الصحافة

لماذا تُعاقب حنين السيّد النازحين؟

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

أمران باتا ثابتين بعد انقضاء الشهر الأول من الحرب والنزوح: الوضع الإنساني كارثي، وتكليف وزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيّد بإدارة ملف النزوح أكثر كارثية. هذا ما تتقاطع عليه مجموعة كبيرة من العاملين في القطاع الإنساني، من وكالات أمم متحدة ومنظمات دولية ومنظمات وجمعيات لبنانية محلية، جميعها أكثر خبرة من السيّد في المجال الإغاثوي الإنساني.

آخر إبداعات الوزيرة أنها تمنع منظمات وجمعيات لديها موارد جاهزة من توزيعها على النازحين خارج مراكز الإيواء بذريعة أنّها في طور إعداد آلية للتوزيع على النازحين في البيوت وعليهم الانتظار، رغم أن هؤلاء الذين يشكلون أكثر من 85% من النازحين لم تصلهم أي مساعدة، فيما تتصرف السيد مع عدم تلبية حاجاتهم وكأنه عارض جانبي.

هذا العقل اليميني في رؤيته الاجتماعية يدير أزمة إنسانية على طريقة البنك الدولي باعتماد الإنفاق الأقل وكثرة المعايير، وهنا بالضبط تكمن مشكلة تسليم إدارة أزمة إنسانية خلال الحرب لشخصية نيوليبرالية. يُضاف إليها جنوح واضح لدى السيد إلى السيطرة والتحكم واستغلال النفوذ، عبر إصرارها على تركيز كل الصلاحيات بيدها حتى لو أدى ذلك إلى تأخير عمليات الإغاثة. فحتى الفرق الطبية منعت من تقديم خدمات صحة نفسية للنازحين لأنهم لم يستأذنوها مسبقاً! وبالتالي، لم يعد ممكناً القفز فوق سؤالٍ ملح: هل التضييق على النازحين مقصود كوسيلة ضغطٍ سياسية؟

في ما يلي عرض لأربع تجارب، من أصل عشرات مع وزارة الشؤون، اختبرتها جهات عاملة في مجال الاستجابة، مع التحفّظ عن ذكر أسماء الجمعيات والمنظمات بطلبٍ منها، تفادياً لإلحاق الضرر بها، لا سيما أنّ أجواء الوزارة لا توحي بتقبّل الانتقاد.

في منتصف آذار، تقدّمت جمعية محلية لديها تمويل دولي بطلب إلى وزارة الشؤون، تبلغها أنّ لديها حصصاً غذائية جاهزة للتوزيع على النازحين ضمن محافظة بيروت. وحتى اليوم لم تحصل على موافقة السيّد. منظمة دولية تواصلت معها بلدية الهرمل، التي تستقبل في نطاقها بين 800 و1000 عائلة نازحة تقطن في بيوت أقارب أو أصدقاء، أبدت استعدادها لتقديم مبالغ مالية نقدية ومساعدات عينية، لكنها أكّدت أنها تحتاج إلى إذن «الشؤون» التي لم تمنح الموافقة بحجة أنها انتظار الآلية.

وتكرر الأمر مع عضو مجلس بلدي في بلدة جبلية، إذ أكدت له إحدى الجمعيات استعدادها للاستجابة لحاجات النازحين في البيوت ضمن نطاق البلدة، شرط أن يحصل على موافقة من «الشؤون» التي كان جوابها: «الموافقة يجب أن تأتي من رئاسة مجلس الوزراء». وفي حالٍ مشابهة، تؤكد جمعية لبنانية ذات باعٍ طويل في الاستجابة الانسانية أنّها مُنعت من إدخال المساعدات إلى مراكز الإيواء وإلى البيوت، قبل موافقة «الشؤون»، وعند المراجعة سمعت الجواب نفسه: «عليكم انتظار الآلية».

أما الحال الفاقعة فسجّلت في مدرسة ضمن قضاء عاليه، حيث وصل إلى جمعية فاعلة في المنطقة أنّ النازحين يعانون من نقصٍ في المساعدات، ويقدّم لهم طعام غير صالح، وبعد التواصل مع مديرة المدرسة وترتيب موعدٍ للزيارة للوقوف على حاجات النازحين، وصل مندوبو الجمعية، فمنعتهم مندوبة وزارة الشؤون من الدخول، وأبلغتهم أن «التحدّث مع النازحين ممنوع»! وبما أن السيّد هي المسؤولة المباشرة عن مندوبة «الشؤون»، فهي مطالبة بالتوضيح ما إذا كانت هذه التعليمات صادرة عنها، ووفق أي قانون يُمنع النازحون من التحدّث مع الجمعيات، وبأي حقٍ يحدد لهم مع من يتحدثون.

في العموم تتقاطع الملاحظات حول أداء مندوبي «الشؤون» بين أكثر من جمعية تواصلت معها «الأخبار»، وجميعها شكت من التعاطي السيّئ وعدم المرونة. كما نقلت الجمعيات حوادث حصلت خلال وجود مندوبيها في بعض المراكز، منها على سبيل المثال، تعرض النازحين خلال توزيع المياه في مدرسة في زحلة لنوعٍ من التأديب من مديرة المركز التي أخذت تصرخ عليهم لمنع إحداث فوضى والوقوف في الصف. وفي مركز آخر، سمع مندوبو إحدى الجمعيات كلاماً فيه منيّة للنازحين، على خلفية تشغيل وسائل التدفئة في المدرسة لمدة 9 ساعات، علماً أن المدرسة جبلية والنازحين يقضون فيها 15 ساعة في اليوم من دون تدفئة.

وبالعودة إلى السيّد، تفيد المعطيات أنّ «الوزيرة لا تريد لمن استفاد من مبالغ مالية نقدية أو سيستفيد منها أن يحصل في الآن عينه على مساعدات عينية». وفيما تنكبّ السيّد على تحضير لوائح بأسماء العائلات التي يمكنها الاستفادة من المساعدات العينية، لا بد من الإشارة إلى أن العائلات التي تعتبرها السيد مستفيدة من مبالغ مالية هي جزء بسيط جداً من العائلات النازحة، تلقت خلال آذار، عبر برنامج «أمان»، مبلغاً قيمته 20 دولاراً للفرد على ألّا يتعدى عدد أفراد الأسرة الخمسة، أي ما مجموعه 100 دولار لعائلة من خمسة أفراد، وأضيف إليها 45 دولاراً. بمعنى أوضح، تعتبر السيّد أن مبلغ 145 دولاراً لعائلةٍ من خمسة أفراد، كافٍ لاعتبار العائلة غير مستحقة للمساعدات العينية، وبناء عليه طلبت من الجمعيات انتظار لوائح أسماء بالعائلات التي لم تستفد من «أمان» لتوزيع الحصص الغذائية عليها، ومر على هذا الكلام أكثر من أسبوعين.

بالتوازي نُقل عن السيّد أنّها تفكّر في تجميع كل المساعدات ووضعها في الواجهة البحرية «البيال»، ودعوة النازحين الراغبين بالاستفادة الحضور إلى هناك. وإذا ما صحّ سير السيد بهكذا طرح، فهي في هذه الحال لم تفكّر في قدرة النازحين القاطنين في مناطق بعيدة على الانتقال وتكبد مصاريف التنقل، كما لم تفكر في ساعات الانتظار التي سيتحملها النازحون، وكيفية تنظيم التوزيع، ووفق أي معايير، وهل ستكفي المساعدات كل زائر لـ«البيال»، ولماذا وضع النازحين في مشهدٍ غير لائق كهذا، عوضاً عن السماح للمنظمات والجمعيات بتسليم المساعدات للمحافظين والمجالس البلدية التي يمكنها أن تقوم بتوزيعها بمرافقة الجمعيات.

الأكيد، وفق معلومات «الأخبار» أنّ السيّد سمعت في اجتماعاتها مع الجمعيات العاملة على الأرض، طلباً بإعطاء دورٍ للمحافظين والبلديات واتحاداتها، انطلاقاً من أن كل محافظة لديها غرفة إدارة كوارث، وهي أدرى بالاحتياجات ضمن نطاقاتها الجغرافية، مما يؤمن مرونة في توزيع المساعدات، والتسريع في إيصالها، وهذا ما أثبتته تجربة الاستجابة خلال عدوان 2024. وتروي المصادر أنّ «الوزيرة لم تستسغ الطرح، ورفضت منحهم صلاحيات، رغم أنهم سلطات رسمية محلية منتخبة».

لا تقتصر العرقلة على مسألة توزيع الموارد بل تتخطاها إلى مجال الدعم النفسي الاجتماعي والصحي. وفي حين أن هناك خطة وطنية للصحة النفسية وضعتها وزارة الصحة، وبناء عليها، توجّهت الجمعيات المعنية بتقديم خدمات الدعم النفسي والصحة النفسية إلى مراكز الإيواء، كانت المفاجأة برفض مندوبي وزارة الشؤون السماح للجمعيات بالعمل، متذرعين بأنّهم لم يحصلوا على موافقة من «الشؤون». الأمر أحدث توتراً، حيث طالب المعنيون في وزارة الصحة بتوضيح رسمي من «الشؤون»، لا سيما وأن الدعم النفسي الصحي والاجتماعي يقع ضمن مهام القطاع الصحي، ولا تزال الجمعيات الشريكة لوزارة الصحة تنتظر موافقة السيّد لتقديم تلك الخدمات للنازحين.

وفي المعلومات كذلك، أنّ «الجمعيات عرضت على السيّد، أن ينضم مندوب واحد إلى فريق وزارة الشؤون الذي يدير مراكز الإيواء، وذلك بعد أن اشتكت السيّد من أن أعداد الموظفين والعاملين الاجتماعيين لديها، غير كافية لإدارة مراكز الإيواء، إلا أن الوزيرة لم توافق على الطرح، وعندها فضّلت أن تطرح على هيئات الأمم المتحدة تأمين تمويل لتتعاقد الوزارة مع أشخاص يساعدون في إدارة المراكز».
في خلاصة الشهر الأول، ليس مبالغاً وصف ما يحصل، بـ«الكارثة»، لجهة السلوك وطريقة الإدارة التي لم يشهد القطاع الإنساني في لبنان مثيلاً لها على مرّ الأزمات التي اختبرها العاملون فيه.

ندى أيوب -الاخبار

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا