حرب إسرائيل وإيران في لبنان: هل يقبل ترامب بصفقة تنقذ "حزب الله"؟
بات جليًا، بعد انقضاء أربعة أسابيع على الحرب الإسرائيلية الجديدة ضد “حزب الله”، أن الأخير، الذي هو من جرّ لبنان إلى هذه الحرب، ماضٍ قدمًا فيها غير آبه بالخسائر الفادحة التي مُنيت بها البلاد والعباد، ولا سيما شيعة لبنان. وتفيد معلومات ديبلوماسية أن الحرب الدائرة، التي زجّ “حزب الله” لبنان بها في الثاني من آذار الجاري بقرار إيراني، ستستمر بمثل هذا القرار إلى أن يتم التوصل إلى اتفاق بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران كي تتوقف الحرب بين الطرفين. وانطلاقًا من هذه المعطيات الديبلوماسية، تروّج ماكينة الدعاية في الحزب أن طهران لن تتخلى عن “حزب الله” في المفاوضات المرتقبة بين واشنطن وطهران، ضمن معادلة “لبنان مقابل إسرائيل”، على حد تعبير إحدى وسائل إعلام “حزب الله” اليوم. إلى ماذا تشير هذه المعطيات في عمق ما تشهده المنطقة من أحداث صاخبة؟
هواجس الصفقة: هل يُمنح الحزب طوق نجاة جديد؟
يتوجس كثيرون في لبنان من أن تكون هناك صفقة أميركية إيرانية تمنح “حزب الله” طوق النجاة للصعود من الهاوية التي اندفع إليها بقرار من مشغّله الإيراني. ويخشى هؤلاء المتوجسون من أن يوظف “حزب الله” هذه الصفقة لتجديد نفوذه في لبنان والذهاب إلى مرحلة تشبه مرحلة 7 أيار عام 2008، عندما نفّذ الحزب وحلفاؤه انقلابًا أمنيًا بتواطؤ داخلي وإقليمي انتهى إلى اتفاق الدوحة الشهير، ما جعل “حزب الله” يتحكم، منذ ذلك التاريخ، بدعم مكشوف من النظام الإيراني، بمفاصل السلطة في لبنان.
ولم تتراخَ قبضة “حزب الله” الثقيلة على لبنان، بإسناد كامل من إيران، إلا بسبب الحرب الإسرائيلية عام 2024، حيث اغتالت إسرائيل الأمين العام السابق للحزب حسن نصرالله، وتم إبرام اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل في 27 تشرين الثاني من ذلك العام. وقد منح هذا الاتفاق لبنان فسحة من الوقت الحالي من الضغط الذي يمارسه “حزب الله”، كالمعتاد، على كل المستويات الداخلية، ما أتاح، وللمرة الأولى ومنذ عقود، انتخاب رئيس جديد للجمهورية، وكذلك انتخاب رئيس جديد للحكومة، وتشكيل حكومة خارج تأثير الحزب وحلفائه. ولكن، وبحسب البروباغاندا الإعلامية للحزب، هناك أفق لعودة الأخير إلى ممارسة نفوذه كما كان الحال قبل عام 2024.
إسرائيل أيضًا تتوجس: ماذا لو أوقف ترامب الحرب؟
ولا تبدو مثل هذه الهواجس مقتصرة على فريق لبناني معيّن، بل ظهر أن هناك في إسرائيل من يراوده الحذر على هذا الصعيد. فقد كتب إيال زيسر، في صحيفة “إسرائيل اليوم” العبرية، الأحد الماضي، مقالًا أمس تحت عنوان: “لقادة إسرائيل: عليكم اجتثاث “حزب الله” قبل أمر ترامب”، وجاء في المقال:
«إشارة ترامب الضوئية تلمع. لم يتبقَّ سوى الانتظار لنرى إذا ما كان سيظهر الضوء الأخضر، وتسارع الولايات المتحدة، في أعقابه، في حربها ضد إيران، وتفتح مضيق هرمز بالقوة، وتحتل جزيرة “خرج” التي تصدر إيران نفطها من خلالها؛ أو ربما يظهر الضوء الأحمر الذي يجلب نهاية الحرب باتفاق يضمن استمرار حكم نظام آية الله في طهران.
الواضح أن ترامب والإيرانيين سيسارعون إلى الإعلان عن النصر مع نهاية الحرب. سيتباهى نظام طهران بأنه نجا من محاولة الولايات المتحدة وإسرائيل لإسقاطه، ويتعهد بمواصلة طريقه لتحقيق أهدافه، وعلى رأسها إبادة إسرائيل.
أما الرئيس ترامب، فسيبرز الإنجازات العسكرية، وعلى رأسها الضربة القاسية لقدرات إيران العسكرية، وتعزيز مكانته كزعيم متصدر في العالم لا يرغب أحد في التورط معه. كل ما يتبقى لنا هو أن نتأكد من أن الاتفاق مع إيران، إذا ما تحقق، سيضمن أيضًا المصالح الإسرائيلية التي من أجلها خرجنا إلى الحرب.
لكن لمن نسي، نذكر بأن إسرائيل ما زالت في حرب على الحدود الشمالية، ضد “حزب الله”. هذه الحرب، حتى لو كانت متنوعة، بدأت مع بدء المعركة في إيران وترتبط بها ارتباطًا وثيقًا.
ليس مفاجئًا أن إيران ضمّت، ضمن مطالبها التي رفعتها إلى ترامب لإنهاء القتال، مطلب وقف القتال في لبنان أيضًا، ولا يُستبعد على الإطلاق أن يستجيب ترامب لهذا الطلب.
مشكوك أن أحدًا ما عندنا يعطي الرأي في مثل هذه الإمكانية، التي قد تمنح “حزب الله” إنجازًا دراماتيكيًا سيسارع إلى استغلاله كي يعزز مكانته في لبنان ويرمم قدراته حيَالنا.
الحرب في لبنان تتواصل منذ ثلاثة أسابيع، ولا يعرف سكان الشمال نهارًا أو ليلًا. حياتهم في ظل صافرات لا تتوقف، ورشقات صواريخ ومُسيّرات أصبحت لا تُطاق. قررت الحكومة ألا تُخليهم من بيوتهم، لكنها لم تتكبد أيضًا عناء تزويدهم بوسائل تحصين، وأخطر – لا تعمل بتصميم كي تزيل عنهم تهديد “حزب الله”.
المعركة التي تجري اليوم في الشمال دليل على خطئنا الاستراتيجي حين وافقنا على وقف النار في تشرين الثاني 2024، وبذلك منحنا “حزب الله” حبل نجاة تمكّن التنظيم من استغلاله منذئذ. كما أن هذا الخطأ دليل على فشل عمل جيشنا المتردد والمحدود ضد التنظيم على مدى الـ15 شهرًا الأخيرة، والذي “لم يخدش طرف” “حزب الله”، الذي يطلق عشرات الصواريخ نحو بلدات الشمال حتى حيفا والكريوت.
ليس المهم هي أخطاء الماضي، بل قراراتنا العملية اليوم. لكن الشكل الذي تدير فيه إسرائيل المعركة في لبنان عجيب ومقلق، وكأننا لم نستخلص الدروس من جولات مواجهة سابقة، وكأننا لم نستعد لجولة المواجهة الحالية مرة أخرى. الجيش الإسرائيلي لم يُسرّع الوتيرة حتى الآن في الحرب ضد “حزب الله”، بل ويتصرف بتردد ويواصل طريقه ببطء إلى الليطاني. وكأننا لم نقرر وجهتنا بعد، وكأننا نملك وقتًا كافيًا قبل أن يأمرنا ترامب بالتوقف.
إسرائيل ملزمة العمل بسرعة في صراعها ضد “حزب الله”. علينا أن نهجر الوهم الذي أصبح مفهومًا مغلوطًا، وبموجبه حكومة لبنان وجيشه هما من سيقومان نيابة عنا بالعمل، وسينزعان سلاح “حزب الله” (في حينه، آمنا أيضًا بأن السلطة الفلسطينية ستعمل ضد “حماس” وستنزع سلاحها).
بدلًا من ذلك، علينا أن نضرب التنظيم وغلافه السياسي والاقتصادي بكل قوة، وهو ما لا نفعله بعد، كما نضرب الغلاف اللبناني حول التنظيم الذي يسمح له بالعمل ضدنا بلا عوائق.
لماذا كان ينبغي الانتظار ثلاثة أسابيع إلى أن ضربنا (بشكل طفيف) قسمًا من الجسور التي يمرر عبرها “حزب الله” التموين لرجاله في جنوب لبنان؟ لماذا احتجنا ثلاثة أسابيع لنكتشف بأن لـ”حزب الله” جسمًا مسؤولًا عن توريد الوقود لرجاله والبدء بمهاجمة منشآته؟ ومثل هذا، يوجد لـ”حزب الله” عشرات الأجسام الأخرى التي لم نضربها بعد. وقائمة العجب طويلة.
يجدر بنا أن نستيقظ قبل انتهاء جولة المواجهة هذه، كسابقتها، دون أن نضمن الهدوء والأمن اللذين يستحقهما سكان الشمال».
للتوضيح: كان لا بد من الاستشهاد بالمقال الإسرائيلي هذا كاملًا، لأنه، في اعتقادي، الوحيد من نوعه الذي ورد في الصحافة الإسرائيلية منذ بداية حرب لبنان الجديدة في 2 آذار الجاري.
الحزام الأمني يعود… ولبنان خارج الحسابات
يقودنا ما سبق إلى خلاصة مفادها أن التحولات الجارية في لبنان، وفي مقدمها شروع إسرائيل في العودة إلى مشروع الحزام الأمني الذي أنهته بانسحابها من لبنان في أيار 2000، ما يعني أن إسرائيل يهمها في لبنان أمنها غير آبهة بمصير لبنان خارج هذا الحزام، كما كان الحال عند نشوء الحزام القديم عام 1982. وفي الوقت نفسه، يتصرف بقايا “حزب الله” على أساس أن التاريخ سيعيد نفسه كي يعود الجنوب محررًا عام 2044، أي بعد مرور 18 عامًا مماثلة لعمر الحزام السابق.
بدأ فصل جديد من الضلال الأيديولوجي لنظام ولاية الفقيه. ويبقى على النساء أن ينصرفن بنشاط لإنجاب وقود هذا الفصل من الخداع والأوهام.
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|