بقاء القرى المسيحية مفتاح العودة… والجنوب بين الخذلان والأمل
قد يكون للمؤسسة العسكرية اعتبارات تقضي بسحب قواتها من القرى المسيحية في جنوب لبنان، لكن يبقى السؤال: لمن ستُترك هذه القرى؟ ومن سيحمي أهلها؟.
في لحظة مفصلية من تاريخ الجنوب، حيث تختلط الجغرافيا بالهوية والوجود، يبرز واقع سكان القرى الحدودية الذين بقوا في المنطقة كحالة تستدعي قراءة هادئة تتجاوز الانفعال نحو التحليل.
من رميش إلى القليعة وجديدة مرجعيون وبرج الملوك، لا تبدو هذه البلدات مجرد تجمعات سكنية، بل تمثل نقاط ارتكاز حساسة في معادلة البقاء، حيث تتقاطع اعتبارات الأمن مع البعد الاجتماعي والديمغرافي.
تعيش هذه القرى في بيئة أمنية معقدة، تتداخل فيها التوترات العسكرية مع الأزمات الاقتصادية والإنسانية.
وقد أدى الوضع الراهن إلى تراجع النشاط الاقتصادي، وتضرر القطاع الزراعي الذي يشكل مصدر دخل أساسي، إضافة إلى تعطّل جزئي في قطاعات حيوية مثل التعليم والخدمات.
ومع ذلك، يُظهر السكان مستوى لافتًا من التمسك بأرضهم، وهو خيار وجودي يعكس ارتباطًا عميقًا بالمكان، وليس مجرد قرار معيشي.
في المقابل، يطرح تراجع الحضور الميداني لبعض مؤسسات الدولة، ولا سيما الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي، مما يجعلنا امام تساؤلات مشروعة حول إدارة الأولويات في مناطق حساسة كهذه.
فالانسحاب من بعض النقاط قد يكون مرتبطًا بحسابات ميدانية أو لوجستية أو استراتيجية أوسع، إلا أن انعكاساته على المستوى المحلي تبقى كبيرة، إذ تؤثر مباشرة على شعور السكان بالأمان والاستقرار.
الجميع يعلم أنّ الجيش اللبناني بحاجة إلى تعزيز وتجهيز على مختلف المستويات، ليتمكن من أداء مهامه في منطقة تعيش توترات أمنية معقدة.
ومع ذلك، يبقى حضوره ولو بالحد الأدنى من الأسلحة عنصر طمأنة أساسيًا، إذ يشعر المواطنون بالأمان عند رؤيته إلى جانبهم، داعمًا ومساندًا في أصعب الظروف.
كما أنّ وجوده يشكل عامل ردع، حيث تتردد إسرائيل، رغم خرقها المتكرر للمواثيق الدولية، في التوغّل في أي منطقة ينتشر فيها الجيش اللبناني، لما قد يترتب على ذلك من تداعيات دولية لا تصبّ في مصلحتها.
ومن هنا، يمكن فهم القلق المتزايد لدى الأهالي بشأن الحاجة إلى ضمانات واضحة من الدولة، المفترض أن تكون المرجعية الأساسية في حماية مواطنيها.
إن مقاربة هذا الواقع تقتضي التمييز بين النيات والنتائج.
فقد تكون القرارات العسكرية مبنية على معطيات دقيقة، لكنها تحتاج إلى مواكبة تواصلية وميدانية لتخفيف تداعياتها على السكان وتعزيز الثقة بينهم وبين مؤسسات الدولة، خصوصًا في ظل اعتبار الجيش أحد آخر رموز الوحدة الوطنية.
أما على الصعيد الكنسي، فإن الدور المطلوب يتجاوز الإطار التقليدي للبيانات والمواقف، ليصل إلى صلب الحضور الاجتماعي والإنساني.
إذ تفرض طبيعة المرحلة على الكنيسة عدم التلهي بالقشور وأن تكون أكثر قربًا من الناس، سواء عبر مبادرات دعم مباشرة أو من خلال مرافقة يومية تعزز صمود المجتمعات المحلية.
وفي هذا السياق، يبرز نموذج السفير البابوي الكاردينال باولو بورجيا، الذي اعتمد مقاربة ميدانية تقوم على الزيارات المتكررة والتواصل المباشر مع سكان هذه القرى، ما يعكس بعدًا عمليًا في التضامن معهم.
هذا التباين في الأدوار يفتح الباب أمام نقاش أوسع حول تكامل المسؤوليات بين الدولة والمؤسسات الدينية، خصوصًا في مناطق حساسة على المستوى الوطني.
فالقرى الحدودية ليست مجرد أطراف جغرافية، بل عناصر أساسية في الحفاظ على التوازن اللبناني، سواء من حيث التنوع أو من حيث استمرارية الحضور السكاني.
من هذا المنطلق، يصبح الحفاظ على هذه البلدات قضية وطنية شاملة، لا تقتصر على بعد محلي أو طائفي، بل ترتبط بمفهوم أوسع للاستقرار وإعادة بناء الثقة.
استمرارية الحياة فيها تبعث برسائل إيجابية حول إمكانية إعادة إحياء المناطق المتضررة الأخرى، وتشجع على عودة النازحين إلى قراهم، بما يساهم في ترميم النسيج الاجتماعي.
صمود هذه القرى بسكانها يمتد ليشمل أولئك الذين اضطروا إلى مغادرة قراهم والنزوح إلى مناطق أكثر أمانًا.
فبقاء هذه البلدات، واستمرار حضور الدولة فيها، ولا سيما من خلال الجيش اللبناني، يشكل عامل طمأنة لهم، ويُبقي باب العودة مفتوحًا أمامهم.
إذ يشكل الحفاظ على هذه القرى نقطة ارتكاز أساسية قد تسمح تدريجيًا بعودة القرى الأخرى إلى الجنوب وإعادة الحياة إلى المنطقة ككل.
في الخلاصة، يظهر أن صمود أبناء هذه القرى، مهما كان مهمًا، لا يمكن أن يشكل بديلًا عن دور الدولة، الذي يبقى الركيزة الأساسية لحماية المواطنين وضمان استمرار الاستقرار.
دافيد عيسى- أخبار اليوم
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|