أنفاق الحدود اللبنانية - السورية... التهريب يتكيّف والدولة غائبة
لم يكن الإعلان السوري الأخير كشف نفقين يربطان الأراضي السورية ببلدة حوش السيد علي في الهرمل حدثاً أمنياً عابراً يمكن إدراجه في خانة الإجراءات الروتينية لضبط الحدود. فالتكرار اللافت لمثل هذه الإعلانات في الأشهر الأخيرة يطرح أسئلة أبعد من الواقعة نفسها: هل التهريب لا يزال مستمراً رغم كل الإجراءات؟ وما الذي يُهرّب فعلاً؟ والأهم، هل نحن أمام واقع أمني منفلت أو أمام رسائل سياسية متبادلة بين دمشق وبيروت؟
في الشكل، يبدو الأمر بسيطاً: نفق يُكتشف ويُردم. ولكن في المضمون، تعكس هذه الأنفاق تحولا في أساليب التهريب. فالأنفاق لا تحفر إلا عندما تصبح المعابر التقليدية مكشوفة أو مكلفة أمنياً، ما يعني أن الشبكات الناشطة على جانبي الحدود لم تتوقف، بل أعادت تنظيم نفسها وتكييف أدواتها مع الواقع المستجد. وبمعنى آخر، فإن كشف نفق لا يدل على نجاح كامل في ضبط الحدود بقدر ما يكشف عن مستوى متقدّم من التهرب من الرقابة.
المنطقة الممتدة بين الهرمل والقصير ليست تفصيلاً جغرافياً. فهي تاريخياً إحدى أكثر النقاط رخاوة على الحدود اللبنانية - السورية، بفعل الطبيعة الجبلية والتداخل العشائري، ووجود "حزب الله" الذي يملك القدرة على إدارة هذا الشريط الحدودي. ومن هنا، فإن أي حديث عن ضبط كامل للحدود يبقى نظرياً ما لم تُعالج هذه العوامل البنيوية.
أما في ما يتعلق بطبيعة التهريب، فالصورة مركبة. تقليدياً، شكلت هذه الحدود ممرا لكل أنواع البضائع غير الشرعية: من المحروقات والطحين والأدوية في فترات الدعم، إلى السلع الاستهلاكية للتهرب من الرسوم. إلا أن التحوّل الأبرز في السنوات الأخيرة تمثّل في تصاعد دور المخدرات، ولا سيما الكبتاغون.
في المقابل، يبقى ملف السلاح الأكثر حساسية والأقل ظهوراً في العلن. صحيح أن استخدام الأنفاق لتهريب الأسلحة ليس مستحيلا، لكنه ليس الخيار الأكثر شيوعاً.
فتهريب السلاح غالباً ما يتم عبر قنوات أكثر "حماية" ترتبط بجهات نافذة، ما يقلل الحاجة إلى وسائل معقدة كالأنفاق، إلا في ظروف استثنائية تتطلب مستويات عالية من السرية.
غير أن الأهمية الحقيقية لهذه الإعلانات لا تكمن فقط في بعدها الأمني، بل في توقيتها وسياقها السياسي. فدمشق، التي تسعى منذ فترة إلى إعادة تثبيت موقعها الإقليمي وفتح قنوات مع الدول العربية، تحرص في الوقت نفسه على إظهار قدرتها على ضبط حدودها ومحاربة التهريب. ومن هنا، يمكن قراءة هذه الإعلانات على أنها جزء من خطاب موجه إلى الخارج بقدر ما هو موجه إلى الداخل.
هذا الواقع يضع لبنان في موقع حرج. فالدولة التي تعاني أصلاً ضعفاً في الإمكانات وانقساماً في القرار، تبدو عاجزة عن مواكبة هذه التطورات بخطة واضحة وشاملة لضبط الحدود. وبينما تتكثف الإجراءات الموضعية هنا وهناك، يبقى المشهد العام خاضعاً لتوازنات معقّدة تتداخل فيها السياسة بالأمن بالاقتصاد غير الشرعي.
ولعلّ الأخطر أن هذا التباين بين الإعلان السوري والواقع اللبناني يعكس فجوة متزايدة في مقاربة ملف الحدود. ففي حين تحاول دمشق الظهور بمظهر الطرف المبادر إلى الضبط، يبدو لبنان كأنه يتلقى الوقائع أكثر مما يصنعها، ما يطرح تساؤلات عن طبيعة التنسيق بين الجانبين، وحدوده الفعلية.
في الخلاصة، لا يمكن فصل كشف الأنفاق عن المشهد الأوسع. فالتهريب على الحدود اللبنانية - السورية لم يتوقف، بل دخل مرحلة جديدة من التكيّف والتعقيد، وما الأنفاق إلا أحد وجوه هذا التحوّل. أما الرسائل السياسية الكامنة خلف هذه الإعلانات، فلا تقل أهمية عن الوقائع الأمنية نفسها، في لحظة إقليمية دقيقة تعيد رسم العلاقات بين بيروت ودمشق على إيقاع المصالح والضغوط المتبادلة.
اسكندر خشاشو - النهار
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|