط الضوء على الدور الحقيقي الذي يجب أن يتميّز به المسيحي الحقيقي.
فإذا كان هذا هو النموذج عندما يكون الإنسان ممثلًا لقداسة البابا، فما هو المطلوب من كل واحدٍ منا؟
الجواب واضح… وربما موجع.
المسيحية ليست لقبًا، ولا موقعًا، ولا مظهرًا.
هي حضور، مبادرة، وخدمة.
هي أن تتحرّك لأنك تشعر… لا لأن أحدًا طلب منك.
وخاصة في لبنان، حيث ترسّخت مع الوقت صورة مختلفة لرجل الدين:
صورة الشخص البعيد، الذي لا يمكن الوصول إليه، المحاط بالمرافقين، والسيارات الفخمة، والمظاهر التي صنعت مسافة بينه وبين الناس.
صورةٌ اعتدناها… حتى ظنناها القاعدة.
لكن ما نراه هنا ينسف هذه الصورة بالكامل.
نرى رجلًا متواضعًا، لا يكترث بالمظاهر، لا يبحث عن الكاميرا، ولا يحيط نفسه بحواجز. يتحرّك ببساطة، يعمل بصمت، ويمدّ يده كأي إنسان. كأنّه يقول بالفعل، لا بالكلام:
القيمة ليست في الموقع… بل في القرب.
وإلى جانب هذا الحضور، لا يبقى العمل معنويًا فقط، بل يمتد ليشمل دعمًا فعليًا للقرى الحدودية، حيث الحاجة أكبر، والوصول أصعب. فيتحوّل الحضور إلى فعل، والتضامن إلى مساعدة ملموسة.
وفي ظل الألم الذي تعيشه بعض الرعايا، خاصة بعد فقدان خادم رعية مار جرجس القليعة الأب ببار الراعي، يكتسب هذا الدور بُعدًا أعمق.
هو ليس مجرد زيارة… بل مرافقة.
ليس مجرد تضامن… بل التزام.
وليس دور السفير البابوي مقصورًا على الوجود الميداني فحسب، بل يمتد ليكون حلقة وصل حقيقية بين الفاتيكان ولبنان. وقد لعب المونسنيور باولو بورجيا دورًا بارزًا في تهيئة الظروف والإعداد لزيارة البابا إلى لبنان، وخاصة محطته الروحية في مقام القديس شربل في عنايا. لن ننسى هذا الدور التاريخي الذي هيأه للسماح بهذه اللحظة الوطنية والروحية الهامة، واليوم يبرز مجدّدًا بدور مهم على الأرض، بين الناس، في القرى الحدودية، حيث الحاجة أكبر والدعم المعنوي أشد تأثيرًا.
وهنا تعود الرسالة الأقوى:
أنّ من هو في موقع مسؤولية، مدعو لأن يتحرّك من ذاته، لا أن ينتظر من يذكّره.
فالوجود على الأرض، وتكراره، هو الدعم الحقيقي.
أما الكلام… فيبقى كلامًا.
ما يقوم به السفير البابوي اليوم ليس تفصيلًا عابرًا، بل درسٌ واضح:
هكذا يكون الإيمان.
وهكذا تكون الخدمة.
وهكذا تكون الكنيسة… عندما تكون قريبة من الناس.
فلنتّعظ.
لا بالتنظير… بل بالفعل.
لا بالصورة… بل بالحقيقة.
وشكرًا للمونسنيور باولو بورجيا،
لأنه لم يكتفِ بأن يمثّل رسالة… بل عاشها.
بولا ابي حنا- نداء الوطن
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|