زوجها مريض بالسرطان وظروفها صعبة.. ابنة شقيقة الفنانة الراحلة صباح تناشد وزارة الداخلية
جوزاف عون ونواف سلام… ثنائية مفخخة
في لحظةٍ تتكثّف فيها الأخطار على لبنان، لم يعد ممكناً تزيين المشهد أو تغليفه بعبارات دبلوماسية. ما يجري في قلب السلطة هو إدارة اضطرارية لتوازن هش، لا شراكة حقيقية، بين الرئيسين جوزيف عون ونواف سلام، حيث تُدار الدولة بمنطقين متوازيين يلتقيان عند منع الانفجار ويفترقان عند كل استحقاق سيادي فعلي.
منذ تكليف نواف سلام، لم تُبنَ العلاقة على ثقة سياسية، بل على فرض واقع. خيار لم يكن نتاج تفاهم داخلي متين، بل نتيجة توازنات وضغوط، في وقت كانت فيه الوقائع تشير إلى أنّ التعاون مع الرئيس نجيب ميقاتي كان سيؤمّن حدّاً أدنى من الانسجام. لكن ما فُرض سياسياً لم يتحوّل إلى تفاهم، بل إلى إدارة يومية للخلاف كشفت سريعاً عمق التباين في الرؤية والنهج.
هذا التباين برز في أكثر الملفات حساسية، وفي مقدّمها سلاح حزب الله، حيث ظهر خطّان متوازيان، رئيس حكومة يتبنّى خطاباً صريحاً يقترب من الطرح الدولي لحصر القرار بيد الدولة، ورئيس جمهورية يتعامل بحذر بالغ، مدركاً أنّ أي اندفاعة غير محسوبة قد تفتح أبواب فتنة لا يمكن ضبطها. هنا لم يكن الخلاف على المبدأ، بل على التوقيت وحدود الاشتباك السياسي.
لكن ما كشف عمق الأزمة لم يكن الخطاب، بل الممارسة. فعندما لام رئيس الحكومة وزير الدفاع، لم يذهب رئيس الجمهورية إلى مواجهة مباشرة، بل إلى تكريس معادلة مضادة عبر التكريم. وعندما طالت الملاحظات قائد الجيش، تكرّر المشهد، تكريم مقابل انتقاد، وتثبيت مقابل مساءلة. هذه ليست مصادفات، بل تعبير واضح عن نهج يعتبر أنّ المؤسسة الأمنية يجب أن تُحاط بحماية سياسية مطلقة، حتى في وجه السلطة التنفيذية نفسها.
هنا تكمن الإشكالية الأخطر. نعم، المؤسسة العسكرية والأمنية خط أحمر، لكن تحويل هذا الخط الأحمر إلى سقف فوق المحاسبة يعني عملياً ضرب مفهوم الدولة. فالدولة لا تُحمى بإلغاء المساءلة، بل بتكريسها. وعندما يُمنع النقد بحجة الاستقرار، يتحوّل الاستقرار نفسه إلى هشاشة مقنّعة.
في المقابل، يظهر رئيس الحكومة وكأنه يحاول تثبيت منطق مختلف، يقوم على أنّ المسؤولية لا تتجزأ، وأن أي موقع، مهما كان، يجب أن يخضع للتقييم والمحاسبة. لكن هذه المقاربة تصطدم بواقع قائم، حيث يتكرّس تدريجياً نفوذ أمني شبه مستقل داخل السلطة، تُدار مفاصله بتوازنات مختلفة عن تلك التي تحكم العمل الحكومي.
الأخطر من ذلك يتجلّى في ملف التعيينات وإدارة الأجهزة. عندما يشعر رئيس الحكومة أنّه مُبعَد عن القرار الأمني، أو أنّ هذا القرار يُصاغ خارج إطار مجلس الوزراء، نكون أمام خلل بنيوي لا سياسي فقط. لأن الأمن ليس ملكاً لموقع، بل وظيفة سيادية تُدار ضمن السلطة التنفيذية مجتمعة. وأي إخلال بهذا التوازن يُضعف الدولة، مهما بدا أنه يعزّز الاستقرار.
ما نشهده اليوم هو تقاسم غير معلن للسلطة، رئيس جمهورية يمسك بالملف الأمني ويحصّنه، ورئيس حكومة يحاول تثبيت دوره الدستوري ضمن هامش ضيّق. وبين الاثنين، تضيع وحدة القرار، ويتحوّل التنسيق إلى إدارة توتر دائم بدل أن يكون شراكة حقيقية.
في زمن الحرب، قد يبدو هذا الواقع مقبولاً كحل اضطراري لتفادي الانفجار، لكن الخطورة تكمن في تحوّله إلى قاعدة دائمة. لأن الدولة التي تُدار بمنطقين تفقد تدريجياً قدرتها على الحسم، وتتحوّل إلى بنية رخوة، مهما بدت متماسكة في الشكل.
وما يزيد خطورة هذا الواقع أنّ الخارج لا يقرأ التفاصيل كما نراها في الداخل، بل يقرأ النتيجة فقط. وعندما يرى دولة تتناقض داخلها، وتُدار بإيقاعين مختلفين، ويغيب عنها القرار الموحد، فإنه يتعامل معها ككيان ضعيف، قابل للضغط، وغير قادر على فرض سيادته. وهذه ليست مسألة صورة إعلامية، بل مسألة موقع لبنان في معادلات المنطقة والعالم.
في المحصلة، المشكلة لم تعد في وجود خلاف، بل في طريقة إدارته. عندما تتحوّل حماية المؤسسات إلى تعطيل للمحاسبة، وعندما يتحوّل الأمن إلى مساحة نفوذ خارج التوازن الحكومي، نكون أمام انزلاق صامت نحو إضعاف الدولة نفسها.
محمد المدني -ليبانون ديبايت
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|