اهتمام لبناني بإعادة تشغيل مطار القليعات في عكار... ما جديد الملف؟
الإمارات تُعيد هندسة الجغرافيا لحماية سيادتها
في لحظة إقليمية بالغة التعقيد، لم تعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، مجرّد صراع عسكري تقليدي، بل استحالت نقطة تحوّل خطرة في المشهدين الجيوسياسي والجيوستراتيجي للمنطقة. فالتصعيد الإيراني المتسارع، وما يرافقه من استهداف ممنهج للدول الخليجية والعربية، أدخلا الشرق الأوسط في مرحلة مفصلية تحمل تداعيات عميقة لن تقتصر على الإقليم، بل ستمتدّ إلى بنية النظام الدولي بأكمله.
اللافت في هذا التصعيد أنه تجاوز قواعد الاشتباك التقليدية، ليتحوّل إلى نمط ممنهج من الهجمات اليومية، عبر الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة الانتحارية، مستهدفًا بشكل مباشر الأعيان المدنية والبنية التحتية الحيوية في دول الخليج والأردن. ولم تقتصر هذه الهجمات على منشآت عسكرية أميركية، بل طالت الموانئ والمطارات ومراكز التسوّق والأحياء السكنية ومنشآت الطاقة ومحطات تحلية المياه ومراكز الاتصالات، في خرق واضح وصريح لكل القوانين الدولية.
وتمادى المشهد أكثر مع استهداف مقار دبلوماسية، كما في الهجوم على القنصلية الإماراتية في أربيل، في سابقة تعكس مستوى غير مسبوق من التصعيد، وتؤكد طبيعة النهج القائم على تصدير الأزمات وإدارة الفوضى. ما تقوم به إيران لا يمكن تصنيفه إلّا كخرق صارخ لميثاق الأمم المتحدة، وتهديد مباشر للسلم والأمن الإقليمي والدولي.
وفي خضمّ هذا المشهد، تبرز الإمارات العربية المتحدة كإحدى أكثر الدول استهدافًا، حيث تتعرّض لهجمات متكرّرة تسعى من خلالها إيران إلى فرض معادلة ابتزاز سياسي وأمني. لكن أبوظبي لم تكتفِ بردود الفعل، بل واجهت التهديد عبر منظومات دفاع جوي متطورة وإجراءات أمنية دقيقة، نجحت في احتواء الهجمات والحدّ من تداعياتها. إلّا أن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في الهجمات، بل في الرسالة التي تحملها: محاولة تحويل أمن الخليج إلى ورقة ضغط، واستهداف المدنيين والبنية التحتية لإعادة رسم قواعد الاشتباك في المنطقة.
في كلّ تصعيد، يعود مضيق هرمز إلى الواجهة بوصفه أخطر مفاصل الصراع الاستراتيجي. فهذا الممرّ البحري، الذي يمرّ عبره جزء كبير من إمدادات الطاقة العالمية، لم يعد مجرّد شريان اقتصادي، بل تحوّل إلى أداة ضغط جيوسياسي بيد إيران. إن إغلاق المضيق أو تعطيل الملاحة فيه لا يمثل مجرّد انتهاك للقانون الدولي، بل يشكّل خطرًا مباشرًا على الاقتصاد العالمي، من أسواق الطاقة إلى سلاسل الإمداد، وصولًا إلى الأمن الغذائي في عدد من الدول.
بالتوازي، يبرز مضيق باب المندب كجبهة موازية لا تقلّ خطورة، إذ يربط خليج عدن بالبحر الأحمر وصولًا إلى قناة السويس، ويشكّل معبرًا حيويًا للتجارة العالمية بين آسيا وأفريقيا وأوروبا. وقد تحوّل، بفعل نشاط الميليشيات المرتبطة بإيران، وعلى رأسها الحوثيون، إلى نقطة تهديد دائمة للملاحة الدولية. لم يعد باب المندب مجرّد ممرّ، بل أصبح جزءًا من استراتيجية إيرانية أوسع تقوم على استخدام الجغرافيا كسلاح، عبر تهديد السفن التجارية، وتعطيل سلاسل الإمداد، ورفع كلفة الاستقرار الدولي.
في المقابل، لم تكتفِ الإمارات بالمراقبة أو الدفاع، بل تبنت مقاربة استراتيجية بعيدة المدى، تمثلت بإنشاء خط أنابيب حبشان - الفجيرة، الذي ينقل النفط من الحقول الداخلية إلى ميناء الفجيرة على خليج عُمان، خارج نطاق مضيق هرمز. هذه الخطوة لم تكن مجرّد مشروع اقتصادي، بل تعبير واضح عن رؤية سيادية تهدف إلى تقليص الاعتماد على ممرّ واحد قابل للاشتعال، وإعادة توزيع المخاطر الجيوسياسية، بحيث بات بالإمكان تصدير جزء مهمّ من النفط الإماراتي من دون المرور عبر أكثر النقاط البحرية هشاشة.
تحوّلت إمارة الفجيرة إلى "رئة اقتصادية" للإمارات، تمنحها هامشًا أكبر من المناعة في وجه التهديدات. فهي ليست مجرّد ميناء، بل جزء من منظومة تحصين استراتيجي أُعدّت لمواجهة سيناريوات التصعيد القصوى. صحيح أن هذا الخيار لا يلغي أهمية هرمز، لكنه يقلّص من قدرة أي طرف على استخدامه كورقة خنق مباشر، ويحدّ من فعالية هذا السلاح في المعادلة الإقليمية.
أمام هذا التصعيد، لم يعد الاكتفاء بالإدانات كافيًا. المطلوب تحرّك دولي فعلي عبر مجلس الأمن، واللجوء إلى الفصل السابع، لفرض إجراءات ملزمة تضمن حرّية الملاحة في مضيقي هرمز وباب المندب، ومنع أي محاولات لابتزاز الاقتصاد العالمي. فإغلاق المضائق أو التهديد به لا يمكن اعتباره مجرّد خطوة تكتيكية، بل هو شكل من أشكال "الإرهاب الاقتصادي" الذي يستهدف العالم بأسره.
في المحصّلة، لم تعد المعركة تدور فقط حول النفوذ أو الحدود، بل حول السيطرة على شرايين الاقتصاد العالمي. بين هرمز وباب المندب، تتشكّل معادلة جديدة عنوانها: من يملك القدرة على تهديد طرق الطاقة والتجارة، يملك ورقة التأثير في القرار الدولي. لكن في المقابل، تثبت التجربة أن مواجهة هذا النوع من التهديد لا تكون فقط بالقوة العسكرية، بل ببناء البدائل الاستراتيجية، كما فعلت الإمارات. وهنا تحديدًا، يتحدّد الفارق بين من يوظف الجغرافيا للابتزاز، ومن يعيد هندستها لحماية سيادته.
طارق أبو زينب - نداء الوطن
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|