"معراب 3" يبرئ العدو: جعجع يبقى جعجع!
يُجيد سمير جعجع التقاط «لحظات الفتنة» التي يصنعها بنفسه، ليصبّ زيتَه على نارٍ أشعلها بنفسه. هي حرفة أتقنها منذ أكثر من أربعة عقود، وحفظ مفردات قاموسها عن ظهر قلب. من هنا، بدا «لقاء معراب 3» طبيعياً في توقيته ولغته الانقسامية، بعدما دعت «القوات اللبنانية» من سمّتهم «الجبهة السيادية» إلى مؤتمر عُقد أول من أمس في معراب، لترويج سردية مفصولة عن الواقع، اختصرها جعجع بعنوان «حرب حزب الله وإسرائيل».
وكعادته، سعى جعجع إلى تقديم نفسه «زعيم الجبهة»، جالساً في صدر المشهد، يلتفّ حوله من يفترض أنهم «شركاؤه» من «إمّعات» لا حول ولا قوّة شعبيّة لهم، والذين اصطفوا إلى جانب ساكن معراب كـ«ديكور» طائفي من دون أن يكون لهم رأي أو تدخّل في المواقف التي صدرت في البيان الختامي الذي بدا انعكاساً مباشراً لرؤية معراب وحدها.
يشعر قائد «القوات» اليوم بأنّ هذه اللحظة التي انتظرها منذ نصف قرن ليستوي على العرش، بعدما لعب «صولد» في رهانه على العدو الإسرائيلي لحصد مكاسبٍ سياسيّة، تُحيله ليكون المرجعيّة السياسيّة الأولى في «دولة التطبيع» التي يتمناها.
ولذلك، يتصرّف جعجع على إيقاع «نصرٍ» يراه متحققاً، مستنداً إلى بيانات العدو وإلى أحلام يقظته. الرجل الذي لم يستفد من دروس التاريخ الذي لم يقرأ فيه، ومن أخطائه التاريخية، ومن جرائم الحرب التي ارتكبها، يعتبر أنّ عهده الحقيقي قد بدأ. وعليه، قرّر الدّعوة إلى «معراب 3»، وأرسل فريق عمله إلى المدعوّين «مذكّرات إحضار» عبر «واتساب» تحت عنوان «إنقاذ لبنان»، وصاغ البيان الختامي من دون نقاشٍ مع المدعوّين، ما أثار حفيظة بعضهم ودفعه للتغيّب عن الاجتماع.
أدّى ذلك إلى حضورٍ باهت، حاولت «القوات» تعويضه بوجوه من الصفوف الخلفية، عبر توجيه دعوات إلى شخصيات مغمورة من صحافيين وناشطين. في حين سعى النائبان فؤاد مخزومي وأشرف ريفي، ومعهما الناشط صالح المشنوق، رغم خفّة تمثيلهم الشعبي، إلى تأمين «غطاء سنّي» للقاء. فتموضع مخزومي وريفي إلى يمين جعجع ويساره، فيما حلّ المشنوق محل النائب وضاح الصادق، الذي كان قد تلا البيان الختامي في النسخة السابقة للقاء قبل عامين، فيما تغيّب هذه المرّة، إلى جانب عدد من النواب السابقين ممن يعدون قريبين من حلقة جعجع.
وفي هذا الإطار، علمت «الأخبار» أنّ السفارة السعودية لم تكن متحمّسة لانعقاد اللقاء، فامتنعت عن توفير أي غطاء سنّي له، وهو ما انعكس بغياب الشخصيات المحسوبة عليها، بل وبانتقاد بعضهم له علناً. في المقابل، تصرّف جعجع كأنّه غير معنيّ بالتشاور مع الرياض في خطوة من هذا النوع، مستنداً إلى ما يراه غطاءً بديلاً يوفّره الدعم الأميركي - الإسرائيلي.
وإذا كانت معراب قد وجدت، بصعوبة، ضالّتها في شخصيات لا تمثّل الشارع السنّي، فإن الأمر بدا أكثر تعذّراً في الشارعين الشيعي والدرزي، حيث غاب التمثيل كلياً، إلا إذا أُريد احتساب الصحافي علي حمادة في هذا الإطار. أما الحضور المسيحي، فجاء دون مستوى التوقعات، مع غياب غالبية النواب الحزبيين والمستقلين، باستثناء بعض من يدورون في فلك معراب، مع حضور كتائبي خجول، فيما غاب رئيس الحزب النائب سامي الجميّل، رغم تلقيه اتصالاً من النائبة ستريدا جعجع تدعوه فيه إلى المشاركة على رأس وفد نيابي.
«عدوان» حزب الله ضد إسرائيل!
في البيان الختامي، قرّرت معراب تبرئة العدو الإسرائيلي من كل ارتكاباته وجرائمه بحق اللبنانيّين واعتداءاته على الأراضي اللبنانيّة، إذ لم يتضمن البيان أي «شبهة» إدانة لجيش الاحتلال، واستُبدل ذلك بلغة تعبئة وتحريض ضد حزب الله، وهي اللغة التي أرادها جعجع أن تكون العنوان الأساس للقاء.
وهذا الأمر ليس مستغرباً على قائد «القوات» الذي يرى في ما يقوم به حزب الله «عدواناً» ويشيح بنظره عن جرائم العدو. وبلغت وضاعة المجتمعين حدّ الدعوة إلى إنشاء محكمة خاصة لملاحقة لبنانيين بتهمة إدخال البلاد في الحرب، متجاهلين أطماع الكيان في احتلال الجنوب، في مفارقة أخلاقية صارخة، يضع فيها جعجع وحلفاؤه لبنان في موقع الاتهام، فيما يُعفى العدو من أي مساءلة.
جعجع، الذي يتباهى بخطاب السيادة، طالب في بيانه بقوات دوليّة تحت الفصل السابع للانتشار في لبنان، مع تغييب الدولة عن تحمّل تبعات إعادة الإعمار، أو حتى تحميل مسؤولية الاعتداءات لإسرائيل، مطالباً بأن تدفع إيران هذه التكاليف مع تعويض الخسائر الاقتصاديّة.
هكذا، يقدّم جعجع للعدو هدية مجانية على طبق من ذهب، محرّضاً على المقاومة ومعطياً غطاءً شرعياً للاحتلال ليواصل جرائمه بحق اللبنانيين بعدما أزال الاعتبارات القانونية والأخلاقية للعدوان، في محاولة للإطلالة على المشهد اللبناني من ثمانينات القرن الماضي. إذ إن جعجع يبقى جعجع!
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|