"الوفاء للمقاومة": لبنان على عتبة مرحلة يتحدّد فيها مصير حدوده
وهم ما قبل الأزمات في لبنان... المركزي يفرض انضباطًا ماليًا صارمًا
ثمة نمط مألوف في لبنان: قبيل كل أزمة، ينحرف السرد العام نحو الحنين إلى السياسات ذاتها التي ساهمت في صنع تلك الأزمات.
خذوا، على سبيل المثال السياسات القديمة التي استندت على منظومة اعتمدت على شبكة كثيفة من الوسطاء والسماسرة، أتاحت للعاملين في السوق السوداء وللمقرّبين تحقيق أرباح عبر المضاربة على العملة، صعودًا وهبوطًا. وكانت النتيجة مظهرًا من الاستقرار: ربطٌ للعملة جرى الإبقاء عليه بشكل مصطنع، رغم تآكل أسسه الاقتصادية.
لكن ذلك "الاستقرار" لم يكن سوى وهم، ووهم مكلف. فقد جاء على حساب اختلالات متفاقمة في ميزانية المصرف المركزي واستنزافٍ تدريجي لاحتياطاته من العملات الأجنبية. إن الدفاع عن سعر صرف غير قابل للاستمرار استدعى تدخلات متزايدة، إلى أن بلغ النظام حدوده القصوى. وما بدا حذرًا في حينه لم يكن إلا ترحيلًا للمخاطر إلى المستقبل، مخاطر تحققت لاحقًا بالكامل.
اليوم، تكشف ردود الفعل تجاه نهج مختلف الكثير. فحين يرفض حاكم جديد تكرار تلك الممارسات، ويختار بدلًا من ذلك الحفاظ على ودائع المودعين، باعتبارها الحق المتبقي على موارد المصرف المركزي، ويعمل بالتنسيق مع الحكومة على فرض انضباط مالي صارم لتفادي مزيد من الاضطراب، يُوصم سريعًا بعدم الخبرة. ويُقال إنه متردد أو مرتبك، بل ويُنتقد لاعتماده على الخبرات الأكاديمية.
غير أن الحذر ليس عيبًا في العمل المصرفي المركزي، بل هو جوهره. والخبرة القائمة على الاقتصاد والقانون ليست عبئًا، بل صمام أمان في مواجهة الارتجال الذي قاد إلى الأزمة أصلًا.
المشكلة الأعمق تكمن في سوء فهم، أو ربما في تناسٍ متعمّد، لمعنى الاستقرار النقدي الحقيقي. فهو ليس الحفاظ على سعر صرف ثابت بأي ثمن، وليس التغطية على الاختلالات عبر الهندسات المالية. بل هو التطبيق المتدرّج لسياسات سليمة: تنظيم فعّال للقطاع المصرفي، حماية المودعين، ومواءمة بين السياسات النقدية والمالية.
حاكم المصرف المركزي ليس مضاربًا رئيسيًا في النظام. بل هو حارسه، محافظ في قراراته، منضبط في سياساته، ومحصّن ضد إغراء الحلول السريعة التي ترهن الاستقرار طويل الأمد.
إن التحدي الذي يواجهه لبنان اليوم لا يتمثل في نقص الخبرة، بل في فائض من التوقعات الخاطئة. وما لم يُصحَّح هذا الخلل، سيبقى البلد عرضة لخلط مظاهر الاستقرار بجوهره، ولإعادة إنتاج دورة لم يعد قادرًا على تحمّلها.
لذلك وبشكل علمي واضح مبني على التجارب العالمية يمكننا التأكيد انه ليس من الضروري أن يقوم المصرف المركزي بصرف أمواله لتثبيت سعر الصرف، بل إن هذه السياسة غالبًا ما تكون مكلفة وغير فعّالة على المدى المتوسط والطويل.
الدفاع عن سعر غير واقعي للعملة عبر ضخ الدولارات من الاحتياطي قد يعطي انطباعًا مؤقتًا بالاستقرار، لكنه في الحقيقة يؤدي إلى استنزاف الموارد، ويؤجل التصحيح بدل معالجته. وعندما تنفد القدرة على التدخل، يكون الانهيار أكبر وأسرع.
التجربة الأرجنتينية تُشكّل مثالًا واضحًا على ذلك. على مدى سنوات، أنفق المصرف المركزي مليارات الدولارات في محاولة لدعم البيزو والحفاظ على سعر صرف منخفض بشكل مصطنع. إلا أن هذه السياسة لم تمنع تدهور العملة، بل أدت إلى نتائج عكسية: ارتفاع حاد في التضخم تجاوز 100%، توسّع السوق الموازية بفارق كبير عن السعر الرسمي، وتراجع الثقة بالسياسات النقدية.
الخلاصة أن استقرار العملة لا يُشترى من السوق، ولا يتحقق عبر بيع الدولار، بل يأتي نتيجة سياسات اقتصادية سليمة تقوم على ضبط المالية العامة، تقليص العجز، إعادة هيكلة القطاع المصرفي، واستعادة الثقة داخليًا وخارجيًا.
أما تثبيت سعر الصرف بالقوة، فهو حل مؤقت يستهلك الاحتياطات ويؤدي في النهاية إلى تصحيح أكثر قسوة.
لبنان اليوم بحاجة إلى مقاربة واقعية تعالج جذور الأزمة، لا إلى تكرار سياسات أثبتت فشلها في تجارب عديدة.
علمًا أن الأوضاع النقدية في لبنان حاليًا تعتبر في حالة من الاستقرار النقدي السليم، نتيجة مقاربة مختلفة تقوم على التنسيق الكامل بين السياسة النقدية التي يعتمدها مصرف لبنان والسياسة المالية التي تنتهجها الحكومة بالتعاون مع وزارة المالية.
هذا التماهي بين السياستين يشكّل عنصرًا أساسيًا في ضبط التوازن النقدي، حيث يتم التحكم بحجم الكتلة النقدية بالليرة اللبنانية بشكل مدروس، قائم على الإنفاق الطبيعي للدولة دون توسّع عشوائي أو هدر، بما يسمح بتأمين حاجات الدولة من جهة، ويمنع من جهة أخرى ضخ سيولة إضافية في السوق بشكل يؤدي إلى تضخّم غير مبرّر.
هذه المقاربة تساهم في الحفاظ على استقرار طبيعي في سعر الصرف والحد من الضغوط التضخمية وضبط الطلب على الدولار ضمن مستويات مقبولة.
وفي موازاة ذلك، يتيح هذا النهج لمصرف لبنان الحفاظ على احتياطاته بالعملات الأجنبية دون استنزاف، إذ لا يتم اللجوء إلى ضخ الدولار في السوق للدفاع المصطنع عن سعر الصرف، بل يتم ترك التوازن النقدي ينعكس بشكل طبيعي على السوق.
والأهم، أن هذه السياسة تؤكد بشكل واضح أنه لا يتم المساس بأموال المودعين، إذ إن الاستقرار الحالي لا يقوم على استخدام الاحتياطات الإلزامية أو أي أموال تعود لهم، بل على إدارة نقدية ومالية منضبطة.
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|